مراجعات

"تاريخانيّة" عبد الله العروي!

يتوقّف عبد الله العروي في كتابه "الفلسفة والتاريخ" (2016)، السيرة الثقافيّة المُختصرة لمساره الفكري العام، أمام مفهوم التاريخانيّة، ليُرتّب جملة من المعطيات النظريّة الكاشفة عن كيفيّات تعقله لأدوار التاريخ في الفكر والسياسة. كما يتوقّف أمام المحاور والقضايا الكبرى التي شكّلت مجال اهتمامه، طيلة ما يزيد على ستة عقود من الزمن. وقد استوعب الكتاب مجموعة من الأسماء والمفاهيم والقضايا، التي نجد تفاصيلها في كتبه وأبحاثه الأخرى، من "الأيديولوجيا العربيّة المعاصرة" (1967) إلى "العرب والفكر التاريخي" (1973) إلى مصنّف "من ديوان السياسة" (2009). وهو لا يتردّد في ربط مشروعه الفكري النهضوي بالنزعة التاريخانيّة، معتبرًا أنّها البديل المناسب لأحوال التأخّر السّائدة في المجتمع العربي، والطريق الذي يسمح للعرب بولوج أبواب المجتمع الحديث.

ارتبط المنزع التاريخاني في أصوله بالفلسفة الوضعية، كما ارتبط بالفلسفات السياسيّة الناشئة في القرن التاسع عشر. وأثمر تصوّرًا مُعيّنًا يربط تحوّلات المجتمع بالبعد التاريخي، وينظر إلى مختلف المجتمعات البشريّة في إطار نوعٍ من الوحدة الجامعة، والتسلسل المحكوم بنوعٍ من السببيّة التاريخيّة. ويمكن أن نُضيف إلى ذلك، أنّ التاريخانيّة لا تحضر في مشروع العروي كفلسفة معزولة، بقدر ما تحضر كمنظومة مساعدة على فهم أحوال التأخّر العربي، إنّه يستعين بمقدّماتها الكبرى، من أجل التفكير في كيفيّات تجاوز أعطاب الحاضر العربي، وهي لا تَرِدُ في أعماله في سياق نظريّ خالص، بل تردُ في إطار نقده لفشل تيّارات الفكر الإصلاحي النهضوي، كما تبلورت في الأيديولوجيا العربيّة المعاصرة. (مقدّمة العروي للترجمة العربيّة لكتاب "الأيديولوجيا العربية المعاصرة"، طبعة 1970، ص 21).

التاريخانيّة تسمح للعرب بالمشاركة في صناعة الحاضر الكوني وبالتفكير في المستقبل بصورة مشتركة

يُدافع العروي عن التاريخانيّة (L’Historicisme) باعتبارها "النزعة التاريخية التي تنفي أي تدخّل خارجي في تسبّب الأحداث التاريخية، فالتاريخ في نظره هو مبدع كلّ ما رُوِي ويُرْوَى عن الموجودات". ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ التاريخانيّة تتبلور في كتاباته، كخلاصة تركيبيّة لاجتهادات ماركس ولينين وغرامشي وغولدمان، مع محاولة تأكيده على اختلافها عن النزعة الرومانسيّة، والنزعة التاريخيّة الوضعيّة، وفهم القرن الثامن عشر لمفهوم التقدّم، بالإضافة إلى محاولته نقد موقف ألتوسير من التاريخانيّة. ("الفلسفة والتاريخ"، ص 78).

تسمح التاريخانيّة للعرب عند اختبارها وتملّكها بالمشاركة في صناعة الحاضر الكوني، كما تسمح لهم في الوقت نفسه، مثل باقي الإنسانيّة، بالتفكير في المستقبل بصورة مشتركة. لا يتعلّق الأمر في مشروع العروي بفلسفة متعالية، أو ببناء نظري مُتخيّل، بقدر ما يتعلّق برؤية واقعية، يبرز بعض تجلّياتها في مستوى الممارسة الثقافيّة لمثقّفي العالم الثالث.

تتعدّد دلالات التاريخانيّة في فكر عبد الله العروي، يُرادفها بالحداثة، ويربطها بما يُطلق عليه منطق الأزمنة الحديثة والمُعاصَرة. كما يُرادفها مرات أخرى بالماركسيّة الموضوعيّة. وعندما ينتقد التيّارات الإيديولوجيّة السّائدة في الفكر العربي المعاصر، يفكّر في الخيار التاريخاني باعتباره البديل المناسب لأسئلة التأخّر التاريخي العربي. ولأنّه حرص في أغلب أعماله على تجنّب الجدل الفلسفي الخالص، وأعلن في المصنّف القريب من سيرته الثقافية "الفلسفة والتاريخ" إيثار العمل على النظر، فقد أقنع نفسه كما يقول، "على اعتبار التاريخانيّة بمثابة قدر لا مفرّ منه" (ص 7) ونقرأ له في "العرب والفكر التاريخي" ما يوضح قدريته: "علينا أن نقول بكلّ صراحة، إنّ المجتمع الذي يتمشّى على ضوء النظرة التاريخيّة، يسود العالم. ولم يستطع أيّ مجتمع كان المحافظة على مقامه وحقوقه إلّا بالخضوع للمنطق الجديد، أمّا الوفاء لرؤية خصوصيّة، بدون أدنى أمل في تعميمها وفرضها على الغير، فإنّه لا يؤدّي إلّا إلى كلام غير مسموع، أي اللغو في ميدان العلاقات الدوليّة" (ص 61).

ربط تصوّر العروي للتاريخانيّة ببعض جوانب ومستويات النقاش المرتبط بها في الفكر الغربي المعاصر

نقرأ في جوانب من تصوّره للتاريخانيّة صور متابعته للنقاش المرتبط بها في الفكر الفلسفي المعاصر. وإذا كنّا نعرف أنّ ليو ستروس (1889-1973) قد أبرز في دراسة له حول "موجات تشكّل الحداثة"، أنّ التاريخانيّة ترتبط بالمقدّمات الكبرى للفلسفة الوضعيّة، كما ترتبط بالدور الذي أصبح يمارسه نموذج المعرفة العلميّة على مختلف المعارف في العلوم الاجتماعيّة والسياسيّة، حيث انتشرت النزعة التاريخانيّة. وهو يعتبر أنّ التاريخانيّة أكبر من مجرّد تيار فلسفي أو مدرسة فلسفيّة، وقد وضّح في كتابه: "ما هي الفلسفة السياسيّة" (1992)؟ أنّ "التاريخانيّة تُعدّ اليوم العنوان الأكبر لعصرنا"، وأنّها بلغته "روح الأزمنة المعاصرة" (ص 60).

لا نتردّد في ربط تصوّر العروي للتاريخانيّة ببعض جوانب ومستويات النقاش المرتبط بها في الفكر الغربي المعاصر، ولا نتردّد أيضًا في النظر إلى أنّ تفكيره فيها يرتبط بتكوينه التاريخي والسياسي. ويمكن أن نضيف إلى ذلك، أنّ الصورة التي تبلورت بها في أعماله، ترتبط بالأسئلة والسياقات الفكريّة والتاريخيّة، التي سمحت له بإمكانيّة توظيفها في الفكر العربي المعاصر. إنّها تحضر في مشروعه في إطار إيمانه بأهمية الفكر التاريخي وبالتقدم الذي كان يتطلّع إليه، ويرسم ملامحه الكبرى. وضمن هذا الأفق، رتَّب اختياره ودفاعه عنها في كتابه "العرب والفكر التاريخي" (1973) وكتاب "أزمة المثقفين العرب" (1974) وكتاب "ثقافتنا في ضوء التاريخ" (1983).

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن