لم يهتم الإسرائيليون، المتباهون بديموقراطيتهم "الوحيدة في الشرق الأوسط"، بأنّ هذا الرجل متهم بالفساد. غفروا له ذلك، طالما سيعمل على تحقيق استراتيجيته المعلنة في الهيمنة والسيطرة، التي قد يمكن اختصارها في الشعار الذي لم يذكره صراحةً أبدًا: "إسرائيل فوق الجميع"؛ هذا هو ما صوّت له الإسرائيليون. وهذا كان اختيارهم "الكاشف".
بالمناسبة، تولّى أدولف هتلر السلطة في ألمانيا (النازية) على الرغم من عدم حصول حزبه على الأغلبية المُطلقة في انتخابات 1932، ولكنّه نجح بخطابه الديماغوجي المخاطب لغريزة "ألمانيا فوق الجميع" (Deutschland, Deutschland über alles) في حشد التحالفات اللازمة لوصوله إلى السلطة. شيء من هذا يحدث اليوم.
في كتاب التاريخ قد تختلف الأسماء والتفاصيل، ونصّ الشعارات، ولكن النتيجة واحدة.
آيزنكوت كان عضوًا في غرفة العمليات التي أشرفت على الإبادة
لا أعرف إنْ كان الذين انشغلوا بتمنّي خروج نتنياهو قد استمعوا إلى دانيال ليفي (Daniel Levy) المستشار السابق في الحكومة الإسرائيلية، وعضو وفدها في مفاوضات طابا وأوسلو (2). الرجل قال نصًّا قبل أيام: "لم يرتكب نتنياهو الإبادة الجماعية لثلاث سنوات بمفرده. ولم يُبقِ بمفرده على عقودٍ من الاحتلال غير القانوني. لقد كان الأمر على مستوى النظام بأكمله. وكان أيزنكوت ركنًا أصيلًا من ذلك".
للرجل، الذي وصل إلى أعلى رتبة في جيش الاحتلال (Lieutenant General)، والذي يتفاءل بعضنا بتولّيه الحكومة، تاريخ "إسرائيلي" حافل. ففضلًا عن أنه كان عضوًا في غرفة العمليات التي أشرفت على حرب الإبادة في غزّة، فهو صاحب استراتيجية ما يُعرف إسرائيليًّا باسم "المعركة بين الحروب" (Campaign Between Wars)، أي تنفيذ عمليات عسكرية واستخباراتية خاطفة ومتكرّرة ضدّ الخصوم، بهدف إنهاكهم، بدلًا من الدخول في حروب شاملة قد يدفع الإسرائيليون أنفسهم شيئًا من ثمنها.
لم يكن نتنياهو قد أطلق تصريحه الشهير عن "يد إسرائيل الطولى التي بإمكانها أن تصل إلى أي مكان في الشرق الأوسط"، وقت أن تولى غادي أيزنكوت رئاسة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي لمدة أربع سنوات (2015-2019)، إلّا أنّ التاريخ القريب يقول إنّ الجيش الإسرائيلي بقيادته شنّ أيامها آلاف الضربات على سوريا/الأسد، كما قام بعملية "درع الشمال" في جنوب لبنان.
ولم يكن بتسلئيل سموتريتش (Bezalel Smotrich)، وزير المالية الإسرائيلي، وزعيم حزب "الصهيونية الدينية" قد كشف عن العقيدة الإسرائيلية "الحاكمة" بقوله نصًّا في باريس: "لا يوجد شيء اسمه فلسطينيون، لأنّه لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني" (مارس/آذار 2023)، وقت أن أصدر أيزنكوت أوامره لجيش الاحتلال "بإطلاق النار على مسيرات العودة الكبرى السلميّة عام 2018"، ليبلغ عدد ضحايا منافس نتنياهو، الذي يراهن بعضنا عليه ما يناهز المئتين من الشهداء، وما يزيد على 23 ألفًا من المصابين، بينهم كالعادة أطفال ومسعفون وصحافيون (التفاصيل في تقرير لجنة التحقيق الدولية التي شكلتها الأمم المتحدة يومها).
كلهم يتفقون في رفض قيام دولة فلسطينية وفي "اليد الطولى" والهيمنة الإسرائيلية وفي موقفهم من عرب الداخل
بالمناسبة، ولنعلم (أو نتعلّم) أن لا فارق بين هذا وذاك، فتصريح نتنياهو عن اليد الطولى كرّره بالصيغة عينها يسرائيل كاتس وزير الدفاع. والعقيدة الإسرائيلية الحاكمة التي تمثّلت في تصريح سموتريتش في باريس (والذي، بالمناسبة أيضًا، وبالنظر إلى تاريخه، لا علاقة له بما جرى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول) أكدتها تصريحات مماثلة لوزيرة الاستيطان والمهام الوطنية أوريت ستروك (Orit Strock)، داخل الكنيست ذاته، عندما قالت: "there is no such thing as a Palestinian people…". وبالإضافة إلى هذا الوزير وتلك الوزيرة هناك كثيرون. بل ويبقى الأكثر دلالة، أنّ قائمة التصريحات المماثلة لمسؤولين إسرائيليين، سواء في الحكومة أو المعارضة، أطول بكثير ممّا يمكن تجاهله.
وقت كتابة هذه السطور، لم يُحسم الأمر بعد. فقد تأتي انتهازية التحالفات الإسرائيلية بهذا أو ذاك، ولكن المحسوم لدى مَن يقرأ الخريطة الإسرائيلية الحقيقيّة، أنّ ما سيجري، أيًّا كان، لن يعدو أن يكون استبدالًا للأقنعة. فأيزنكوت، كما نتنياهو، كما غيرهما من السياسيين الإسرائيليين، لا يختلفون حول أي من تفاصيل العقيدة السياسية "الحاكمة" للسياسة الإسرائيلية.
قد يختلف هذا وذاك حول هذه المسألة "الداخلية" أو تلك، ولكنّهم يتفقون مئة في المئة، ليس فقط في رفض قيام دولة فلسطينية، أو في سياسة "اليد الطولى"، أو في استراتيجية الهيمنة الإسرائيلية في "شرق أوسط جديد"، بل وفي موقفهم من عرب الداخل، الذين هم مواطنون إسرائيليّون من الناحية الرسمية. كلّهم يرفضون التحالف مع القائمة العربية، لا لشيء إلّا لكونها "عربية". وكلهم يتفقون على القانون العنصري ليهودية الدولة، الذي يجعل من غير اليهود عمليًّا مواطنين من الدرجة الثانية.
كلّهم يتفقون على أن تكون لإسرائيل اليد الطولى في المنطقة، تضرب اليوم في بيروت ودمشق، كما ضربت ذات يوم في تونس والدوحة. ولا نعلم أين تحديدًا ستضرب غدًا، ولكنّنا سمعنا نتنياهو يتفاخر بهذه اليد الطولى.
هي لعبة الأقنعة والألفاظ لا أكثر
حتى زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد، الذي لطالما قدّم نفسه باعتباره بديلًا عن نتنياهو، ظهر قبل حوالي العام على قناة "عربية" ليدافع عن جرائم جيش "الاحتلال" في غزّة، وليتنكّر بعد ذلك لموقفه "الديبلوماسي" من حلّ الدولتين، الذي سبق أن أعلنه في الأمم المتحدة قبل سنوات ليقول في واشنطن (سبتمبر/أيلول 2025): "لن يكون هناك حلّ للدولتين خلال العقد المقبل".
لا فرق جوهريًّا بين رئيس الحكومة ومعارضيه، في الكنيست أو عند صناديق الاقتراع. من فضلكم أعيدوا الاستماع إلى دانيال ليفي. هي لعبة الأقنعة والألفاظ... لا أكثر.
وبعد،
فلا يعني كلامي هنا أنّ كل الإسرائيليين (بلا استثناء) يتفقون مع أولئك السّاسة في غطرستهم أو عنصريّتهم، فهناك أصوات أخرى، وأقلام أخرى في "هآرتس"، على سبيل المثال. ولكن هذا القليل "جدًّا جدًّا" لن يغيّر من حقيقة الوضع، أو من العقيدة "الحاكمة". لذا وجب التنبيه... والانتباه.
(خاص عروبة 22)

