صحافة

"المشهد اليوم"... فوز ساحق للديمقراطيين وترامب يلّوح بـ"الفيتو"!وساطة قطر بانتظار الردّ الإيراني.. واليمن يؤكد أنّ "الحرس الثوري" يدير الحوثيين


ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)

أدلى الناخبون الأميركيون بأصواتهم في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي تُعدّ بمثابة استفتاءٍ شعبيٍّ على أداء الرئيس دونالد ترامب وإدارته، في ظلّ تصاعد الانتقادات تجاهه بسبب ارتفاع كلفة المعيشة، ولا سيما أسعار الطاقة، واستمرار الحرب مع إيران من دون أفقٍ واضحٍ لإنهائها. وجرت المنافسة في هذه الانتخابات على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعدًا، إلى جانب 35 مقعدًا من أصل 100 مقعدٍ في مجلس الشيوخ، وسط مكاسب لافتةٍ وانتصاراتٍ ساحقةٍ حقّقها الديمقراطيون على حساب الجمهوريين في المجلسين، ما يمنحهم القدرة على الحدّ من هامش المناورة التشريعية أمام الرئيس، فضلًا عن إمكانية فتح عددٍ من الملفات لإجراء تحقيقاتٍ بشأنها. ويُثير هذا الواقع، الذي سبق أن عكسته استطلاعات الرأي، حنق ترامب ويدفعه إلى "الخروج عن طوره"، مهددًا باستخدام ما وصفه بـ"السلطة المطلقة"، أي حق النقض (الفيتو)، في مواجهة تشريعات الديمقراطيين في حال سيطرتهم على الكونغرس. أما البيت الأبيض، فاستبق النتائج "السلبية" بإعلانه أن الرئيس "بذل كل ما في وسعه على الأرض وفعل كل ما يلزم"، معتبرًا أن الجمهوريين باتوا "في وضعٍ أفضلٍ ممّا كانوا عليه قبل أربعة أسابيع".

ويرفض ترامب الإقرار بالخسارة، ويؤكد أن ما تبقى من ولايته سيشهد مزيدًا من تطبيق قراراته، مقلّلًا من أهمية قدرة الديمقراطيين على "انتزاع" هذا المكسب منه، خصوصًا أن الفترة الماضية، التي هيمن خلالها الجمهوريون بشكلٍ كاملٍ على مجلسي النواب والشيوخ، شهدت إطلاق يده في مختلف الملفات، ما منحه هامشًا واسعًا لاتخاذ خطواتٍ "مصيرية". وتبقى العبرة في مدى قدرة الحزب الديمقراطي على تحويل المعارضة الشعبية لترامب إلى برنامجٍ تشريعيٍّ يلبّي تطلعات الناخبين، في ظلّ تباينٍ متصاعدٍ في أولوياتهم الداخلية، خصوصًا أن معظمهم خططوا حملاتهم الانتخابية على أساس مهاجمة ترامب وأجندته السياسية والاقتصادية، إلى جانب توجيه انتقاداتٍ واسعةٍ للدعم الأميركي لإسرائيل، عبر تزويدها بالتمويل والأسلحة والعتاد. وفي خطوةٍ تحمل دلالاتٍ كبيرةً، خرج ترامب "ليقلب المعادلة"، معلنًا أن تلّ أبيب لم تعد بحاجةٍ إلى المساعدات الأميركية "بعد ما حققته من نجاحاتٍ على الصعيد الاقتصادي"، وأنه اتفق مع رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، قبل أشهرٍ، على وقف تقديمها بحلول نهاية العام. وإذ أشار إلى أن الولايات المتحدة تقدّم نحو 4 مليارات دولار سنويًا لإسرائيل، قال: "لقد اتفقنا بالفعل على أننا لن ندفع الأموال بحلول نهاية هذا العام، والآن سنساعد إسرائيل إذا احتاجت إلى المساعدة". وليست فكرة إنهاء المساعدات جديدةً، فسبق لنتنياهو أن أعلن ما أسماه رغبته في التخلص التدريجي من الاعتماد على الولايات المتحدة خلال عشرة أعوام، واستبدال علاقة المانح والمتلقي بعلاقةٍ تقوم على الشراكة الصناعية والتكنولوجية. لكن القرار "القديم الجديد" أثار حالةً من القلق والارتباك داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وفق ما أفادت به "القناة الثانية عشرة الإسرائيلية"، مشيرةً إلى أن الجهات المعنية تحاول فهم دوافع تصريحات ترامب، والإطار الزمني لتنفيذ القرار، وما إذا كان يقتصر على وقف المساعدات المالية وحدها أم يشمل تغييرًا أوسع في منظومة التعاون الأمني بين البلدين.

بدورهم، استغل قادة المعارضة الإسرائيلية هذا التطور "المفاجئ"، فسارع رئيس حزب "يشار"، غادي آيزنكوت، إلى القول إن إنهاء المساعدات تدريجيًا يُظهر ضرورة رحيل نتنياهو. وأضاف أن "اطّلاع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على تحوّلٍ في علاقتنا الاستراتيجية عبر وسائل الإعلام، على غرار الجمهور الإسرائيلي، يُظهر مدى خطورة تصرّفات رئيس الوزراء، الذي لم يعد بالإمكان الوثوق فيه، ويجب استبداله". وتعالت أصواتٌ كثيرةٌ، في الفترة الماضية، على خلفية استمرار حرب الإبادة في غزّة، إلى جانب توسيع نطاق المشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة، مع اتساع رقعة هجمات المستوطنين المنظمة والممنهجة، التي وُصِفَت بأنها أشبه بعمليات "التطهير العرقي". واختبار العلاقة بين واشنطن وتلّ أبيب، في حال تنفيذ القرار، ستكون له انعكاساتٌ كبيرةٌ، خصوصًا أن تلّ أبيب تواجه معضلة تشكيل الحكومة، بعد فشل أيٍّ من الأطراف في حصد الغالبية البرلمانية. ويأمل نتنياهو، كما صرّح، في تشكيل حكومةٍ موسعةٍ، معلنًا "مدّ اليد إلى الجميع ما عدا رعاة الإرهاب"، في إشارةٍ إلى الأحزاب العربية التي حققت تقدمًا كبيرًا بحصولها على 19 مقعدًا في انتخابات الكنيست. لكن قدرتها على "توظيف" هذا النجاح واستثماره تبقى عرضةً للتجاذبات، فمعظم أحزاب المعارضة المناوئة لنتنياهو ترفض التعاون معها، وتحاول استمالة الأحزاب الحريدية، باعتبارها البديل المتاح عن الأحزاب العربية. واجتمع قادة كتلة "التغيير" الخمسة، وهم آيزنكوت، ورئيس حزب "معًا" نفتالي بينيت، وزعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، وزعيم حزب "الديمقراطيين" يائير غولان، قبل يومٍ من بدء المشاورات في مكتب الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، بشأن تشكيل الحكومة، وأعلنوا دعمهم لتكليف آيزنكوت، متفقين على مسألةٍ واحدةٍ واضحةٍ، وهي "تغيير حكومة السابع من أكتوبر".

هذا ويستغل نتنياهو هذه المرحلة الدقيقة من أجل إشعال الحروب وتوظيفها في إطار البقاء في الحياة السياسيّة، وذلك بعد أن كشفت تقارير إعلامية عديدة عن أنه يمارس ضغوطًا على ترامب لاستئناف المواجهة مع إيران بعد انتخابات الكونغرس. لكن الاتصال الأخير بين الرجلين، الذي وُصِفَ بـ"الصعب والحادّ"، يعكس اختلافًا في الرؤية والمسار المتّبع. فبينما يحرّض نتنياهو على عودة الحرب، يتمسّك ترامب بالخيار الديبلوماسي ويبقي باب الحوار مواربًا، على الرغم من أن الخيارات العسكرية موضوعةٌ على الطاولة، وسبق أن اطّلع على جميع الخطط وُضِعَت. توازيًا، تكثّفت الوساطات لإخراج الأزمة "من عنق الزجاجة" وبرزت معطياتٌ إيجابيّةٌ، إذ نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤولٍ مطلعٍ على المحادثات، أن الوسطاء القطريين يتوقعون تلقي ردودٍ من واشنطن وطهران خلال 36 ساعة بشأن مقترحٍ جديدٍ لدفع المفاوضات قدمًا. ويأتي ذلك بعد زيارة وفدٍ قطريٍّ لطهران، يوم الاثنين الماضي، واجتماعه مع نظرائه الإيرانيين، بهدف بحث المقترحات المطروحة لتقريب وجهات النظر بين الطرفين المتنازعين. ولم يُنشر نصّ مسودة المقترح بعد، لكن تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، كانت واضحةً وتعكس تمسكًا بمطالب طهران السبعة، بما يشمل إنهاء الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وإعادة فتح هُرمز، وإلغاء العقوبات الجديدة، والإفراج عن أصولها المُجمّدة في الخارج، ووقف الحرب على مختلف الجبهات، ثم الانتقال إلى محادثاتٍ بشأن ملفاتٍ أخرى، في إشارةٍ إلى الملف النووي الذي لا يضعه نظام "الجمهورية الإسلامية" في سلّم الأولويات، بل يعتبر أنه سيكون نتيجةً للتسوية التي ستُبرَم.

في الأثناء، اعتبر رئيس البرلمان وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، أن بلاده قدّمت "ردًا قويًا وعقلانيًا" إلى الجانب الأميركي، واضعًا الكرة في ملعب واشنطن في حال أرادت تجنّب الحرب. ورأى أن الردّ العسكري والاستراتيجي على "أيّ خطأٍ في حسابات العدو سيكون غير متوقع، لأنه من دون مراعاة القيود الجغرافية، سنطوي حساباتهم الخاطئة وأصولهم المادية وغير المادية". ورسمت صحيفة "إندبندنت" ثلاثة سيناريوهات للحرب الأميركية على إيران، تتراوح بين مسار التفاوض وحملة قصفٍ واسعةٍ واحتمال تصعيدٍ نوويٍّ، وهي خياراتٌ تتوقّف على حسابات البيت الأبيض وكلفة المواجهة وانعكاساتها على الداخل بعد انتخابات التجديد النصفي. ووفق الصحيفة، يُعزّز الضغط الاقتصادي فرص التفاوض، فالتضخم وارتفاع أسعار الوقود يفاقمان استياء الرأي العام وتراجع شعبية ترامب، ما يدفع المعتدلين في إدارته للسعي إلى إنهاء الحرب، بعد فشل ترامب في تنفيذ وعوده في إنهاء برنامج إيران النووي أو إسقاط نظامها. لكن على العكس، حرّك القتال الحالي ملف الممرّات المائية، التي دخلت في صلب المواجهات، مع تصاعد الاضطرابات في مضيق هُرمز، ومحاولة تأكيد "الحرس الثوري" أنه لا يزال يمسك بزمام الأمور هناك. وفي هذا الصدد، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين إقليميين وشركاتٍ أمنيةٍ ومحللين، أن إيران أطلقت خلال الأسابيع الأخيرة طائراتٍ مسيّرةً تحت الماء محملةً بالمتفجرات، واستخدمت قذائف صاروخية، ونشرت فرقًا متخصصةً لتثبيت ألغامٍ بحريةٍ لاصقةٍ على السفن خلال الفترة عينها. وفي أحدث التطورات، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أن ناقلة نفطٍ تعرضت لإصابةٍ "بمقذوفين مجهولين"، على بعد 14 ميلًا بحريًا شمال شرقي ليما في سلطنة عُمان. في حين ​قال "الحرس الثوري"، صباح اليوم الأربعاء، إن أربع ناقلات نفطٍ ‌دُمِّرَت ‌بعد ​اصطدامها ‌بألغامٍ ⁠بحريةٍ ​في أثناء محاولتها ⁠عبور "ممرٍ محظورٍ" جنوبي ⁠مضيق ‌هُرمز الحيوي، موضحًا أن النيران لا ‌تزال مشتعلةً في الناقلات، فيما ⁠جرت السيطرة على سفينتين أخريين.

تلقي هذه التوترات بثقلها على المشهد العام، ما يحتّم استمرار الحراك الديبلوماسي بهدف منع تمدّد رقعة الحرب وخروجها عن السيطرة. وفي هذا الإطار، أكدت السعودية وقطر ومصر دعم المساعي الرامية إلى التوصل إلى حلولٍ شاملةٍ تُعزّز الأمن والاستقرار في المنطقة، مشددةً على أهمية مواصلة التنسيق والتشاور المشترك. وصدر هذا الموقف المشترك خلال محادثاتٍ هاتفيةٍ جمعت وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، بنظيرَيه القطري محمد بن عبد الرحمن، والمصري بدر عبد العاطي، إذ تناولوا المستجدات الإقليمية، والجهود الدبلوماسية المبذولة لخفض التصعيد واحتواء التوترات، والحّد من اتساع النزاعات في المنطقة. وتدرك دول الخليج، ومن خلفها الدول العربية، أن التوصل إلى تسويةٍ سيكون أقلّ ضررًا وكلفةً من استمرار الأمور على ما هي عليه حاليًا، خصوصًا أن حالة "اللا حرب واللا سلم" فتحت الباب واسعًا أمام تشكّل جبهاتٍ جديدةٍ باتت مرتبطةً بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران. فاليمن أدخله الحوثيون في "مستنقع الحرب" خدمةً لمصالح "الحرس الثوري"، الذي يملك القرار المفصليّ للجماعة ويشارك في تمويلها عسكريًا وتقديم التدريب والمشورة التنفيذية لها. وكشفت وزارة الداخلية اليمنية عن وجود 21 خبيرًا أجنبيًا يعملون مع ميليشيات الحوثي، من ضمنهم 14 خبيرًا من "الحرس" و7 خبراء من "حزب الله"، وأنهم يتوزعون على 6 محافظاتٍ، ويتولون مهام التمويل والتسليح والتدريب والإشراف المباشر والمشاركة في التخطيط وإدارة العمليات وبناء القدرات العسكرية، بالتوازي مع أنشطةٍ سياسيةٍ وتنظيميةٍ واجتماعيةٍ وإعلاميةٍ تستهدف ترسيخ نفوذٍ طويل المدى، وبناء هياكل وشبكات ولاء "لدفع اليمن خارج محيطه العربي".

وهذا السلوك ليس جديدًا على نظام "ولاية الفقيه"، الذي أوجد هؤلاء "الوكلاء" لضرب استقرار الدول العربية وتفتيتها من الداخل، ما باتت تعيه هذه الدول مدركةً حجم المخاطر المحدقة بها. في الأثناء، أكد رئيس مجلس القيادة اليمني، رشاد العليمي، أن "النظام الإيراني يسعى إلى تعويض تراجع نفوذ أذرعه في عددٍ من دول المنطقة بتكثيف استثماره في الميليشيا الحوثية، مُستغِلًا موقع اليمن الاستراتيجي وقربه من ممرّات التجارة الدولية". وإذ لفت إلى أن السماح بنقل مزيدٍ من الخبرات والأسلحة والتقنيات إلى هذه الميليشيات "سيضاعف كلفة ردعها، ويطيل معاناة اليمنيين، ويرهن أمن المنطقة والملاحة الدولية بحسابات المشاريع التخريبية العابرة للحدود"، شدَّد على مُضي عملية "فجر اليمن" في تحقيق أهدافها كاملةً المتمثّلة في استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، بإسنادٍ من "تحالف دعم الشرعية" بقيادة السعودية، التي جدَّد تقديره لـ"دعمها الاقتصادي والإنساني الشامل في هذه الظروف الاستثنائية". ويتزامن دقّ "ناقوس الخطر" مع اشتداد المعارك على جبهاتٍ عدة، إذ انتقلت المواجهات من خطوط التماس التي كانت قائمة قبل التصعيد العسكري الأخير منذ تموز/يوليو الماضي، إلى مناطق استراتيجيةٍ حيويةٍ، أبرزها مديرية المقاطرة الرابطة بين تعز ولحج، التي شهدت تقدمًا ميدانيًا لجماعة الحوثيين وصولًا إلى محيط طور الباحة، إحدى البوابات الرئيسية المؤدية إلى العاصمة المؤقتة عدن. وتندرج القرارات العسكرية الأخيرة، ومن ضمنها التعيينات وحملة الإقالة لبعض الكوادر، في سياق عملية تقييمٍ ومراجعةٍ شاملةٍ لأوضاع الجبهات، ومدى قدرتها على تجاوز الانقسامات ومراكز النفوذ، التي بقيت لسنواتٍ تتحكم في إدارة العمليات. وتزيد هذه المشقّة الأمور تعقيدًا، فيما لا تزال استهدافات المملكة العربية السعودية متواصلة.

ضمن هذا السياق، ​أعلن المتحدث باسم "تحالف دعم الشرعية" في اليمن، اللواء الركن تركي المالكي، اعتراض وتدمير 3 طائراتٍ مُسيَّرة في مناطق مكة المكرمة والشرقية والجنوبية. ويأتي هذا التطور بعد يومٍ من اعتراض وتدمير صاروخٍ باليستيٍّ أطلقه الحوثيون باتجاه المنطقة الجنوبية، وطائرتين مُسيَّرتين في منطقة الرياض. من جانبها، حذّرت السفارة الأميركية في الرياض من احتمال تصاعد الهجمات، منبهةً إلى أن الأعمال العدائية قد تتسع بسرعةٍ وتتجاوز نطاقها الجغرافي الحالي. وقالت السفارة إن هجمات الحوثيين استهدفت مطاراتٍ مدنيةً وبنًى تحتيةً حيويةً أخرى، ما أسفر عن إصابة مدنيين وحدوث اضطراباتٍ كبيرةٍ في حركة السفر. ورفضت المملكة، في وقتٍ سابقٍ، جميع محاولات إدخال المنطقة في "حروبٍ عبثيةٍ"، معربةً عن سعيها إلى الاستمرار في دورها الديبلوماسي، بالتوازي مع تعزيز قدراتها الدفاعية واللوجيستية. وسيحدّد هذا الجوّ "القاتم" موازين القوى، خصوصًا أن التدخل الإيراني في ملف اليمن يتناسق مع الوضع في لبنان، إذ يتمسّك "حزب الله" بسلاحه ويرفض كل خطوات الحكومة لوقف الاستنزاف الحاصل. فيما، على المقلب الآخر، تراقب إسرائيل الجبهة الجنوبية بقلقٍ، وتستمرّ في استنفار قواتها على الحدود تحسبًا. فهي تدرك أن الحزب قد لا يكتفي بدور المتفرج إذا اندلعت الحرب على إيران، كما تعلم أن قدراته العسكرية لم تُستنفد، وأن بنيته التنظيمية والعسكرية لا تزال تتيح له التصدي لأيّ عدوانٍ واسع.

وكانت الوفود العربية والدولية التي زارت لبنان في الفترة الماضية كلها ركزت على ضرورة تحييد لبنان ومنع تدّخله في الحرب خوفًا من تداعيات ذلك، خاصة أن تل أبيب تعدّ العدة وتنتظر اللحظة المناسبة لتبرير الاستمرار في الاعتداءات والتي باتت يومية وسط حملة تدمير ممنهجة للمنازل والبنى التحتية لإعاقة عودة الأهالي اليها فيما لم تنفع جولات المفاوضات السابقة التي عقدت برعاية أميركية في التوصل إلى النتائج المرجوة. فإسرائيل تماطل وتراوغ في التنفيذ و"تنفض يدها" من التزاماتها تمامًا كما يحصل في قطاع غزّة، الذي يشهد تصعيدًا ميدانيًا خطيرًا واستمرار عمليات الاغتيال بالتزامن مع التقنين الحاد في دخول المساعدات الانسانية والغذائية وفشل "مجلس السلام" في تطبيق أي من البنود التي تم الاتفاق عليها. وضمن المستجدات الأخيرة، استُشهد 7 فلسطينيين وأصيب العشرات خلال الساعات الـ24 الماضية جراء استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار واستهداف خيام ومراكز الإيواء، وجاء ذلك بالتزامن مع زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير إلى إسرائيل لبحث المبادرات المتعلقة بمستقبل القطاع وقوة الاستقرار الدولية.

في سياق آخر، رفضت المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية غالي بهاراف ميارا طلب جهاز الأمن العام (الشاباك) إجراء تحقيقات مع 3 سياسيين عرب بشأن شبهات التدخل الأجنبي والتزوير في انتخابات الكنيست، مؤكدة غياب الأدلة التي تبرر اتخاذ هذا الإجراء. وكانت "هيئة البث الإسرائيلية" وصحيفة "يديعوت أحرونوت" قد كشفتا عن طلب تقدم به رئيس جهاز "الشاباك" ديفيد زيني لإجراء تحقيقات مع كل من رئيس "القائمة العربية الموحدة" منصور عباس، ورئيس "حزب الحركة العربية للتغيير" أحمد الطيبي، ورئيس حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" سامي أبو شحادة.

التطورات المحلية والاقليمية وتداعيات حرب إيران ناقشتها مقالات وتحليلات الصحف الصادرة اليوم في عالمنا العربي، وإليكم أبرزها:

كتبت صحيفة "عكاظ" السعودية "لا يمر يوم تقريبًا دون أن يتم اعتراض صاروخ أو مسيّرة في أجواء المملكة مصدرهما منصات المليشيا الحوثية في اليمن، يحدث ذلك بينما الحياة تمضي بإيقاعها الطبيعي في كل مكان، نعم هناك حالة من الاستياء تجاه هذا العبث الحوثي، لكن تقابلها حالة ثقة مطلقة بقوة وكفاءة الردع، وبحكمة وصواب القرار السياسي في إدارة الأزمة. استمرار الاستهداف للمملكة يمثل ضررًا جانبيًا متوقعًا ومؤقتًا لعلاجٍ استئصالي للمرض الأساسي، بدأت نتائجه تظهر بوضوح". وأضافت "هذا المرض الحوثي، لم يكن له أن يصبح مزمنًا وقادرًا على استمرار العبث لولا عدة أسباب تداخلت وتقاطعت، لتجعل هذه المليشيا الإرهابية تصل إلى ما وصلت إليه. أسباب متراكمة في الداخل اليمني، وأسباب خارجية ربما كانت أكثر أهمية خلال السنوات الأخيرة، تتمثل في عدم وقوف المجتمع الدولي بحزم لقطع شرايين الحياة الخارجية التي تمد الحوثيين بالقدرة على البقاء والاستقواء. الأمم المتحدة والدول الكبرى، مارست تراخيًا كبيرًا في التعامل مع مليشيا مسلحة تمارس الإرهاب داخل وخارج اليمن، وتراخيًا مماثلًا مع الدول التي تمدها بالسلاح والخبرات العسكرية والمال والتقنيات، بشكل مباشر أو غير مباشر".

أما صحيفة "الغد" الأردنية، فاشارت إلى أن "كل التهديدات بضربة نووية ضد إيران يُراد منها إخضاع طهران مسبقًا في أي مفاوضات، وكلفة ضربة نووية قد تمتد إلى كل المنطقة، وهذا لا ينفي أنها محتملة، لكن التهديد بها في هذا التوقيت يراد منه إخضاع إيران التي لديها أوراق خطيرة أيضا، بدءا من خنق الممرات البحرية، إلى التهديد بقطع كوابل الإنترنت، وصولا إلى إشعال كل الجبهات المساندة في العراق، ولبنان، واليمن، وتهديد منطقة الخليج العربي بما تعنيه من حساسية اقتصادية، وبنى اجتماعية، وموقع جيوسياسي يؤثر على دول المنطقة"، متسائلة "هل المقامرة بالمنطقة مضمونة النتائج بالنسبة للأميركيين والإسرائيليين، أم أن هذه المقامرة قد تجلب نتائج عكسية، وتعيد خلط الأوراق، وتأخذ الذين يستهدفونها نحو اتجاهات خارج الحسابات التقليدية؟ والإجابة عن السؤال سهلة، لأننا أمام مقامرة غير مضمونة، ولو كانت مضمونة تماما لما احتاجت واشنطن إلى كل هذا الوقت، دون حسم. لعل محاولة الاستفادة مرحليا من عدم الحسم تعود بشيء إلى خزائن واشنطن وتل أبيب السياسية والاقتصادية"، وفق تعبيرها.

في سياق متصل، أوضحت صحيفة "الوطن" البحرينية أنه "في منطقة تتسارع فيها التحولات وتتداخل فيها حسابات القوى، لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية حماية أمن الخليج العربي، بل أصبح مرتبطاً بمن يمتلك القدرة على صياغة هذا الأمن وتحديد أولوياته. ومن هنا تبرز أهمية حوار المنامة 2026، الذي تجاوز في نسخته الثانية والعشرين كونه منتدى سنوياً لمناقشة القضايا الإقليمية والدولية، ليؤكد مكانة مملكة البحرين بوصفها منصة للحوار الاستراتيجي، ومساحة تتقاطع فيها الرؤى بشأن مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة"، مشددة على أن "حجر الزاوية في مستقبل أمن الخليج العربي هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى امتلاك القدرة على منعها، ومن تنسيق المواقف عند الضرورة إلى بناء رؤية استراتيجية مشتركة. فالمنطقة تمتلك من الإمكانات والمقومات ما يؤهلها للقيام بدور مؤثر في صياغة مستقبلها، لكن التحدي الحقيقي يكمن في توحيد الإرادة وتحويل هذه الإمكانات إلى قوة سياسية وأمنية واقتصادية متكاملة".

صحيفة "اللواء" اللبنانية، من جانبها، لفتت إلى أن "صناديق الاقتراع المفتوحة في الولايات المتحدة ليست شأنًا أميركيًا داخليًا كما كانت في الأمس القريب، ولا مجرد اختبار لشعبية الرئيس دونالد ترامب بعد عامين على عودته إلى البيت الأبيض. فالناخب الأميركي، وهو يختار أعضاء الكونغرس، يشارك عمليًا في رسم مصير الحرب والسلام في العالم، وتحديد اتجاهات الاقتصاد العالمي، ومستقبل الأزمات المشتعلة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط". وقالت "لا يكمن الاختلاف بين الحزبين في أن أحدهما يريد الحرب، والآخر يعشق السلام، بل في الوسائل والأولويات. الجمهوريون في عهد ترامب يميلون إلى القوة، والقرارات الأحادية والضغط الاقتصادي، بينما يفضّل الديمقراطيون التحالفات والدبلوماسية، وإشراك الكونغرس، وذلك رغم اتفاق الطرفين على حماية المصالح الأميركية، ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن