اقتصاد ومال

بيع أصول الدولة!

يعتقد كثير من المحلّلين أنّ مسألة أصول الدولة لا تخرج عن دائرة القرار الاقتصاديّ الذي تلجأ إليه الدولة كلّما وجدت نفسها بحاجةٍ إلى السيولة أو إلى تخفيف عجز الموازنة. غير أنّ هذه المسألة يحكمها موقفٌ سياسيٌّ وأخلاقيٌّ له علاقة وطيدة بالمجتمع وبالثّروة التي يُنتجها، وهو الموقف الذي يُحدّده السؤال التّالي: هل من حقّ السلطة التّنفيذيّة أن تتصرّف في الممتلكات العموميّة من دون استفتاء أو تعاقد اجتماعيّ يُراعي مصلحة الأجيال القادمة؟. 

بيع أصول الدولة!

من خلال المُعاينة في بلادنا العربيّة نلحظ أنّ دولها تتصرّف في الأصول وكأنّها ملك ذاتيّ. من هنا تأتي المفارقة الكبرى، لأنّ المبرّر الذي تقدّمه في دعوى الإصلاح الاقتصادي غير صحيح عمليًّا. إذ تأكّد أنّ هوسها بالمقاربة الأمنيّة هو الذي دفعها إلى التّبرير واللجوء إلى البحث السهل عن الموارد الماليّة لسدّ اختلالات الماليّة العامّة. لقد أصابها عمى الهوس الأمني بعدم التفكير الجدّي في نموذجٍ تنمويٍّ جديدٍ يبني أفقًا للإصلاح في ظلّ الاستقرار، عوض اعتبارها الاتّجار في الأصول حلًّا اجتماعيًّا واقتصاديًّا. الأدهى من ذلك أنّ لجوءها إلى خيار البيع يتمّ في غيابٍ تامٍ للإصلاحات الضروريّة كمواجهتها للتهرّب الضريبي ومحاربة الريع والفساد.  

كثيرًا ما يلجأ بعض سياسيّي الدّولة إلى إيهام النّاس بأنّ بيع الأصول هو شكلٌ من أشكال خلق الثّروة باعتماده على تحويل الملكيّات القائمة إلى سيولة نقديّة يُعاد استثمارها في المشاريع الاستراتيجيّة الكبرى للدّولة. غير أنّ الأمر لا يعدو أن يكون تبريرًا واهيًا يفتقد الرؤية المتبصّرة في التّدبير والذّكاء في خلق الثّروة عن طريق اقتصاد المعرفة والابتكار. لقد تناسى هؤلاء أنّ النّتائج السلبيّة للبيع تظهر مستقبلًا في خصاص الأصول كعوائد تساهم في تمويل الخدمات العموميّة والاستثمارات الاجتماعيّة والاقتصاديّة.

التخوّف يكمن في الانتقال من الخصخصة الداخلية إلى الخصخصة الخارجية

ما تجدر الإشارة إليه أنّ آفة بيع الأصول للخواص المحلّيين غالبًا ما تتمّ بتفويتٍ غير شفّافٍ يمسّ المصلحة العامّة ويحرم الخزينة العامّة من عوائدها المستقبليّة، كما يُقوّي هيمنة احتكار القطاع الخاص الفاقد لأيّ حسٍّ وطنيٍّ. لكنّ التخوّف يكمن في الانتقال من الخصخصة الدّاخليّة إلى الخصخصة الخارجيّة؛ أي بانتقال الهيمنة على الموارد الاستراتيجيّة وتوزيع العوائد إلى فاعلٍ دوليٍّ خارجيٍّ قد يمسّ حدود السيادة الاقتصاديّة للدّولة.  

هذا ما يدفعنا إلى التّمييز بين بيع الأصول إلى دولة أجنبيّة، وبين بيعها لمستثمرٍ محلّيّ. وكلاهما جالبان لضررٍ كبيرٍ في غياب دولة وطنيّة وحكومات ديموقراطيّة ونزيهة. غير أنّ إشكاليّة البيع إلى المستثمرين الأجانب تطرح بُعدًا في غاية التّعقيد. فعندما ننظر إلى عُمان وهي تبيع 49% من شركتها لنقل الكهرباء إلى مجموعة صينيّة، نكون أمام سؤال يخصّ إشكاليّة التّوازن بين استقطاب الاستثمار والحفاظ على التحكّم الوطنيّ في هذا المرفق الحيويّ. كما أنّ بيع 30% من الشركة الشرقيّة للدّخان في مصر إلى الإمارات يطرح سؤال فائدة استجلاب السّيولة السّريعة والتخلّي عن أصل العوائد المستقبليّة، خاصّةً أنّ هذا البيع كلّف الدّولة المصريّة انخفاض حصّتها إلى نحو 20,95%.

المشروعية الاقتصادية تُقاس بمساهمة البيع في خلق قيمة مُضافة وتعزيز القدرة الوطنية على الإنتاج

انطلاقًا من نظرة اقتصاديّة منصفة، لا يمكن اعتبار بيع أصول الدّولة إجراءً سلبيًّا في مختلف أحواله وأهدافه. فكلّما اعتمد على تقييم اقتصاديّ علميّ وشفّاف مُحصّن برؤية استراتيجيّة تُراعي المصلحة الوطنيّة كان دالًا ومفيدًا، لأنّ المشروعيّة الاقتصاديّة لا تُقاس بحجم السّيولة التي يوفّرها البيع، بل بمساهمته في خلق قيمة مُضافة وتعزيز القدرة الوطنيّة على الإنتاج.

إذن، فالعبرة ليست ببيع الأصول أو بالحفاظ عليها، وإنّما بما يجعل هذا الإجراء آليّةً لتحقيق المنفعة العامّة وخدمة الأجيال القادمة.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن