صحافة

"المشهد اليوم"..هجوم أميركي على "قشم" ومفاوضات قطر "تسابق الزمن"!ترامب يترّقب نتائج انتخابات الكونغرس مع تشكيكه بنتائجها.. ومعارك طاحنة في اليمن


جدارية في طهران (وكالات)

تسود أجواءٌ من التفاؤل الحذِر بإمكانية التوصل إلى اتفاقٍ بين واشنطن وطهران، في حين تسيطر على المنطقة حالةٌ من الترقّب، وسط مخاوف من تجدّد الهجمات العسكرية، وتحذيراتٍ إيرانيّةٍ من أن الحرب لن تكون هذه المرة كسابقاتها، بل سيتّسع نطاقها وتمتدّ رقعتها. وتبذل قطر جهودًا مضنية، وتسابق الزمن بهدف تعبيد الطريق أمام تسويةٍ تكون "مُرضيةً" للطرفين، لا سيما أن الجميع يدرك الخسائر الباهظة المترتبة على استمرار القتال، وحالة المراوحة الراهنة "بين اللا حرب واللا سلم". وتتقدّم هذه الوساطات حينًا، محققةً خرقًا إيجابيًا، وتتراجع حينًا آخر، بفعل استمرار الفجوة بين الطرفين، فيما تعمل الدوحة على تقريب وجهات النظر والبتّ في المسائل الخلافية. وفي هذا السياق، نقل موقع "العربي الجديد"، عن مصدرٍ مطّلعٍ، أن وفدًا قطريًا برئاسة مستشار رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري وصل إلى طهران ليل أمس الاثنين، في إطار الاتصالات والتحركات الدبلوماسية الجارية لمنع تجدّد القتال. وعليه، ستكون الأنظار شاخصةً، خلال الساعات المقبلة، إلى الحراك السياسي ومدى قدرته على التوصل لاتفاقٍ، بالتوازي مع انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي يخوضها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وسط صعوباتٍ يواجهها الجمهوريون للاحتفاظ بغالبية المقاعد، في ظلّ تصاعد استياء الناخبين من ارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب مع إيران.

وهذه المعركة المفصلّية هي التي دفعت ترامب إلى إلقاء خطابٍ ختاميٍّ من العاصمة واشنطن، استنفر فيه الناخبين الجمهوريين، محذرًا من تمكين من وصفهم بـ"المتطرفين" من السيطرة على مفاصل القرار، ومؤكدًا أنه سيمارس صلاحياته الرئاسية وسيكون "السيد فيتو" لتعطيل مشاريع القوانين إذا استعاد الديمقراطيون الغالبية. إذ يحتاج هؤلاء إلى أربعة مقاعد في مجلس الشيوخ المؤلف من 100 مقعد، ليرتفع عددهم من 47 إلى 51، ما من شأنه أن يُشكّل استفتاءً لمدة قدرة الأخير على تنفيذ أجندته السياسيّة، وتحديد موازين القوى خلال العامين الأخيرين من ولايته. وسيقرّر نحو 210 ملايين ناخبٍ مُسجلٍ مقدار السلطة التي سيملكها ترامب مع تزايد الأصوات المناهضة له ولإدراته، وفشله في معالجة القضايا الجوهرية التي تهم المواطن الأميركي. وأظهر استطلاعٌ أجرته "رويترز – إبسوس" أن شعبية ترامب بقيت قريبةً من أدنى مستوى قياسي لها، إذ قال نحو 46 في المئة من الناخبين المسجلين في الاستطلاع إنهم سيصوتون للديمقراطيين، مقابل 38 في المئة اختاروا الجمهوريين. وتلعب حرب إيران دورًا مهمًا في تحديد الخيارات، خصوصًا أن واشنطن التي وعدت بضرباتٍ خاطفةٍ لمدةٍ قصيرةٍ بهدف إسقاط النظام والحدّ من قدراته النووية، غيّرت استراتيجيتها عشرات المرات، ودفعت دول العالم لتكبّد فاتورةٍ مرتفعةٍ بعد دخول الممرّات المائية في صلب المعارك. وفي هذا الإطار، كشفت المعطيات الواردة من كواليس البيت الأبيض وأروقة صنع القرار، استنادًا إلى ما نشرته مجلة "أتلانتيك"، عن مأزقٍ عميقٍ تتشابك فيه الحسابات السياسيّة الضيقة مع تداعيات استراتيجيةٍ وعسكريةٍ واقتصاديةٍ هائلة، قد تعصف باستقرار الإدارة الأميركية وبمستقبل أطرافٍ عدة داخلها. إذ، وبحسب الصحيفة، بدأ ترامب يستطلع آراء حلفائه ومقربين منه بشأن أداء وزير الحرب، بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، وهما من أبرز مستشاريه العسكريين، ومن أكثر المسؤولين الذين أبدوا تفاؤلًا علنيًا بإمكان تحقيق نتائج سريعة وحاسمة.

الرأي عينه طرحته صحيفة "واشنطن بوست"، التي لفتت إلى أن هيغسيث أصبح أحد أكثر أعضاء الحكومة إضرارًا بالولايات المتحدة، معتبرةً أن سجله في إدارة البنتاغون، والحرب مع طهران، والتعامل مع القيادات العسكرية، يوفّر أسبابًا كافيةً لإقالته أو عزله. لذلك، يبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كان الأخير سيصبح "كبش فداء"، عبر تحميله مسؤولية الإخفاقات وعدم القدرة على الحسم العسكري، أو إعادة الأمور إلى مسارها الطبيعي في مضيق هُرمز. ودخل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على الخطّ مجددًا، عبر ممارسة ضغوطٍ على ترامب لإقرار عملياتٍ هجوميةٍ جديدةٍ، تعويضًا عن الخسائر التي مُني بها في انتخابات الكنيست، التي لم تمنحه الغالبية اللازمة لتشكيل حكومةٍ كان، ولا يزال، يأمل في رئاستها. لكن وجهات النظر بين الرجلين لا تبدو متوافقةً تمامًا، إذ لا يزال ترامب يأمل في أن تسهم الضغوط على النظام الإيراني في دفعه إلى قبول الشروط المطروحة وتقديم التنازلات المرضية. وفي هذا السياق، صرّح الأخير بأنه ليس على عجلةٍ من أمره لاستئناف الحرب "لأننا نشلّ اقتصادهم"، مكرّرًا أن طهران تريد التوصل إلى اتفاقٍ أكثر من أي وقتٍ مضى، لكنه أبدى، في المقابل، شكوكًا بشأن الجهة التي تتخذ القرار داخل القيادة الإيرانيّة. أما نائبه جاي دي فانس، فقال إنه وترامب متفائلان تجاه احتمال التوصل إلى اتفاقٍ، متحدثًا عن إحراز "بعض التقدم". لكن العبرة الحقيقية تبقى في التنفيذ، وفي إمكانية تحويل "الخرق الجزئي" إلى تسويةٍ متكاملةٍ قابلةٍ للتطبيق، بعد فشل مذكرة تفاهم إسلام آباد وسقوطها "بالضربة القاضية"، بعد وقتٍ قصيرٍ على إقرارها.

في الأثناء، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤولٍ مطّلعٍ إشارته إلى أن المفاوضين الإيرانيين غادروا الدوحة، يوم الأحد الماضي، وأن مسودة مقترحٍ لاتفاقٍ يجري تداولها للحصول على ملاحظاتٍ بشأنها، مع احتمال عقد اجتماعٍ للمتابعة، منوّهًا بأن مغادرة الوفد لم تكن بسبب صعوباتٍ في المفاوضات. وفي وقتٍ أكد فيه وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن بلاده مستعدةٌ "لكلا السيناريوهين"، الدبلوماسية أو المواجهة العسكرية، "بل أكثر بكثيرٍ من المرات السابقة"، أضاف أن المشاورات عبر الوسيطين القطري والباكستاني "مُكثّفةٌ للغاية، وأن كل شيء يتوقف على الطرف الأميركي". ووضع الكرة في ملعب الآخر هو عينه ما أدلى به المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائي، الذي تمسّك بمطالب طهران الرئيسيّة، من رفع الحصار البحري والوصول إلى تسوياتٍ وتفاهماتٍ تُعيد فتح مضيق هُرمز. وإذ قال إن المقترح الإيرانيّ المؤلف من 7 خطوات لا يزال أساس الاتصالات، لفت إلى أن العودة إلى المفاوضات النووية غير ممكنة إلا بعد تلبية الشروط الإيرانيّة. بدوره، جزم الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، بأن هناك محاولاتٍ "لحل المشكلة عبر الحوار، وفي هذا المجال منح قائد الثورة الحكومة صلاحيات"، من دون أن يقدّم تفاصيل حول طبيعة هذه الصلاحيات وقدرتها على تحقيق خرقٍ ما، لا سيّما أن نظام "الجمهورية الإسلامية" يتّجه نحو المزيد من العسكرة والتشدّد، منذ مقتل مرشده السابق علي خامنئي. وفي انتظار حركة الوساطة المكوكية، وما يمكن أن تسفر عنه من نتائج، يبقى الخيار العسكري مطروحًا، وبقوةٍ، على الطاولة، بعد اطّلاع البيت الأبيض على الخطط والسيناريوهات المُعدّة لتوجيه ضرباتٍ قاصمةٍ إلى النظام الإيرانيّ، في حال فشلت جميع الخطوات الراهنة.

توازيًا، أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بأن الولايات المتحدة شنّت هجومًا على جزيرة قشم، أمس الاثنين، ضمن سلسلةٍ من الضربات العسكرية المحدودة، التي تنفّذها واشنطن سرًا ضدّ أهدافٍ داخل إيران منذ أسابيع. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وصفهم الهجمات بأنها ذات طبيعة دفاعية، وترمي إلى منع إيران من استهداف السفن التجارية العابرة للمضيق، ومُلمّحين إلى أنها نُفِّذت على نطاقٍ أضيق وأُخفِيَت عن عمدٍ حتى لا تشير إلى أي نيّةٍ لاستئناف الحملة العسكرية الكبرى ضد إيران. وأشارت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية (إيرنا) إلى سماع دوي انفجاراتٍ عدة في جزيرة قشم، من دون اتضاح أسبابها، فيما أعلن "الحرس الثوري" إسقاط "طائرتين أميركيتين للاستطلاع من طراز (MQM-170) في الأجواء الجنوبية للجزيرة. وفي بيانٍ منفصلٍ، لفت "الحرس" أيضًا إلى إسقاط طائرةٍ أميركيةٍ مسيّرةٍ أخرى من طراز "MQ-9" في الأجواء شرقي مضيق هُرمز، مؤكدًا ارتفاع عدد الطائرات الأميركيّة المسيّرة التي أسقطها من هذا الطراز إلى 55 طائرة، وفق حصيلته المُعلنة. وتتصاعد التوترات، وسط تراشقٍ كلاميٍّ يوميٍّ، ما يُعقّد المشهد ويقود نحو خياراتٍ متعدّدةٍ من دون القدرة على الحسم، فيما تحذّر دول الخليج من خروج الأمور عن السيطرة، داعيةً في كل مناسبةٍ ومحفلٍ إلى استعادة الهدوء وتحييد الممرّات المائية وحماية سلاسل الإمداد. وهذا الخوف نابعٌ مما تعرّضت له من قصفٍ إيرانيٍّ غاشمٍ، خصوصًا أن تقارير إعلامية منشورة ذكرت أن الصواريخ الإيرانية التي أصابت القواعد الأميركية ومنشآت الطاقة في الخليج، خلال الجولة الماضية من القتال، كشفت عن نقطة ضعفٍ في صميم الهيكل الأمني الذي بنته واشنطن على مدى عقود. فبدلاً من ردع طهران، منح الوجود العسكري الأميركي المترامي الأطراف إيران أهدافًا ثابتةً ونقاط ضغطٍ على الدول المضيفة لهذه القواعد. وهذا الموضوع المهم سيكون مدار بحثٍ معمقٍ في المقبل من الأيام، وبعد التوصل إلى تسويةٍ سيكون الخليج في صميمها، بعد أن دفع ثمن حربٍ نادى مرارًا بضرورة تجنّبها.

إلى ذلك، بدت اللقاءات التي عُقدت في الصين وكأنها تفتح الباب واسعًا أمام إمكانية التوسط بين طهران والسعودية، استكمالًا للمسار الذي بدأته ورعت خلاله الاتفاق التاريخي بين الجانبين في آذار/مارس 2023. إذ عقد وزير الخارجية، وانغ يي، لقاءين منفصلين مع نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي باقري كني، ومستشار الأمن الوطني السعودي، مساعد بن محمد العيبان، في العاصمة بكين. ونقلت وكالة الأنباء "شينخوا"، عن وزير الخارجية قوله، خلال اللقاء مع المسؤول الإيراني، إن الحوار والمفاوضات هما السبيل لحلّ صراعات الشرق الأوسط، مؤكدًا دعم بلاده لطهران في حماية سيادتها وأمنها. وفي سياق التحركات الديبلوماسيّة أيضًا، أوضحت وكالة "مهر" الإيرانية أن اتصالًا هاتفيًا جمع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. ويمكن لبكين وموسكو أن تؤديا دورًا بارزًا في الوساطة نظرًا إلى العلاقات التاريخية التي تجمعهم بالقيادة الإيرانيّة. لكن الأمور تبقى مرهونةً بخواتيمها، إذ تبقى هذه المحاولات "من دون بركة"، خصوصًا أن التصعيد بين واشنطن وطهران ينعكس على جبهاتٍ أخرى. ففي اليمن، استؤنفت المعارك العسكرية ضد الحوثيين في محور باب المندب، مع مشاركة "قوات العمالقة" الجنوبية، في عملياتٍ أسفرت، وفقًا لمصادر ميدانية، عن استعادة عددٍ من المواقع والتقدم في مناطق المواجهات. وتزامن ذلك مع استمرار الهجمات في مديرية المضاربة ورأس العارة غرب لحج، فيما تمكنّت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية من إفشال محاولات حوثية للتقدم والسيطرة على مناطق جديدة، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد تكبيدهم خسائر في الأرواح والعتاد.

وفي تعز تبقى الأوضاع على حالها، مع تفاقم المعاناة الإنسانيّة ونزوح المزيد من العائلات بحثًا عن الأمان. بينما أعلن الجيش اليمني تنفيذ 951 عملية استهدافٍ خلال أربعٍ وعشرين ساعةٍ ضمن عملية "فجر اليمن"، أسفرت عن تحييد نحو 332 من القيادات الميدانية والعناصر الحوثية، وتدمير وإعطاب 56 آلية ومعدة عسكرية. فيما نقلت وكالة "رويترز" عن أربعة مصادر عسكرية أن الحوثيين تقدموا إلى مسافة 80 كيلومترًا من العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، في أقرب نقطةٍ تصل إليها منذ عام 2015، ما يُهدّد الشريان الرئيسي الذي يربط عدن بمدينة تعز المحاصرة والخطوط الاستراتيجية المحيطة بمضيق باب المندب. تزامن ذلك مع تصعيدٍ جويٍّ وصاروخيٍّ استهدف مطارات ومواقع داخل الأراضي السعودية، إذ أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن اعتراض وتدمير صاروخٍ باليستيٍّ أطلقته الميليشيات الحوثية الإرهابية باتجاه المنطقة الجنوبية، وطائرتين مسيَّرتين في منطقة الرياض. وهذه الاستهدافات وغاياتها تدركها الحكومة اليمنيّة، التي أجرت، أمس الاثنين، تعديلًا وزاريًا في حكومة الدكتور شائع الزنداني شمل 3 حقائب هي الإعلام والخدمة المدنية والتأمينات والإدارة المحلية، كما عُيِّنَ سفير في وزارة الخارجية، ومسؤولين في وزارة النقل، في محاولة لتحسين الأوضاع الداخلية، على وقع تشديدها على حسم ملف الجماعة المدعومة من إيران. بدورها، تواصل السعودية تحركاتها الديبلوماسية، إذ استقبل ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد الأردني، الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، الذي كرّر إدانة بلاده لهجمات الحوثيين على المملكة، مؤكدًا دعم عمّان الكامل للإجراءات التي تتخذها الرياض لحماية مقدّراتها. على الصعيد عينه، بحث وزير الدفاع السعودي، خالد بن سلمان، في اتصالٍ هاتفيٍّ مع وزير الحرب الأميركي، المستجدات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الجهود الرامية إلى خفض التصعيد واحتواء التوترات في المنطقة.

ومن اليمن ومستجدّاته إلى الساحة اللبنانية المأزومة، بعد تجدّد هاجس عودة الحرب وإمكانية دخول "حزب الله" المعركة مجددًا. إذ أفاد موقع "والاه" العبري، بأن إسرائيل جدّدت رسائلها التحذيرية إلى الحكومة اللبنانية، مؤكدةً أن أيّ محاولةٍ من الحزب لاستهداف جيش الاحتلال عند "الخط الأصفر" أو في العمق الإسرائيليّ، في حال اندلاع مواجهةٍ مع إيران، ستُقابَلُ بردٍّ عسكريٍّ شديد. وبحسب الموقع، تراقب إسرائيل جهود "حزب الله" لإعادة بناء قدراته العسكرية منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، بما يشمل استئناف خطوط إنتاج الصواريخ والقذائف بمساعدةٍ إيرانيةٍ، ونقل أسلحةٍ من جنوب لبنان إلى مناطق شمال نهر الليطاني، وتجنيد عناصر جدد لتعويض خسائره في صفوف قياداته الميدانية. وهذا "الهمّ" يحرم اللبنانيين من تحسين أوضاعهم الاقتصادية وجذب المشاريع الاستثمارية، خصوصًا أن غياب التوصل إلى حلٍّ سياسيٍّ يُعوق وقف الانتهاكات الإسرائيليّة، كما يضع كل خطط إعادة الإعمار "في مهبّ الريح". وفي مواجهة هذه المخاوف، تندفع الحكومة اللبنانية نحو تفعيل الحراك الديبلوماسي، ومن هنا، جاء الاتصال بين رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ووزير الخارجية اللبنانيّ، يوسف رجي، ليؤكد دعم الدوحة المستمرّ للحلول الدبلوماسية ورفضها استمرار الحالة الراهنة من التوترات. في سياقٍ آخر، برزت زيارة الوفد الوزاري اللبناني إلى دمشق، برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري، والتي حملت الكثير من الدلالات في هذا التوقيت بالذات، إذ تتجاوز المحادثات تنظيم العمالة والنزوح إلى التنسيق الأمني والعسكري المباشر، لضبط الحدود المشتركة ومكافحة الشبكات العابرة. ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، يحاول البلدان طيّ صفحة الماضي واستعادة العلاقات الثنائية، بما يتناسب مع حجم الملفات ذات الاهتمام المشترك. وكما تفعل بيروت ودمشق، تبدو بغداد، في الشأن عينه، ساعيةً إلى تحسين علاقاتها مع جيرانها العرب، ما عكسته زيارات رئيس حكومتها، علي الزيدي، في وقتٍ لا يزال فيه ملف السلاح غير الشرعي مطروحًا على طاولة البحث، في ظلّ رفض الفصائل المسلّحة هذا المسار، المرتبط بشكلٍ أو بآخر بتسويات طهران الإقليمية.

في الشأن الإسرائيلي، عقدت الأحزاب العربية، أمس الاثنين، اجتماعًا مشتركًا في مدينة الناصرة، هو الأول من نوعه بعد انتخابات الكنيست، بهدف تنسيق المواقف من تشكيل الحكومة المقبلة، في ظلّ سعي نتنياهو إلى الاستمرار في الحكم، خصوصًا بعد إعلانه أنه يطمح إلى "تشكيل حكومةٍ موسعةٍ مع الشركاء، ومع أيّ طرفٍ يرغب في ذلك ولا يدعم الإرهاب"، في إشارةٍ إلى رفض مشاركة الأحزب العربية. وأضاف: "لقد اختارت غالبية واضحة من الجمهور اليهودي الليكود أكبر حزب، وأنا رئيسًا للوزراء لقيادة الحكومة المقبلة". وتمسّك الأخير بالسلطة يزيد الأمور غموضًا، خصوصًا أن العشرات تظاهروا في تلّ أبيب داعين إلى قطع الطريق أمام عودته، ما يشرّع الباب أمام إمكانية محاكمته بتهم الفساد والرشى التي تلاحقه. ويمكن لنتنياهو أن يغامر بأيّ شيءٍ في سبيل البقاء، لا سيما أنه يدفع نحو الحرب مع إيران ويرفض تطبيق "اتفاق الاطار" المبرم مع لبنان، فضلًا عن التصعيد في قطاع غزّة، إذ أعلنت وزارة الصحة وصول 15 شهيدًا و38 مصابًا إلى مستشفيات القطاع خلال الساعات الـ48 الماضية، بينما ارتفعت الحصيلة الإجمالية للعدوان الإسرائيلي إلى 74 ألفًا و609 شهداء و175 ألفًا و872 مصابًا، في ظلّ عجز المجتمع الدولي وفشل "مجلس السلام" في اتخاذ أيّ خطوةٍ إيجابيةٍ بسبب مراوغة الاحتلال ورفضه أيّ حديثٍ عن إعادة الإعمار وربطه بسحب سلاح حركة "حماس".

التطورات السياسية الراهنة مع تعقّد المشهد عربيًا وإقليميًا ناقشته الصحف العربية الصادرة اليوم الثلاثاء، وفي الآتي، أبرز ما ورد فيها:

أوضحت صحيفة "الرياض" السعودية أن "زيارة وفد حلف مكة لطهران كانت تهدف إلى إقناع إيران بتغليب الحلول الدبلوماسية، دعمًا للمقترح القطري الذي قُدّم إلى القيادة الإيرانية قبل يوم من زيارة الوفد. ويتضمن هذا المقترح جدولًا زمنيًا قصيرًا وإجراءات محددة وخطوات لبناء الثقة بين المتحاربين.. ولدى قبول إيران بمقترحات الوسطاء فإن الدول الثلاث، ستسعى إلى إقناع الولايات المتحدة بقبولها". وقالت إنه "بدون ذلك، فإن استئناف الحرب لم يعد بعيدًا، خاصة بعد انتهاء الانتخابات الأميركية النصفية يوم 4 نوفمبر، أي بعد أن تنتهي دوافع التهدئة لدى الجانب الأميركي، الذي كان يسعى إلى تقليل التأثير السلبي للحرب على سير الانتخابات. فمع تواتر استطلاعات الرأي التي تُظهر أن الجمهوريين سيخسرون مجلس النواب أو الشيوخ، أو كليهما، في هذه الانتخابات، كرّس الرئيس ترامب جُلّ وقته لدعم المرشحين الجمهوريين على أمل عكس تلك التوقعات". وخلصت إلى أن "الكرة الآن في ملعب إيران لإبداء المرونة الكافية وقبول مقترحات التسوية التي قدمها الوسيطان باكستان وقطر، ودعمتها زيارة المسؤولين الكبار من دول تحالف مكة".

صحيفة "الغد" الأردنية، لفتت إلى أن "دول الخليج قد خلصت إلى جملة من الحقائق، أولها أن الولايات المتحدة لا تستطيع توفير الحماية الكافية لها، وأن عليها أن تتولى حماية منشآتها النفطية وبناها التحتية، وضمان أمن الملاحة، والحد من التهديدات المرتبطة بحلفاء إيران الإقليميين، وتهيئة الاستقرار الذي تحتاج إليه مشروعات التنويع الاقتصادي لتنجح". ونبهت إلى أن "هذه المقاربة تنطلق من حقيقة جغرافية وسياسية لا يمكن تجاوزها: دول الخليج وإيران باقية في هذه المنطقة، ولا مفرّ من التعايش بينها، وإدارة الخلاف أجدى لشعوبها من المواجهة المباشرة. ومن هنا، تكتسب هذه اللقاءات دلالتها بوصفها توجّهًا نحو تعزيز استقلال القرار الخليجي، وتنويع التحالفات، وتقليل الارتهان لقرارات الدول الكبرى".

في سياقٍ آخر، رأت صحيفة "اللواء" اللبنانية أن "نتائج زيارة الوفد الوزاري اللبناني إلى دمشق لم تكن بحجم الوفد ولا بطبيعة الملفات التي حملها، ولا على قدر التوقعات التي سبقته. لكن المفاجآت التي أحاطت بالزيارة أظهرتها وكأنها لم تحظَ بالإعداد السياسي والبروتوكولي الكافي، أو أن "تطورًا ما" طرأ في اللحظات الأخيرة، فأربك برنامجها وخفّض مستوى اللقاءات التي كانت منتظرة". واعتبرت أن "المطلوب ألا تتحول مفاجآت الزيارة إلى أزمة، وألا تمر أيضًا كأن شيئًا لم يحدث. فبيروت تريد أفضل العلاقات مع دمشق، لكنها تريدها علاقات واضحة ومتوازنة بين دولتين مستقلتين، تُقاس بنتائجها لا بصورها التذكارية، وبما تحققه لشعبيهما لا بما تتركه من التباسات وتساؤلات".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن