صحافة

نتنياهو بعد الانتخابات واحتمالات التصعيد

صهيب جوهر

المشاركة
نتنياهو بعد الانتخابات واحتمالات التصعيد

متظاهرون من اليمين يحملون صوراً لبنيامين نتنياهو دعماً لرئيس الوزراء الإسرائيلي في ساحة هبيما بتل أبيب (أ.ف.ب)

حرمت الانتخابات الإسرائيلية رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وتحالفه المتطرف، من الأغلبية التي يحتاجها لتشكيل حكومة جديدة، لكنها لم تحسم مصيره السياسي، وخاصة أن الطامحين لإسقاط نتنياهو – إذا جمعنا معسكري غادي آيزنكوت والأحزاب العربية معا – فقد تفوقت عددياً، لكن التطرف الأيديولوجي النابع من طبيعة إسرائيل نفسها، والنزوع الطاغي نحو اللغة الإبادية لدى الإسرائيليين يمنع تحويل هذا التفوق إلى حكومة تُسقط نتنياهو بالفعل.

وانطلاقاً من آليات التعثر السابقة لتشكيل الحكومات، يتوقع أن يتمكن نتنياهو من تحويل وضعية الفراغ الحكومي المحتملة ورقة للحرب على مختلف الجبهات، وللتوسع الميداني في لبنان، واستمرار احتلال قطاع غزة، ومحاولات العبث بجنوب سوريا، وخاصة أن الدستور الإسرائيلي ينص، في مسألة تأليف الحكومات، على مسار زمني معقّد ومحطات إجبارية تُطيل أمد تصريف الأعمال.

فالمسار الأول هو في المهلة الرئيسية. فبعد إعلان نتائج انتخابات الكنيست، يمنح رئيس الدولة المرشح الأوفر حظاً مهلة 28 يوماً لتشكيل ائتلاف حكومي يحظى على ثقة 61 نائباً. ويمكن تمديدها بطلب منه 14 يوماً. أما المحطة الثانية هي نقل التكليف، وخاصة إذا ما فشل المكلف الأول، إلى مرشح آخر، كأن ينتقل من نتنياهو إلى آيزنكوت أو العكس، ليمنحه 28 يوماً لا يمكن تمديدها.

فيما المسار الثالث هي مهلة الكنيست، إذا فشل المرشح الثاني في التأليف، تُفتح مهلة 21 يوماً يُتاح فيها لأي مجموعة من 61 نائباً ترشيح اسم ثالث خلال مهلة أسبوعين، لكن المحطة الأخيرة هي حل الكنيست التلقائي، وخاصة إذا ما استنفدت كل هذه المحاولات، التي تستغرق قانونياً ما بين 3 و5 أشهر. يُحل الكنيست تلقائياً، ويُحدّد موعد لانتخابات مبكرة جديدة تُجرى بعد 90 يوماً. ​

وهذا يعني أنّ فترة تصريف الأعمال يمكن أن تمتد بسهولة من 6 أشهر إلى سنة كاملة، كما حدث في دوامة الانتخابات الإسرائيلية المتكررة بين العامين 2019 و2022. و​المهم هنا هو أنّ النصوص الدستورية في دولة الاحتلال لا تضع حدوداً ضيّقة لصلاحيات حكومة تصريف الأعمال في الملفات الأمنية والاستراتيجية. فهي تشير صراحة إلى استمرار الحكومة المستقيلة في أداء مهماتها حتى تشكيل الحكومة الجديدة. وخلال فترة التصريف، يكون الكنيست في حال شلل ولم يُشكّل لجانه الدائمة بعد، ما يُسقط أدوات المحاسبة والتصويت على حجب الثقة.

كما يحق للمجلس الوزاري للشؤون الأمنية والسياسية، أي الكابينت، برئاسة رئيس حكومة تصريف الأعمال إعلان الحرب، وإصدار أوامر بالتوغل البري، من دون الحاجة إلى الموافقة البرلمانية، إذ تُميز المحكمة العليا الإسرائيلية بين القرارات الإدارية والمدنية والمالية والخدماتية، التي يُفرض عليها قيود، والضرورات الأمنية والعسكرية العاجلة المرتبطة بحالات الأمن القومي، والتي تُمنح فيها الحكومة صلاحيات مطلقة وحرّية تصرف كاملة في فتح جبهات قتالية.

إذاً، ​في حال تعثر التشكيل ودخول إسرائيل في أزمة حكم طويلة تحت رئاسة نتنياهو المؤقتة، فهو سيمتلك البيئة المثالية للاستثمار في التفجير الميداني. وإذا أدرك أنّ المسار يقود إلى انتخابات مبكرة قد تخسرها كتلته، فإنّ فتح معركة شاملة مع حزب الله في لبنان وتوسيع السيطرة نحو نهر الأولي وصولاً لحدود مدينة صيدا، يمثل وسيلته الوحيدة لتجميد أي حراك سياسي داخلي واستنفار المجتمع حول خياراته.

وفي حكومة تصريف للأعمال، لن يخضع نتنياهو لابتزاز شركائه الائتلافيين في الكنيست. فهو رئيس حكومة قائمة فعلاً، ولا يمكن إسقاطها بحجب الثقة إلى حين تشكيل البديل. وهذا التحرّر يُعطيه الضوء الأخضر لتطبيق مشروع الإبادة والتهجير الحضري، إن كان في الضاحية الجنوبية لبيروت أو في البقاع، وفرض واقع ميداني دائم في لبنان.

ويبدو أن نتنياهو يعلم أنّ الإدارة الأميركية، خصوصاً بعد التأييد المعلن والمباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لن تتخلّى عن إسرائيل خلال فترة الفراغ الحكومي، بل ستغطي عملياته العسكرية بكاملها تحت شعار "حماية أمن إسرائيل في مرحلة الانتقال السياسي". وإذا استشعر نتنياهو أنّ حكومة أخرى برئاسة آيزنكوت أو غيره باتت قاب قوسين أو أدنى، فقد يُقدم في أسابيعه الأخيرة كرئيس حكومة تصريف أعمال على توجيه ضربة واسعة ومدمِّرة في لبنان وسوريا، لفرض “واقع أمني جديد”، يُلزم الحكومة بتبعاته ويمنعها من تقديم أي تنازلات تفاوضية.

لذلك، خطورة المشهد اللبناني لا تكمن فقط في استمرار نتنياهو أو مجيء آيزنكوت، بل تكمن في الفترة الزمنية التي ستغرق فيها إسرائيل في أزمة تشكيل الحكومة. وهذا متوقع. وخلال هذه الاشهر المفصلية، سيكون نتنياهو طليق اليدين، من هنا فإن الدولة اللبنانية بكل أركانها تعيش حالة خوف مضاعف، وخاصة أنها في حال لم قرارها الداخلي، عبر سيطرتها الكاملة عبر القضاء والأجهزة الأمنية، على ملف السلاح والتهريب وقرارات الحرب والسلم وخاصة بعد ملف المواد المتفجرة التي ضبطت مع عناصر حزب الله.

وهناك عنصر يُمكن أن يفرمل اندفاعة كل السيناريوهات القاتمة، وهو رفض المؤسسة العسكرية المشاركة في حرب إن كانت على إيران أو حزب الله، وهو ما حصل لفترة وجيزة، حين رفض رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، خطة لنتنياهو لشن ضربات على إيران بقصد تأجيل الانتخابات، كما أن هناك خلافات بين السلطة السياسية والجيش حول جدوى محاولة إسقاط النظام الإيراني، وحدود ما يمكن للقوة العسكرية أن تحققه، وتقديرات الاستخبارات الأميركية حول أن الحل الشافي في إسقاط النظام الإيراني هو من الداخل وليس من الخارج.

يُضاف إلى ذلك طبعا احتمال رفض المعارضة الإسرائيلية دعم هذا السيناريو، حيث تختلف الحسابات في إدارة ترامب وخاصة بين جي دي فانس وماركو روبيو، لكن النتائج قد تتقاطع. فترامب الذي يخشى تداعيات اضطراب أسواق الطاقة على الانتخابات، قد يجد في الفترة الفاصلة بين اقتراع الثلاثاء المقبل وانعقاد الكونغرس الجديد في كانون الثاني 2027 نافذة أوسع للتحرّك، وإذا حصل الديمقراطيون على أغلبية في أحد المجلسين، فإن قدرتهم على التحقيق والمساءلة والتأثير على تمويل العمليات العسكرية ستتعزز، ولكن هذا لا يعني بالضرورة تمكنهم من منع ترامب من اتخاذ قرار عسكري.

وعليه فإن الحرب التي كان يُفترض أن تساعد ترامب ونتنياهو على تجاوز مأزق سياسي داخلي قد تنتج مأزقا إقليميا أكبر، فإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية لا يضمن إسقاط النظام، مثلما لا يضمن تشكيل حكومة وحدة إسرائيلية، أو تعزيز موقع ترامب أمام الكونغرس المقبل.

ويطرح تزامن المواعيد الانتخابية مع الاستعدادات العسكرية أسئلة بنيوية عن تأثير المصالح السياسية الداخلية لترامب ونتنياهو في قرارات الحرب والسلم، ومحاولات نتنياهو للإمساك بالمنطقة، كذلك فإن إيران تضع المنطقة ودولها بين خيار حرب واسعة يؤدي إلى تدمير المنطقة ومقدراتها، وخيار تسوية أو صفقة تعيد لطهران دورها المتفوق على دول المنطقة، وتعيد لها نفوذها مع حلفائها.

(الثورة السورية)

يتم التصفح الآن