لا تبدأ الحروبُ بشكل مفاجئ. فهنالك مقدماتٌ تدريجيةٌ للتصعيد من خلال حشد القوات ورفع الجاهزية القتالية، وتوسيع العمليات المحدودة حتى الوصول إلى اللحظة الحاسمة، ونتحول إلى مواجهة أوسع. فالتحركات العسكرية والعمليات المحدودة لا تُقرأ بشكل منفصل، بل كجزء من عملية تراكمية عسكرية يصعب في الأخير احتواؤها. وهذا ما تشهده المنطقة اليوم، تتزامن الهجمات المتصاعدة على الملاحة في مضيق "هرمز" مع تعزيزات عسكرية أميركية متواصلة، بينما تحاول الوساطة منع انتقال المواجهة إلى مرحلة جديدة.
منذ بداية العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، والتي عُرفت بعملية "الغضب الملحمي" تحول مضيق "هرمز" إلى ساحة مواجهة واستنزاف رئيسية. ورغم نجاح العمليات الأميركية في استعادة جزء من حركة الملاحة وتأمين الممر الجنوبي، والإعلان عن تطهير المضيق من الألغام البحرية، فإنَّ استمرار الهجمات يكشف قدرة إيران على تهديد السفن ورفع تكلفة الحماية. وحسب التقارير، تعرضت 25 سفينة على الأقل لهجمات خلال الشهر الماضي، وأعلنت الولايات المتحدة تأمين خروج أكثر من 3 آلاف سفينة خلال 6 أشهر بتكلفة عملياتية عالية.
وتبرز في هذا السياق 5 مؤشرات رئيسية للتصعيد في المنطقة. أولها: الحشد البحري الأميركي؛ مع وجود حاملتي طائرات "جورج بوش" و"جورج واشنطن" في بحر العرب، والإعلان عن إرسال حاملة طائرات ثالثة. وتشمل القوة البحرية المنتشرة في منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأميركية مدمرات، وسفناً لقوة استكشاف بحرية، وقدرات دفاع جوي صاروخي، وقدرات إطلاق صواريخ "كروز"، واحتمال نشر القدرات البحرية الإضافية سيمنح واشنطن قدرة أكبر على توزيع المهام الدفاعية والهجومية.
الثاني: التعزيزات الجوية؛ توجد في المنطقة مجموعة من الأسراب الجوية الأميركية المقاتلة من طرز F-16 وF-15 وF-35 وA-10، إلى جانب طائرات الإسناد والإنذار المبكر. إضافة إلى منظومات الدفاع الجوي الصاروخي، والتي كان آخرها نقل مجموعة من هذه الأنظمة من وسط الولايات المتحدة إلى القواعد العسكرية بالمنطقة. مع ملاحظة مغادرة القاذفات الاستراتيجية قاعدة "فيرفورد" البريطانية إلى الولايات المتحدة، بعد اكتشاف خلية تخريب كانت تسعى لاستهداف مواقع القاذفات.
الثالث: التعزيزات البشرية والبرمائية؛ تتحدَّث التقارير عن إرسال ما بين 9 آلاف و10 آلاف عسكري إضافي، بينهم بحارة ومشاة البحرية ضمن مجموعة حاملات الطائرات وسفن الإنزال البرمائي التابعة للبعثات الاستكشافية لمشاة البحرية، وتوفر هذه القوات مرونة إضافية.
رابع مؤشرات التصعيد: تغير طبيعة التهديد البحري الإيراني؛ المخاطر لا تقتصر على المسيّرات والصواريخ، بل تشمل الألغام البحرية والوسائط البحرية الصغيرة وتنوع أساليب الاستهداف. ممَّا يعني رفع القدرات العسكرية لحماية السفن العابرة، من خلال المضيق، من منظومات استطلاع ومراقبة ومنظومات الإنذار المبكر ووسائل الدفاع الجوي والحماية البحرية.
الخامس: الجاهزية العملياتية، فالأكثر دلالةً من عدد القوات هو، تزامن وصول التعزيزات مع ازدياد في طلعات التزود بالوقود الجوي والنقل العسكري، وتحريك قدرات هجومية إضافية، ورفع مستويات الاستعداد. وهي مؤشرات ينبغي قراءتها مجتمعة، لأنَّها قد تعكس حجم الاستعداد لتوسيع العمليات، لكنَّها لا تثبت صدور القرار باستخدامها.
وعند ربط هذه المؤشرات بالتطورات الميدانية، تبرز لنا 4 سيناريوهات عسكرية للمرحلة المقبلة. يتمثل السيناريو الأول في استمرار التصعيد البطيء من خلال هجمات متقطعة وتعزيزات أميركية إضافية ومواصلة الحصار البحري، مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة. وهذا السيناريو امتداد للوضع الحالي "لا حرب ولا سلم"، لكنه يحمل خطر تراكم الحوادث والخسائر حتى يصبح الوضع القائم أكثر تكلفة واستنزافاً من تغييره.
أمَّا السيناريو الثاني، فيتمثل في تنفيذ عمليات عسكرية أميركية محدودة ضد القدرات الإيرانية المرتبطة بتهديد الملاحة مشابهة لعمليات يوليو (تموز) الماضي، بهدف تقليص الهجمات واستعادة الردع. وقد يكون هذه الخيار صاحب أولوية في الحسابات الأميركية إذ تعرضت سفينة أو قطعة بحرية لخسائر كبيرة، أو ظهرت مؤشرات على أنَّ وسائل الحماية لم تعد كافية.
ويعد السيناريو الثالث الأخطر من حيث التداعيات، فقد تنتقل المواجهة إلى تصعيد أفقي وعمودي متزامن، فيتَّسع النطاق الجغرافي للعمليات، بالتوازي مع زيادة الضربات ونوعية الأهداف، خصوصاً عند استهداف مناطقَ حساسةٍ في إيران مثل جبل الفأس أو بنية تحتية للطاقة. وعندها قد تمتد الأهداف إلى منشآت اقتصادية وبنية تحتية حيوية، مع احتمال انتقال أثرها إلى ساحات إقليمية أخرى. ولا يتطلب الوصول إلى هذا المستوى الخطير قراراً مسبقاً لحرب شاملة. فقد يبدأ الأمر بضربة محدودة يتبعها ردٌّ أكبر من المتوقع، ثم سلسلة عمليات متبادلة يصعب إيقافها دون تحمل تكلفة سياسية وعسكرية مرتفعة.
أمَّا السيناريو الرابع، فيتمثل في نجاح الوساطة القطرية في تحقيق تهدئة مرحلية، تسمح بإجراءات لتخفيف الضغوط الاقتصادية واستعادة حرية الملاحة في مضيق "هرمز"، مما قد يقلل من احتمال حدوث احتكاك عسكري. لكن لا يعني ذلك انتهاء الخلاف بين الطرفين، لكنه يساعد على إدارة الأزمة بدل توسعها. هذه السيناريوهات الأربعة لا يمكن التعامل معها بمسارات منفصلة. فقد يستمر التصعيد البطيء بالتزامن مع المفاوضات، أو قد تقع ضربة محدودة تعيد الطرفين إلى طاولة المفاوضات، أو يؤدي تعثر المفاوضات وفشل الوساطة إلى التصعيد المفاجئ وتوسيع نطاق العمليات العسكرية. لذلك فإنَّ الحكم على اتجاه الأزمة يتطلَّب متابعة لصيقة للسلوك العسكري الفعلي، وليس الاكتفاء بالتصريحات السياسية.
رغم الميل إلى احتمالية حدوث أحد سيناريوهات التصعيد المحدود أو الشامل بناءً على متابعة مؤشرات التصعيد والتحركات العسكرية. في تقديري، الحشد الأميركي يوفّر خيارات عسكرية واسعة، لكنَّه لا يكفي وحده للجزم بصدور أمر تنفيذ ضربة جديدة. وسيكون المؤشر الحاسم في اجتماع 3 مؤشرات هي، تصاعد نوعي في الهجمات الإيرانية، وتعزيز القدرات الهجومية، وتعثر المسار الدبلوماسي. فالحروب لا تبدأ عندما يقرر أحدُ الأطراف خوضها، بل عندما يفقد الجميعُ القدرةَ على إيقاف التصعيد.
(الشرق الأوسط)

