صحافة

"المشهد اليوم".. ترامب يقرّ بتأثير حرب إيران وفانس يُحدّد أسباب "الهزيمة"!خامنئي يُجدّد التمسك بـ"وحدة الساحات".. والقوات اليمنيّة تُسيطر على جبال استراتيجية بالجوف.. ولبنان يرفض زجه بأي "مغامرة عبثية"


المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ الأميركي عبد الرحمن السيد يحتفل بفوزه في انتخابات التجديد النصفي خلال تجمع انتخابي في ديترويت بولاية ميشيغان (رويترز)

تُعدّ النتائج المُبهرة التي حققها الديمقراطيون، أمس الأربعاء، في انتخابات الكونغرس بمثابة رفضٍ قاطعٍ لأجندة الرئيس دونالد ترامب السياسيّة، ما أقرّ به الأخير، معترفًا بـ"الهزيمة" التي عزا أسبابها إلى نتائج الحرب مع إيران، معتبرًا أن "الأمر يستحقّ، لأنه لا يمكن السماح لطهران بامتلاك سلاحٍ نووي". إلا أن هذا الاعتراف لا يمكن أن يُغيّر الوقائع، لا سيّما أن الناخبين قرروا "معاقبة" الجمهوريين وتوجيه رسالةٍ قاسيةٍ إليهم، بعد فوز الحزب الديمقراطي بمقاعد في ولاياتٍ كانت تاريخيًا جمهوريةً، مثل آيوا وساوث كارولاينا ونورث كارولاينا وتكساس وأوهايو، ما يُؤكد تبدّل المزاج الشعبي ورفض غالبية الأميركيين للقرارات المُتّخذة، سواء على مستوى العلاقات الخارجية أو في كيفية مقاربة الملفات الداخلية، خصوصًا المعيشية. ولن تكون المرحلة المقبلة سهلةً، بل ستكون مليئةً بالجدالات والنقاشات المحتدمة، في ظلّ تمسّك ترامب بـ"الفيتو" الرئاسي، والصلاحيات الواسعة التي لا يزال يمتلكها. ويعني ذلك أن الديمقراطيين، على الرغم من فوزهم الساحق وحصولهم على الغالبية وقدرتهم على التحكّم بملفاتٍ عديدة وفتح تحقيقاتٍ بشأنها، سيصطدمون أيضًا بتعنّت الرئيس. وبالتالي، يمكن قراءة المرحلة المقبلة على أنها أشبه بمعارك سياسيةٍ ستتطلب تفاوضًا شاقًا حول كلّ ملفٍ يُطرح، أو قد تفضي إلى حالةٍ من الشلل السياسي العام.

وإزاء هذا المشهد الجديد، يبدو الكونغرس مقبلًا على زيادة الضغط على إدارة ترامب بشأن الحرب وانعكاساتها الخطيرة، لكن الديمقراطيين أو "التسونامي الأزرق" لن يكون صاحب القرار في السياسة العسكرية أو الخارجية الأميركية، بحسب وكالة "بلومبيرغ"، ما يجعل النفط ورقةً رئيسيّةً يصعب التنبؤ بها في المستقبل. وهذه النتائج سرعان ما باتت محطّ اهتمام دولٍ عديدة لتفسير خلفياتها وأبعادها، لكن تلّ أبيب كانت من أبرز المعنيين، فاعتبرت وسائل إعلام إسرائيلية النتائج بمثابة ضربةٍ لترامب ولرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الوقت عينه، مشيرين إلى  فوز ديمقراطيين يعارضون المساعدات العسكرية الأميركية وينتقدون السياسات المتبعة في قطاع غزّة، منوهين إلى أن ذلك يعزّز التيار الساعي إلى تغيير سياسة واشنطن تجاه تلّ أبيب. فيما رأت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن النتائج تحوّل إدارة ترامب إلى ما يُعرف بـ"البطة العرجاء"، في إشارةٍ إلى صعوبة تمرير القوانين والقرارات، في ظلّ سيطرة المعارضة على السلطة التشريعية. ويُذكر أن ترامب أعلن، يوم الثلاثاء الماضي، اتفاقه مع نتنياهو على إنهاء المساعدات الأميركية السنوية لإسرائيل بحلول نهاية العام الجاري، من دون توضيح آلية التنفيذ، ما ترك غموضًا في الداخل، وسط تساؤلاتٍ عن ماهية المرحلة المقبلة. إذ إن نتائج انتخابات الكنيست عسكت أيضًا تغيّرًا في المزاج الإسرائيليّ، بعد خسارة نتنياهو الغالبية البرلمانية، وبالتالي، سيصعب تشكيل الحكومة من دون التوافق مع المعارضة، التي سارعت إلى استغلال نتائج الكونغرس لـ"تحجيم" نتنياهو ومحاولة إزاحته عن المشهد السياسي.

هذه "الضربة" لا تعني تبدلًا استراتيجيًا في طبيعة السياسات الأميركية تجاه إسرائيل، لكنها قد تُسهمُ في زيادة الضغوط على الجانبين، لأن طبيعة الدعم في ظلّ حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزّة كان لها نصيبها في النتائج، إلى جانب تداعيات حرب إيران. وهذا ما كشفه نائب الرئيس الأميركي، جاي دي فانس، في منشورٍ على منصة "إكس"، اعتبر فيه أن الاستطلاعات أظهرت أن ناخبين كثر، ممّن صوتوا في السابق للجمهوريين، أعادوا حساباتهم هذه المرة، وإعادة جذبهم تعني تأمين شروطهم، التي لخصها بإنهاء الحرب والتركيز على الأوضاع المعيشية والاقتصادية ووضع "أميركا أولًا" وتغيير طبيعة العلاقة مع تلّ أبيب. وفي هذا الإطار، اعتبر كُثر هذا المنشور بمثابة "نأي بالنفس" عن التبعات، وفتح "معركةٍ مُبكرةٍ" لانتخابات الرئاسة في العام 2028، فانتقدت صحيفة "وول ستريت جورنال" فانس، واتهمته بإلقاء مسؤولية الهزيمة الانتخابية الساحقة، التي مُني بها الحزب الجمهوري، على الآخرين. كما اعتبرت أن دعوته إلى إنهاء الحرب على إيران تمثّل رسالةً تعكس حالةً من اليأس، وتُقوّض موقف ترامب في مرحلةٍ بالغة الحساسية من عمر الصراع. وبحسب الصحيفة، يُوجِّه نشر موقفه على وسائل التواصل الاجتماعي رسالةً إلى الإيرانيين مفادها أنهم باتوا يملكون اليد العليا في المفاوضات المتعلقة بالملف النووي ومضيق هُرمز، خصوصًا أن فانس لا يطرح شروطًا لتحقيق السلام، بقدر ما يركز على الخروج من الحرب. ووصفت الصحيفة ذلك بأنه يقترب من دعوةٍ علنيةٍ للاستسلام، متسائلةً عن مدى إمكانية استمراره بمصداقيةٍ في دور المفاوض الرئيسي مع إيران.

بدوره، ذكر مستشار في البيت الأبيض لوكالة "رويترز" أن بعض المسؤولين والموظفين داخل البيت الأبيض يرون في تصريح فانس خروجًا عن سياسة الرئيس الخارجية، واعترافًا علنيًا بأن للحرب عواقب اقتصادية داخلية. ويترك هذا "الإنقسام" والتشقق المزيد من التداعيات السلبية وسط تساؤلات بشأن الاستراتيجية الأميركية المتبعة وكيفية الوثوق بها بعد "مستنقع إيران" وتردّدها في دعم الحلفاء الاستراتيجيين، وفي مقدمتهم دول الخليج التي تعرّضت لضربات قاصمة استهدفت منشآتها الحيوية والنفطية. ومن هنا خرجت شبكة "سي إن إن" لتنقل عن مستشار للرئيس ترامب  قوله إن الرئيس يشعر بأنه تعرض للتضليل بشأن الحرب، وإنه ينبغي أن يدفع شخص ما ثمن ذلك، وسط تكهنات بإمكانية إجراء تغييرات في فريقه. وتتجه الانظار إلى وزير الحرب بيت هيغسيث، المدافع الشرس عن ضرورة استئناف الهجمات على إيران، وسط تقارير إعلامية عن احتمال استقالته أو إقالته، رغم تأكيد الرئيس ترامب تمسّكه به واستمراره في منصبه لإعتباره أنه "يقوم بعمل جيد للغاية". إلا ان العبرة تبقى في الخطوات التي سيتخذها ساكن "البيت الأبيض" ومن سيكون بمثابة "كبش فداء" من أجل اعادة استمالة الرأي العام الغاضب، خاصة أن نتائج انتخابات الكونغرس تعكس مزاجًا شعبيًا يؤكد على اهمية المحاسبة والعدالة، وهو ما لا يمكن لترامب وفريقه التغاضي عنه إن أرادوا "إنقاذ السفينة الغارقة". وينعكس كل هذا على سيّاق الوساطات المستمرة بين واشنطن وطهران وإمكانية الدفع أكثر نحو التوصل إلى تسوية مرضية، في حين كشف موقع "أكسيوس"، نقلًا عن مسؤولين أميركيين إشارتهم إلى أن الجيش يضع اللمسات الأخيرة على استعداداته لاحتمالية استئناف الحرب على إيران، بما في ذلك إرسال المزيد من التعزيزات العسكرية إلى المنطقة. وكان مسؤولون إيرانيون احتفوا بهزيمة ترامب الانتخابيّة، معتبرين أنها دليل على أنهم حققوا انتصارات "مدوية" في الحرب.

وفي هذا السيّاق، أكد المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، في بيان بمناسبة ذكرى اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979، أن مَن يعلّقون "أدنى أمل" على تغيير سلوك الولايات المتحدة بفعل "التبدُّلات الحزبية والفئوية"، أو على تقديم تنازلات لها، "مخطئون بشدة"، محذِّرًا من أن المواجهة مع الإدارة الأميركية ستتخذ "أبعادًا أوسع بكثير" إذا تكرّرت "الاعتداءات". وإذ توعَّد الأخير بتوسيع جبهات المواجهة، تحدث مرة أخرى عن "وحدة ساحات جبهة المقاومة"، من فلسطين ولبنان إلى العراق واليمن. ويعكس الموقف كيفية محاولة النظام الإيراني "تطويع" الظروف الراهنة لمصلحته خاصة أن الوساطة القطرية لا تزال على طاولة البحث بانتظار موقف طهران الرسمي وردّها على البنود التي وردت فيها. من جانبه، اعتبر رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف أن تصويت الأميركيين هو "لا للحرب...ونحن نؤيد هذه الرسالة". وأضاف "إذا خانت الحكومة الأميركية إرادة شعبها لتخدم جهات دولية تموّل وتمارس الابتزاز، فستدرك أن كلمة (لا) التي نقولها يرافقها كابوس". أما محافظ البنك المركزي، عبد الناصر همتي، فعّد أن محاولة عزل إيران اقتصاديًا وإسقاط اقتصادها انتهت إلى "إقصاء الجمهوريين سياسيًا عن السلطة التشريعية الأميركية". في غضون ذلك، يدرك القاصي والداني أن نظام "الجمهورية الاسلامية" كان ينتظر هذه "الفرصة" ويعول عليها من اجل الاستمرار بتمسك بشروطه ورفضه التنازل عنها، إذ يُعيد القادة الإيرانيون في كل مناسبة الحديث عن مطالبهم السبعة بإعتبارها أساس لأي توافق أو تفاهم مستقبلي، مع وضع الملف النووي "على الرف" وربطه بالتسوية، منبهين من أن عودة العمليات العسكرية لن تواجه كما في السابق، بل ستؤدي إلى توسيع نطاق الردّ. وفي أحدث تصريح له، قال قائد "فيلق القدس"، العميد إسماعيل قاآني، إن واشنطن خسرت مضيق هُرمز، منبهًا بأنها في حال واصلت "سلوكها المقامر" في الحرب، فإن "جبهة المقاومة" ستكون قادرة على توجيه "ضربات أساسية" لها، "على السطح وفي العمق".

تزامنًا، بات مضيق هُرمز في قلب المعادلات بعدما استطاعت طهران "زعزعة" أمن الممرات المائية مع إزدياد الاضطرابات في هذا الشريان الاقتصادي الحيوي. وضمن هذا الشأن، نقلت وكالة "رويترز" عن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية أن سول تعتزم توسيع نطاق عمليات وحدة "تشيونجهيه" لمكافحة القرصنة لتشمل مياهًا أقرب إلى مضيق هُرمز. وتتمركز الوحدة، المقرر انتهاؤها بنهاية العام الجاري، في خليج عدن منذ عام 2009 لحماية الملاحة التجارية. ويهدف المقترح، الذي يتطلب موافقة الرئيس لي جيه ميونغ ومجلس الوزراء، إلى توسيع منطقة عملياتها لتشمل المياه القريبة من ميناء الدقم العماني، على بُعد نحو 650 كيلومترًا من المضيق. وكان "الحرس الثوري" أعلن أمس عن وقوع انفجارات في 4 ناقلات نفط وتوقيف ناقلتين أخريين جنوب هُرمز، بدعوى سلوكهما مسارات غير مُصرح بها. كما أعلن إسقاط طائرتين مسيّرتين في أجواء المضيق وجزيرة "قشم"، التي قالت إحدى التقارير الاعلامية أنها تعرّضت إلى "ضربات أميركية ولكن تم التحفظ عليها". وتتبادل واشنطن وطهران الاتهامات بشأن من يملك الحسم في الممر الاستراتيجيّ مع استمرار الحصار البحري على السفن والموانىء الأميركية إلى جانب العقوبات التي "تنهش" في الاقتصاد وتؤثر بشكل مباشر على الشعب مع تدهور سعر صرف العملية الوطنية. وأمس أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن فرض عقوبات جديدة استهدفت شخصين وكيان لدورهم في "مساعدة النظام الإيراني في الحصول على أنظمة دفاع جوي محمولة على الكتف"، مشدّدة على أن الإجراءات الجديدة تهدف إلى "إغلاق مزيد من القنوات التي تستخدمها طهران لمحاولة إعادة بناء ترسانتها العسكرية".

وتأمل واشنطن بأن تسهم هذه الضغوط المتفاقمة بدفع طهران نحو تقديم تنازلات في حين تتمسك الأخيرة وتحاول حماية ساحتها الداخلية من أي توترات، رغم أن "النار تحت الرماد". ويتحمّل الإيرانيون التكلفة الباهظة في هذه الحرب تمامًا كما اليمنيون الذين وجدوا نفسهم في خضم معارك محتدمة بعدما قرّر الحوثيون الممولون من "الحرس الثوري" دخول معترك المواجهة وإعلان "الحصار" على المملكة العربية السعودية. وقد شهدت الساعات الماضية تقدمًا ملحوظًا للقوات الحكومية اليمنيّة التي استعادت زمام المبادرة في عدد من جبهات القتال، وتحديدًا بمحافظتي لحج والجوف، بعد إحباط هجمات ومحاولات تسلّل حوثية، وتحقيق تقدم ميدانيّ في مواقع استراتيجيّة، بالتزامن مع استمرار المعارك في محور باب المندب. إلى ذلك، يُمثل إعلان السيطرة على سلسلة جبال الدحيضة شرقي محافظة الجوف تطورًا ميدانيًا مهما في مسار المواجهات مع الحوثيين، ولاسيما أنه يأتي بعد أيام من إعلان السيطرة على مرتفعات حويشيان ومواقع عسكرية أخرى في المحور الشرقي لمدينة الحزم مركز المحافظة. وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه جبهات مدينة تعز تحافظ على مواقعها الدفاعية في مواجهة الحصار المفروض عليها، رغم استمرار الاشتباكات في محاورها الجنوبية والشرقية، وتكبد جماعة "أنصار الله" خسائر بشرية ومادية، خصوصًا في المناطق المحيطة بالمدينة. وأعلنت القوات المسلحة تنفيذ 1208 عمليات استهداف ضد مواقع وتحركات الحوثيين ضمن عملية "فجر اليمن"، شملت تجمعات الجماعة وتعزيزاتها وتحصيناتها ومصادر نيرانها وآلياتها العسكرية، باستخدام الطيران الحربي والمسيّر ومدفعية الميدان والراجمات. وفي إطار ذات صلّة، نفى "حزب الله" اللبناني مشاركته بالمعارك الدائرة في اليمن، واصفًا التصريحات اليمنية عن وجود خبراء تابعين له ولـ"الحرس الثوري" بأنها "عارية عن الصحة".

وتؤكد هذه الاتهامات أن إيران تتمسك بمقولة "وحدة الساحات" من أجل تكبيد المنطقة خسائر جسيمة، خاصة أن الحوثيين يواصلون استهداف السعودية ومنشآتها الحيوية. وتواصل المملكة حراكها الديبلوماسي حيث لفت أمس الزيارة التي قام بها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض، والتي شهدت توقيع اتفاقية للتعاون بين وزارتَي دفاع البلدين. وكان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان بحث مع الشرع المستجدات في المنطقة والتداعيات الخطيرة لأي تصعيد عسكري على الأمن والاستقرار الإقليميَّين والدوليَّين، وسلامة الملاحة الدولية، واستدامة إمدادات الطاقة، واستقرار الاقتصاد العالمي. وجاء هذا الاجتماع الذي يحمل الكثير من الدلالات والأبعاد السياسية في وقت كان البرلمان التركي بدأ مساء الأربعاء مناقشة اتفاقية مكة للدفاع المشترك الموقعة مع السعودية وباكستان، بعد مداولات ساخنة وفي ظل رفض من معظم أحزاب المعارضة. وتشهد المنطقة برمتها تحركات تهدف لإطفاء "النيران المشتعلة" وتحسين العلاقات وتوحيد الصفوف، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من خلال الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى البحرين واللقاء الذي عقده مع العاهل البحريني، الملك حمد بن عيسى آل خليفة، حيث شدّد الزيدي على ارتباط أمن العراق بأمن البحرين، وضرورة تنسيق المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية، وتغليب الحوار والحلول السلمية لخفض التوتر وتحقيق الاستقرار. وتحرص بغداد على إعادة العلاقات مع محيطها العربي مع تأكيدها على رفضها جرّ البلاد إلى أتون الحروب والصراعات، وهي دعوة تشبه تلك التي أطلقها رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام، وحذّر خلالها من "جرّ لبنان إلى أيّ مغامرة عبثية جديدة خدمةً لمصالح خارجية، وزجّه في مواجهات لا يملك ترف تحمّل تبعاتها". ولم يقتصر موقف الأخير على رفض زجّ لبنان في أي مواجهة إقليمية، بل ذهب إلى إدانة أي تدخل لبناني في الشؤون الداخلية للدول العربية، في إشارة مباشرة إلى مشاركة "حزب الله" في العمليات الدائرة باليمن.

الدخول في "حرب جديدة" يعتبرًا هاجسًا لبنانيًا يستحوذ على مختلف المداولات الجارية، بظل التشكيك بنوايا الحزب الذي تملك طهران وحدها القدرة على التأثير عليه. ولكن كل المعطيات تشير إلى أن "حزب الله" يعّد العدة وكذلك يفعل الاحتلال الاسرائيلي الذي يُصعّد ميدانيًا ويستمر بقصف البلدات والقرى الجنوبية دون الالتزام بـ"اتفاق الاطار". وفي هذا الوقت ينتظر لبنان ما ستؤول اليه المداولات بشأن تشكيل الحكومة الاسرائيلية بعدما بدأ الرئيس اسحق هرتسوغ مشاورات موسعة مع جميع القوى السياسية عقب الانتخابات التشريعية التي عكست انقسامًا حادًا، إذ لم يحصل فيها رئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو أو منافسه الرئيسي غادي آيزنكوت، على غالبية برلمانية. ففيما يُعيد الأخير الحديث عن تزوير و"شبهات خطيرة" بتدخّل أجنبي، في محاولة لتبرير هزيمته والانقلاب على نتائج الانتخابات، يحاول "خصمه"  آيزنكوت تعزيز علاقته مع واشنطن عبر إعلانه السعي إلى توطيد التعاون إذا تولّى رئاسة الحكومة، مؤكدًا أنه سيعمل مع الرئيس ترامب لإرساء الاستقرار في الشرق الأوسط. أما في الشؤون العربية الأخرى، فتشهد العلاقات بين إثيوبيا والسودان تأزمًا جديدًا بعد طرد دبلوماسيين، إذ نقلت "وكالة الصحافة الفرنسية" عن مسؤوليْن سودانييْن أن الخرطوم قررت طرد دبلوماسيين إثيوبيين، ردًا على قرار أديس أبابا اعتبار 6 موظفين في القنصلية السودانية أشخاصًا غير مرغوب فيهم، ومنحهم مهلة 48 ساعة لمغادرة أراضيها.

نتائج انتخابات الكونغرس وتداعياتها تطرقت لها الصحف العربية الصادرة اليوم. وهنا موجزٌ بأهم ما ورد من تحليلات وعناوين:

كتبت صحيفة "الغد" الأردنية "تتدفق وجهات النظر في الولايات المتحدة ليقول بعضها إن الرئيس الأميركي، المهزوم في الانتخابات النصفية، قد يلجأ إلى الثأر من إيران، على خلفية نتيجة الانتخابات، في محاولة لتخفيف الهزيمة وترسيم صورته كمحارب لا يخشى أحدا"، مشيرة إلى أنه "رغم نتائج الجمهوريين المنخفضة في الانتخابات الأميركية، ونتائج الليكود في إسرائيل والائتلاف الذي يسانده، فإن الطرفين تراجعا في واشنطن وتل أبيب، بما يشير من جهة أخرى إلى كلفة الحرب التي ارتدت على الأميركيين ومجتمع الاحتلال، وإن كان هذا الارتداد بنسب متفاوتة، بما أضعف الجمهوريين والليكود وحلفاءه، لكنه لم يخرجهما من دائرة التحكم والسيطرة في الجهتين حتى الآن.. كلاهما بات أضعف، وكلاهما يحكمان حتى الآن"، وفق تعبيرها.

صحيفة "الأهرام" المصرية، ناقشت الموضوع عينه، موضحة أن نتنياهو "دمر" بايدن وحزبه الديمقراطى في الانتخابات الماضية، وجاء ترامب بخلفية رجل السلام، والرافض لخوض الحروب، والساعي إلى وقف البنادق في كل مكان. لكنه "للأسف الشديد لم يصمد طويلا أمام زيارات نتنياهو الغامضة والمتعددة للبيت الأبيض، ووقع فى "فخ" أكاذيبه، ومعلوماته المضللة بشأن الحرب على إيران وتغيير نظام الحكم فيها". وقالت "كسرت النتائج كل "التابوهات"، وربما يكون ذلك هو "الأهم" فى تلك الانتخابات بعد أن سقط "اللوبي" الصهيونى في القاع، وفشلت المليارات في إنقاذ الجمهوريين، ونجح ألد أعداء ترامب في الشيوخ، والنواب، وحكام الولايات... يبقى التساؤل حول ما هو قادم، وهل يستفيد ترامب من درس الانتخابات؟ أم يظل أسيرا لدى نتنياهو؟ والدخول في مغامرة عسكرية مدمرة جديدة ضد إيران والمنطقة؟!

من جانبها، رأت صحيفة "القدس العربي" أنه "لم تكن الهزيمة الواسعة التي مُني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي الأميركية مجرد عقاب لترامب، أو تكرار للظاهرة التاريخية التي يفقد فيها حزب الرئيس مقاعد في الكونغرس، وهو أمر تكرر منذ عام 6491 حتى الآن. أحد عناصر هذا الاختلاف هو صعود اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي، وكذلك صعود نجم المسلمين الأميركيين بنتائج ملفتة في مجلس الشيوخ وعلى مستوى حكومات وبرلمانات الولايات، موضحة أن "التحوّل الأبرز، بالنسبة الى العالم العربي، يتمثل في التصدّع المتزايد للتوافق السياسي الأميركي التاريخي حول الدعم غير المشروط لإسرائيل...ولا يعني هذا الإعلان، الذي لم تتضح آليات تنفيذه، نهاية للتحالف الأميركي – الإسرائيلي، فيما يستمر التعاون العسكري وصفقات الأسلحة كما أن انتصار الديمقراطيين واتساع التيار اليساري داخل الحزب لا يضمن تحولا جذريا في السياسة الخارجية، فقيادات "الدولة العميقة" الديمقراطية ما زالت مرتبطة بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، ومؤسسات الدولة الأميركية أكثر رسوخًا من أن تتبدل وجهاتها بفعل انتخابات نصفية واحدة"، على حدّ قولها.

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن