تقدير موقف

لا خلاف.. ولا اختلاف

هل هناك اختلاف؛ يمكن البناء عليه - أكرّر: يمكن البناء عليه - بين الإدارة الأمريكية؛ متمثلةً في الرئيس ووزير خارجيته، ومستشاره للأمن القومي، وبين اليمين الحاكم في إسرائيل؛ متمثلًا في نتنياهو وفريقه الحاكم، سواء في مقاعد السلطة أو خارجها؟.

لا خلاف.. ولا اختلاف

رغم عبثية السؤال، التي يدركها بالضرورة كل من يعرف دينامية العلاقات الإسرائيلية الأمريكية؛ وتعقيداتها الانتخابية، والدينية، والمالية، إلا أنه بدا فجأة مطروحًا على خلفية ما يتردد من خلافات بين جو بايدن الرئيس الذاهب إلى الانتخابات، وبنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الذي يحاول تجنّب الذهاب إلى صناديق الاقتراع.

البعض زف لنا قبل أسابيع خبر إنهاء بايدن غاضبًا مكالمة هاتفية مع نتنياهو في الثالث والعشرين من ديسمبر/كانون الأول الماضي، وآخرون تفاءلوا يومها بما نُشر من تسريبات حول مكالمة الـ40 دقيقة، التي من المفترض أنها تمت قبل ثلاثة أسابيع (19 يناير/ كانون الثاني)، والتي تناولت الجدول الزمني للحرب، وأعرب فيها الرئيس عن قلقه لإطالة أمد الحرب، عما كان متوقعًا، ولأرقام الخسائر بين المدنيين.

ثم كان أن بدا البعض قبل يومين مهتمًا بأخبار جديدة عن تصريحات للرئيس الأمريكي (الخميس الماضي) تشير إلى ما أراد المتفائلون أن يُنظر إليه على أنه خلافات "غير مسبوقة" – هكذا - بين الإدارة الأمريكية وإدارة نتنياهو بشأن مدة الحرب التي طالت، أو بشأن العمليات التي بدأت بالفعل في رفح على الحدود المصرية.

ليس وراء ما يبدو خلافًا غير حسابات اللحظة وصناديق الاقتراع

أيًا كان أمر التصريحات الرئاسية الجديدة، والتي جاءت في مؤتمر صحفي رُتّب على عجل ليرد فيه الرئيس على ما ورد في تقرير قضائي يُشكك في ذاكرته وكفاءته العقلية، فالحاصل أنّ أسابيع ثلاثة مرّت على مكالمة الأربعين دقيقة، وما يزيد عن الشهر على إنهائه لمكالمته مع نتنياهو، والتي قيل إنها كانت غاضبة، والنتيجة على الأرض أنّ الحرب، التي أعرب الرئيس عن قلقه بشأن استمرارها أصبحت أكثر وحشية وضراوة، وأنّ أرقام الضحايا الذين أزعجت أرقامهم حسابات البيت الأبيض الانتخابية، اقتربت من المائة ألف؛ بين شهيد وجريح، وأنّ الجائعين الذي وصفهم بايدن نصًا في تصريحاته بالأبرياء يواجهون أسوأ مجاعة في التاريخ الحديث، كما يقول مسؤولو المنظمات الأممية ذات الصلة، وأنّ - وهذا هو الأهم - أفشلت واشنطن، التي نسمع من إدارتها كل هذا الكلام، قرارًا لمجلس الأمن يدعو لوقف الحرب، أو على الأقل هدنة إنسانية لالتقاط الأنفاس.

هل هناك خلاف، أو اختلاف يمكن البناء عليه بين الإدارتين الفاعلتين في واشنطن وتل أبيب؟

أحسب أن ليس وراء ما يبدو خلافًا، حتى في الحديث الدبلوماسي جدًا، والمخدّر جدًا عن الطريق إلى "حل الدولتين"، غير حسابات اللحظة وصناديق الاقتراع. ففضلًا عن أنّ بايدن لا يريد إحراجًا أكثر من ذلك لحلفائه العرب، كما لا يريد بالطبع تقويض مسيرة بدأها سلفه/خصمه باتفاقات التطبيع المجاني، الذي كان يطمع هو في أن يتجاوزها بتطبيع بدا دائمًا صعبًا مع المملكة السعودية؛ ختامًا دعائيًا لفترته الرئاسية الأولى، يبدو أنّ هناك من نبّهه إلى أنّ جيلًا جديدًا من الشباب الأمريكيين يتظاهر هنا وهناك اعتراضًا على هذا التحيّز الصارخ للموت والدمار والإبادة. كما أنّ معارضة يسار الديموقراطيين لطريقة تعامله مع الأوضاع في غزّة تجاوزت جدران الغرف المغلقة، مما لم يعد من الحكمة في عام الانتخابات الصعب هذا أن يتجاهله.

أما نتنياهو، الذي يواجه خطر المحاكمة إن فقد كرسيه، فليس بإمكانه أن ينسى أنّ تاريخه السياسي كلّه قام على نفي الوجود الفلسطيني، كما لا يمكنه أن ينسى أنه كان يقف على منصة الأمم المتحدة قبل أسابيع فقط من السابع من أكتوبر يحمل خارطة ملونة "لشرق أوسطه" الجديد، ويزف إلى ناخبيه المتطرّفين خبر "نهاية القضية والصراع". وأن لم يعد للفلسطينيين أمام خرائطه الجديدة حق الاعتراض.

ربما كان علينا فقط أن نقرأ جيدًا، وأن لا نكتفي بمانشيتات الأخبار، فالشيطان كما نعرف يختفي في التفاصيل.

تبدو التصريحات، بل والقرارات الأمريكية دعائية أكثر من أي شيء آخر. "هآرتس" الإسرائيلية ذاتها سخرت من قرار بايدن بتجميد حسابات غير موجودة أصلًا لأربعة مستوطنين عقابًا على جرائمهم بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية. رغم رمزية القرار، إلا أنه فضلًا عن افتقاده الفعالية، فهو لم يمتد أو حتى يلوّح بعقوبات مماثلة على المحرّضين العلنيين في الحكومة الإسرائيلية الذين لم يتوقفوا يومًا عن التحريض على ما هو مخالف لكل القوانين والأعراف الدولية. ورغم أنّ إدارة بايدن تعلم علم اليقين أنّ تصرفات المستوطنين الأربعة، ومثلهم كثير، لم تكن لتحدث أبدًا إلا في حماية جيش الاحتلال والذي تحمّله معاهدات جنيف المسؤولية كاملة عن حماية المواطنين تحت الاحتلال.

هل هناك خلاف، أو اختلاف يمكن البناء عليه بين الإدارتين الفاعلتين في واشنطن وتل أبيب؟

في ملف القضية الفلسطينية، ولأسباب معقّدة، ليس هنا مجال الاستفاضة فيها، لا أظن أنّ هناك اختلافًا يمكن التعويل عليه، بالضبط كما لم يوجد إختلاف بين إدارتي ترامب وبايدن المتنافسين بشأن قضيتنا العربية تلك، سوى في الوضوح الفج لمواقف الأولى، سواء بقرار نقل السفارة إلى القدس (2017) أو بسابقة وقف تمويل الأونروا (2018)، فضلًا عن أخذه العلاقات العربية الإسرائيلية السرية إلى النور في اتفاقات حرص على تسميتها تسمية دينية جاعلًا منها حجر الأساس لما اعتبره "صفقة القرن" التي تنهي واقعيًا صراع الحقوق، وتئد عمليًا كل ما قررته الشرعية الدولية بشأن القضية. والحاصل أنّ بايدن، على مدى سنوات أربعة لم يتراجع عن قرار واحد اتخذه سلفه "ممثل الاستعراض". كل ما هنالك أنه كان يتخفى دائمًا وراء العبارات الدبلوماسية المنمقة.

الذين يسوّقون لنا وَهْم الخلاف لم يعطوا الاهتمام الكافي للموقف الأمريكي من الأونروا أو من محكمة العدل

وبعد،،

فأخشى أنّ الذين يسوّقون لنا وَهْم الخلاف بين نتنياهو والإدارة الأمريكية لم يقرأوا جيدًا ما بين السطور. بل وأخشى أنهم حتى لم يعطوا الاهتمام الكافي للموقف الأمريكي من الأونروا، أو من نظر محكمة العدل الدولية - أعلى هيئة قضائية دولية - لدعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل. أتذكرون المصطلح الأمريكي الشهير "الدولة المارقة"، والذي ابتكرته واشنطن لترفعه في وجه هذه الدولة أو تلك؟ ما هي بربكم الدولة الأولى بهذه الصفة بعد قرار محكمة العدل الدولية هذا؟.

لا بأس من أن نتفاءل بما قاله الرئيس في مؤتمره الصحفي قبل يومين، ولكن هل تذكرون كم مرّة استخدمت فيها الولايات المتحدة حق النقض "الفيتو" حمايةً لإسرائيل وأفعالها.

"أسمع جعجعةً ولا أرى طحنًا".. أحسب أنّ في تلك الحكمة العربية القديمة ما يكفي لفهم صحيح للموقف الحقيقي للإدارة الأمريكية، بدايةً من تصريحات السيّد الرئيس، ووزير خارجيته، وليس نهايةً بالفيتو المتكرّر في مجلس الأمن.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن