قضايا العرب

طلاب غزّة.. بين وطأة الغربة وكابوس الحرب!

بيروت - حنان حمدان

المشاركة

مع استمرار الحرب على غزّة، الغارقة في أوضاع إنسانيّة صعبة، يتفاقم واقع طلّاب القطاع الذين يدرسون في الخارج ليصبح أكثر تعقيدًا وصعوبة، بعدما أثّرت الحرب عليهم بشكل كبير، نفسيًا وإقتصاديًا، وجعلت مصيرهم مجهولًا، لجهة البقاء أو العودة، لا سيّما بعد انقطاع ما يوفّره أولياء الأمور لهم من مصاريف الدراسة والإقامة.

طلاب غزّة.. بين وطأة الغربة وكابوس الحرب!

وفق الأرقام المنشورة، يقدّر عدد الطّلبة الفلسطينيّين من مدينة غزّة الذين يدرسون في الخارج بحوالى 7 آلاف طالبة وطالب حول العالم، من أصل 88000 طالب وطالبة في القطاع.

تدرس الطالبة الغزاويّة ريما صالح (29 سنة) ماجستير في الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في الجامعة اليسوعيّة في لبنان. قدمت إلى لبنان من مخيّم جباليا (شمال غزّة) قبل عام ونصف، ويفترض أن تنهي دراستها بحلول آب/اغسطس 2024 لتعود في الشّهر التالي إلى القطاع. "لكنّ العودة غير مضمونة".

"نعيش في المجهول"

تقول صالح لـ"عروبة 22" وتضيف: "حتّى لو انتهت الحرب، لا نعلم إن كنّا سنتمكّن من العودة أم لا، نعيش في المجهول راهنًا ولا ندري ماذا سنفعل في المستقبل. وعائلتي بدورها لا تدري أين تذهب".

فمنذ السابع من أكتوبر، تعيش صالح أحداث الحرب لحظة بلحظة، متسمّرة أمام شاشتي الهاتف والتّلفاز "مرّت أيام ثقيلة، بدون نوم ولا طعام، وكنت أحسّها سنينًا حين ينقطع الإتصال مع عائلتي"، تعود بالوقت إلى ما قبل خمسة شهور، لتسرد لحظة تلقّيها الخبر "كنت داخل قاعة المحاضرات. محاضرة إضافية في يوم سبت. الساعة لامست العاشرة صباحًا. وصلني الخبر عبر أحد الأصدقاء. سارعت للإتّصال بعائلتي وانا أبكي. شوّش صوت الـMK (المسيّرات الإسرائيلية) على محادثتنا. امتزجت أصوات أفراد عائلتي بكثير من الخوف. بكيت مجدّدًا حين أخبرتني شقيقتي بأنّ الحرب هذه المرّة ستكون مختلفة عن المرّات السابقة. هي المرّة الأوّلى التي تُشنّ فيها حرب على غزّة وأنا بعيدة. قلت لنفسي سيكون قلق الغربة أصعب بكثير من اختبار شعور الحرب".

في الليلة نفسها، قُصف المنزل المحاذي لمنزل عائلة صالح، هّدم على رؤوس من فيه. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة عائلتها مع النّزوح، مرّة إلى مقرّ الأونروا في خان يونس، قبل أن يستقرّوا في مراكز الإيواء في رفح بسبب تهديدات الإخلاء.

إضافة إلى مآسي وويلات الحرب، يعيش الطّلاب مخاوف من نوع آخر، بسبب عدم قدرة ذويهم على تحويل مصاريف الإقامة في الخارج، إذ عادةً ما تغطّي المنح الدراسيّة التكاليف الأساسيّة (مثل رسوم الجامعة) فيما يعتمد غالبيّة الطّلبة الفلسطينيّون على ما يوفره لهم أولياء أمورهم من تحويلات ماليّة كي يتمكنوا من دفع تكاليف إحتياجاتهم المعيشيّة اليوميّة.

تقول صالح: "كنت أتلقّى الدعم الماليّ من عائلتي، عبر تحويلات ترسلها لي، إضافة إلى حصولي على مبلغ من المال لقاء عملي كمتدربّة في مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة. لكنني الآن أفكر بأنه بات عليّ أنا مساعدة عائلتي ماديًا، وهذا الأمر صعب للغاية"، وتضيف: "لم أتوقّع يومًا بأن يسكن أهلي في خيمة، تمرّ أيام عليهم لا يجدون فيها طعام أو ماء.. يخوض أخي يوميًا رحلة البحث عن الماء والطعام ويقطع مسافات للإتّصال بي، بعدما كان في الفترة التي سبقت الحرب منشغلًا بدراسته الجامعيّة. خسرنا العديد من أقاربنا، فقدنا الإتّصال بهم، وماتت أسرة عمّتي بأكملها".

تختم صالح: "صعوبة الخروج من السّجن الكبير الذي وضعتنا فيه إسرائيل توازي صعوبة العودة بالنّسبة لي. ففي ديسمبر/كانون الأوّل الماضي، لم أتمكن من لقاء أهلي وأصدقائي، في إجازتي الجامعيّة، كما فعل غالبيّة الطلاب غير الغزّيين، خوفًا من خسارة دراستي، ومن عدم تمكّني من العودة إلى لبنان، اليوم باتت مخاوفي عكسيّة، وصارت أكبر، بمعنى الخوف من أن أفقد حقي في العودة إلى وطني فلسطين".

"نشعر بالعجز"

ولا يختلف كذلك حال الطّالبة الغزّاوية لينا عيسى (24 سنة) القادمة إلى لبنان من حي الرمال (شمال القطاع) قبل ستة أشهر، بعدما حصلت على منحة دراسيّة لعام واحد في الجامعة اليسوعيّة، وهي خرّيجة بكالوريوس علوم سياسيّة وعلاقات دوليّة من إحدى الجامعات التركيّة.

عايشت عيسى تجربة وشعور أن تكون بعيدة عن عائلتها أوقات "الحروب الهمجية" على غزّة في عامي 2019 و2021، لكن هذه المرّة هي الأعنف والأصعب على الإطلاق، وتقول لـ"عروبة 22": "أشعر حاليًا بالغضب والعجز كأيّ فلسطينيّ، يداي مكبّلة لا أستطيع فعل شيء، فقط أعيش على أعصابي، منذ تلقّيت الخبر (هجوم 7 أكتوبر)، توقعتُ بأنّ رد إسرائيل سيكون قويًا".

ومثل غزيّين كثر، اختبرت عائلة عيسى تجربة الإخلاء مرّة تلو الأخرى، منذ اليوم الأوّل للحرب، إلى أن استقرّوا في وسط القطاع... "هم اليوم مستنزفون بالكامل، يتآكلهم اليأس، أمّي وأبي، يعيشون حالة إنكار، لا يصدقون بأنّهم فقدوا منزلهم وكلّ ما نملك" تقول عيسى.

وتضيف: "مخاوفنا اليوم باتت كثيرة، أوّلها أنّ أفقد أيّ فرد من أفراد عائلتي. ففي الأشهر الثلاثة الأولى للحرب عشت أوقات رعب، كنت أتفقّد أسماء الشهداء يوميًا ، لا سيّما فترة انقطاع الإتّصال مع أهلي، لأيام وأسابيع، بسبب رداءة الإتّصالات والإنترنت. وأيضًا، بت أخاف من مسؤوليّاتي التي تضاعفت بفعل الحرب، أن أكون سندًا لنفسي ولعائلتي، أخاف من أنّ أبقى لوحدي، وأنّ لا أتمكّن من العودة إلى فلسطين، وأن أصبح كأيّ فلسطينيّ لاجئ في مختلف بقاع الأرض... يوميًا أتساءل عن مستقبلنا المجهول!". 

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن