اقتصاد ومال

نَحْوَ ثَوْرَةٍ عَرَبِيَّةٍ في مَجالِ الإِسْكان!

تُمثِّلُ أَزْمَةُ السَّكَنِ واحِدَةً مِنْ أَخْطَرِ الأَزْماتِ التي يُواجِهُها العالَمُ العَرَبِيُّ مَعَ ازْدِحامِ المُدُنِ الكُبْرى وارْتِفاعِ تَكاليفِ البِناءِ وَتَحَوُّلِ القِطاعِ العَقارِيِّ إلى ساحَةٍ لِلمُضارَباتِ تُؤَدّي لِارْتِفاعٍ إِضافِيٍّ في الأَسْعار. إِضافَةً إلى ذَلِكَ تُعاني المَناطِقُ النّائِيَةُ في الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مِنْ مُشْكِلاتٍ أَكْبَرَ في البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ وَتَوافُرِ المُواصَفاتِ السَّليمَةِ لِلسَّكَن.

نَحْوَ ثَوْرَةٍ عَرَبِيَّةٍ في مَجالِ الإِسْكان!

يَحْتاجُ العالَمُ العَرَبِيُّ إلى ثَوْرَةٍ في السَّكَنِ تَشْمَلُ تَطْويرًا في أَساليبِ التَّمَلُّكِ والاسْتِئْجارِ وَكَذَلِكَ الاسْتِفادَةَ مِنَ التَّطَوُّراتِ العِلْمِيَّةِ في أَساليبِ البِناءِ الرَّخيصِ والصَّديقِ لِلبيئَةِ والذي يَعْتَمِدُ على مَوادَّ مَحَلِّيَّةٍ وَكَذَلِكَ التَّطَوُّراتِ في مَجالِ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ اللّامَرْكَزِيَّة.

الأراضي العربيةُ الصحراويةُ كنزٌ لا يَفْنَى

لَدى العالَمِ العَرَبِيِّ ميزَةٌ كُبْرى وَهِيَ أَنَّ مُعْظَمَ مُدُنِهِ الكُبْرى وَعَواصِمِهِ إِمّا تَقَعُ في قَلْبِ الصَّحْراءِ أَوْ على حَوافِّها (بِاسْتِثْناءِ لُبْنانَ وَبَعْضِ دُوَلِ المَغْرِبِ العَرَبِيّ)، وَبِالتّالي فَإِنَّ المادَّةَ الخامَ الأَساسِيَّةَ لِلسَّكَن، أَلا وَهِيَ الأَرْض، مُتَوَفِّرَةٌ بِكَثْرَةٍ وَلَكِنْ يَحْتاجُ الأَمْرُ إلى خُطَطٍ حُكومِيَّةٍ مَرْكَزِيَّةٍ لِمَدِّ الطُّرُقِ والمُواصَلاتِ واسْتِمْلاكِ الأَرْضِ أَوْ تَأْجيرِها بِطَريقَةٍ تَضْمَنُ وُصولَها إلى مُسْتَحِقّيها وَعَدَمَ تَحَوُّلِها إلى وَسيلَةٍ لِلمُتاجَرَة، وَذَلِكَ بِالتَّعاوُنِ مَعَ الشَّرِكاتِ الخاصَّةِ والجَمْعِيّاتِ الأَهْلِيَّةِ والنِّقاباتِ وَرَوابِطِ الأَحْياءِ لِإِنْشاءِ تَجَمُّعاتٍ سَكَنِيَّةٍ نَموذَجِيَّةٍ في ضَواحي المُدُنِ والقُرى يَتِمُّ بِناؤُها بِشَكْلٍ عِلْمِيٍّ على أَنْ تُوَفِّرَ الحُكوماتُ جُزْءًا مِنَ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ والجُزْءَ الآخَرَ يَتِمُّ بِناؤُهُ بِالِاسْتِفادَةِ مِنْ نَماذِجِ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ الصَّغيرَةِ اللّامَرْكَزِيَّةِ التي تَكونُ عادَةً أَقَلَّ تَكْلِفَةً وَأَكْثَرَ جَدْوى واسْتِدامَة، وَلَكِنَّها تَحْتاجُ إلى إِدارَةٍ لامَرْكَزِيَّةٍ تَرْتَبِطُ بِالمُجْتَمَعاتِ المَحَلِّيَّةِ مَعَ دَوْرٍ لِلحُكوماتِ في التَّنْسيقِ وَرِعايَةِ النَّموذَجِ الأَوَّليِّ الاخْتِباريِّ وَكَذَلِكَ تَشْبيكِ العَلاقَةِ بَيْنَ الجامِعاتِ وَمَراكِزِ البُحوثِ التي تَضَعُ وَتَخْتَبِرُ هَذِهِ النَّماذِجَ مَعَ الشَّرِكاتِ التي تَبْنيها والجَمْعِياتِ الأَهْلِيَّةِ التي تُديرُها وَتَجْمَعُ التَّمْويلَ مِنَ المُنْتَفِعين.

البُنْيَةُ الأَساسِيَّةُ الصَّغيرَةُ هِيَ الحَلّ

مِنْ أَمْثِلَةِ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ الصَّغيرَةِ اللّامَرْكَزِيَّة، أَنْظِمَةُ تَوْليدِ الكَهْرَباءِ مِنَ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ وَتَوْفيرِ المِياهِ عَبْرَ مَحَطّاتٍ صَغيرَةٍ لِتَنْقِيَةِ المِياهِ وَحَفْرِ الآبارِ مَعَ تَوْفيرِ مِياهٍ مُعَبَّأَةٍ لِلشُّرْبِ في بَعْضِ الأَماكِن، وَكَذَلِكَ أَنْظِمَةُ مُعالَجَةِ الصَّرْفِ الصِّحّيِّ الصَّغيرَةِ واللّامَرْكَزِيَّةِ التي تُعالِجُ المِياهَ العادِمَةَ قُرْبَ مَناطِقِ الاسْتِهْلاكِ مِثْلَ مَحَطّاتِ المُعالَجَةِ العُنْقودِيَّةِ الصَّغيرَةِ والتي تُعالِجُ مِياهَ الصَّرْفِ بِأَساليبَ مُتَعَدِّدَة، مِنْها التَّرْسيبُ والمُعالَجَةُ البِيولوجِيَّةُ بِالبَكْتيرْيا مَعَ إِمْكانِيَّةِ إِعادَةِ تَدْويرِها لِرَيِّ الحَدائِقِ مَثَلًا، وَهِيَ أَنْظِمَةٌ في الأَغْلَبِ أَقَلُّ في التَّكْلِفَةِ الرَّأْسْمالِيَّةِ والتَّشْغيلِيَّة، وَأَكْثَرَ صَداقَةً لِلْبيئَةِ مِنَ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ المَرْكَزِيَّة، كَما أَنَّها أَكْثَرُ مَناعَةً حالَ وُقوعِ أَزْماتٍ وَطَنِيَّة، وَأَقَلُّ تَأَثُّرًا بِالِاعْتِداءاتِ التي تُرَكِّزُ عادَةً على مَحَطّاتِ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ المَرْكَزِيَّةِ في دُوَلٍ مُعَرَّضَةٍ لِلهَجَماتِ الإِسْرائيلِيَّة مِثْلَ لُبْنانَ وَسورْيا، أَوْ دُوَلٍ مِثْلَ اليَمَنِ والسّودانِ وَليبْيا التي تُعاني مِنِ اضْطِراباتٍ داخِلِيَّة.

هناك حاجة لاستعادة دور المجتمع الأهلي ضمن الدولة الوطنية

وَلَكِنَّ هَذِهِ البُنْيَةَ الأَساسِيَّةَ اللّامَرْكَزِيَّة تَحْتاجُ إلى حُكْمٍ مَحَلِّيٍّ كُفُؤٍ وَمُجْتَمَعٍ أَهْلِيٍّ قَوِيّ، وَمَعَ أَنَّ الأَخيرَ كانَ مَوْجودًا تَقْليدِيًّا في المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةِ، إِلّا أَنَّهُ ضَعُفَ في العُقودِ الأَخيرَةِ مَعَ تَزايُدِ دَوْرِ الدَّوْلَةِ المَرْكَزِيَّة، وَهُناكَ حاجَةٌ لِاسْتِعادَةِ دَوْرِهِ ضِمْنَ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّة.

أَساليبُ البِناءِ الجَديدَةُ رَخيصَةٌ وَلَكِنْ فَعّالَةٌ وَأَنيقَة

تَقومُ فِكْرَةُ البِناءِ مُنْخَفِضِ التّكْلِفَة، على هَنْدَسَةِ القيمَةِ وَلَيْسَ تَقْليلَها، بِتَحْسينِ عَناصِرِ البِناءِ لِخَفْضِ التَّكاليفِ مِنْ دونِ المَساسِ بِالسَّلامَةِ أَوِ الرّاحَةِ أَوِ المَتانَة، بَل قَدْ تُوَفِّرُ جَوْدَةَ حَياةٍ أَفْضَلَ وَأَكْثَرَ أَناقَةً واسْتِدامَةً واعْتِمادًا على مَوادَّ مَحَلِّيَّةٍ وَذَلِكَ بِالِاسْتِنادِ إلى تَصْميماتٍ ذَكِيَّةٍ يَتِمُّ تَكْرارُها لِخَفْضِ التَّكاليفِ مِثْلَ اعْتِمادِ أَبْعادٍ نَموذَجِيَّةٍ مُكَرَّرَةٍ لِلغُرَفِ واسْتِبْدالِ المَوادِّ التَّقْليدِيَّةِ باهِظَةِ الثَّمَنِ بِمَوادَّ أَرْخَصَ وَأَخَفَّ وَزْنًا، وَمُعادٍ تَدْويرُها، أَوْ مُشْتَقَّةٍ مِنْ مَوادَّ مَحَلِّيَّةٍ مِثْلَ طوبِ الرَّمادِ المُتَطايِر (المُسْتَخْلَصِ مِنْ رَمادِ الفَحْم)، والخَيْزُران، وَكُتَلِ الخَرَسانَةِ الخَلَوِيَّةِ المُعالَجَةِ بِالبُخارِ والتي تَتَضَمَّنُ فُقاعاتٍ هَوائِيَّةً تَجْعَلُها أَخَفَّ وَأَفْضَلَ في التَّهْوِيَة، وَهُناكَ أَيْضًا المُكَوِّناتُ البِنائِيَّةُ مُسْبَقَةُ الصَّبِ التي تُخَفِّضُ تَكاليفَ المَوادِّ والنَّقْلِ والعَمالَة.

وَمِنْ أَساليبِ البِناءِ الاقْتِصادِيَّة، أَنْظِمَةُ الجُدْرانِ الحامِلَة (الحَوائِطِ الحامِلَة) وَهِيَ تُوَزِّعُ الأَحْمالَ على الحَوائِطِ مَعَ إِمْكانِيَّةِ الاسْتِغْناءِ عَنِ الأَعْمِدَةِ والخَرَساناتِ المُسَلَّحَةِ التي تُعَدُّ مِنْ أَكْثَرِ العَناصِرِ تَكْلِفَةً في البِناءِ الحَديث، وَهُوَ أُسْلوبٌ قَديمٌ وَمَعْروفٌ في المِنْطَقَة، وَلَكِنْ لا يَصْلُحُ لِلمَباني العالِيَة، وَيُقَيِّدُ إِعادَةَ تَشْكيلِ المَبْنى. إلَّا أنّهُ فَعّالٌ وَآمِنٌ مَعَ المَباني المُنْخَفِضَةِ وَأَفْضَلُ في التَّهْوِيَة، وَمُناسِبٌ لِلبُيوتِ والفيلّاتِ الصَّغيرَةِ التي يُمْكِنُ بِناؤُها في تَجَمُّعاتٍ سَكَنِيَّةٍ بِحَدائِقَ مَنْزِلِيَّةٍ صَغيرَةٍ تُوَفِّرُ مُتَنَفَّسًا لِلأُسَرِ المالِكَة، وَكَذَلِكَ مَصْدَرَ دَخْلٍ حالَ زِراعَتِها بِفَواكِهَ أَوْ خَضْراواتٍ سَهْلَةِ الاسْتِنْباتِ والعِنايَة، كَما أَنَّ هَذا النَّمَطَ مُلائِمٌ لِلطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ لِأَنَّهُ يُوَفِّرُ مِساحَةً سَطْحِيَّةً كَبيرَة.

ازداد انتشار الهياكل الخرسانية المبنية بطابعات ثلاثية الأبعاد وتكلفتها أقلّ من الخرسانة المسلّحة التقليدية

وَهُناكَ أُسْلوبُ أَسْقُفِ الأَلواحِ المَمْلوءَة، التي تَعْتَمِدُ على مَلْءِ الجُزْءِ السُّفْليِّ مِنَ السَّقْفِ بِمَوادَّ خَفيفَةٍ أَقَلَّ وَزْنًا بِما يُخَفِّفُ الحَمْلَ على هَياكِلِ المَباني وَأَرْخَصُ وَأَفْضَلُ في التَّهْوِيَة، وَكَذَلِكَ بِناءُ الجُدْرانِ على شَكْلِ مَصْيَدَةِ فِئْرانٍ بِحَيْثُ تَكونُ مُجَوَّفَةً بِما يُوَفِّرُ مَوادَّ البِناءِ وَيُخَفِّفُ الحَمْلَ على الهَيْكَلِ مَعَ تَهْوِيَةٍ أَفْضَلَ في الصَّيْف، وَتُوَفِّرُ هَذِهِ الجُدْرانُ حَوالَيْ 25% مِنْ تَكْلِفَةِ البِناء.

وَهُناكَ نِظامٌ يَقومُ على اسْتِخْدامِ التُّرْبَةِ المُتَوَفِّرَةِ في المَوْقِعِ المَخْلوطَةِ بِالإِسْمَنْت، مِمّا يُمْكِنُ أَنْ يُقَلِّلَ التَّكاليفَ بِنِسْبَةِ 15-20%.

كذلكَ ازْدادَ انْتِشارُ الهَياكِلِ الخَرَسانِيَّةِ المَبْنِيَّةِ بِطابِعاتٍ ثُلاثِيَّةِ الأَبْعادِ والذي يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ في غُضونِ ساعات. وَتُشيرُ بَياناتُ السّوقِ الهِنْدِيَّةِ لِعامِ 2025 إلى أَنَّ تَكْلِفَتَها أَقَلُّ لِمَنْزِلٍ مِساحَتُهُ 90 مِتْرًا مُرَبَّعًا، بِنِسْبَةِ 10-20% تَقْريبًا مِنَ الخَرَسانَةِ المُسَلَّحَةِ التَّقْليدِيَّةِ في حالِ تَبْسيطِ التَّصْميم.

وَهُناكَ المَنازِلُ التي تُبْنى بِطَريقَةٍ تَسْمَحُ بِتَفْكيكِها وَنَقْلِها بِأَقَلِّ قَدْرٍ مِنَ التَّغَيُّراتِ والتَّكْلِفَة، وَهِيَ تَحُلُّ مُشْكِلَةً اجْتِماعِيَّةً ناتِجَةً عَنْ نَمَطِ التَّوْظيفِ المُؤَقَّتِ الشّائِعِ في القِطاعِ الخاصّ، وَلَكِنَّها تَحْتاجُ إلى بَدائِلَ لِنَمَطِ المِلْكِيَّةِ الدّائِمَةِ لِلأَرْض، مِثْلَ حَقِّ الانْتِفاعِ لِفَتْرَةٍ مُحَدَّدَةٍ مَعَ تَوْفيرِ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ المُلائِمَة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن