تقدير موقف

سياساتُ سوريا وَمُسْتَقْبَلُها!

مَضى نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا على سُقوطِ نِظامِ بَشّارِ الأَسَد وَحُلولِ النِّظامِ الجَديدِ مَكانَه، وَشَهِدَتْ سورْيا خِلالَها في المُسْتَوَيَيْنِ الدّاخِليِّ وَالخارِجيِّ تَطَوُّراتٍ كَثيرَةً وَشَديدَةَ الأَهَمِّيَّة، تُحيلُنا إلى مُؤَشِّراتٍ تُواجِهُ الأَسْئِلَةَ حَوْلَ سورْيا وَاحْتِمالاتِ مُسْتَقْبَلِها، التي يَطْرَحُها السّورِيّونَ وَغَيْرُهُمْ، مِنْ دُوَلٍ وَهَيْئاتٍ وَمُؤَسَّساتٍ وَشَخْصِيّاتٍ ذاتِ صِلَةٍ بِواقِعِ سورْيا وَعَلاقاتِها.

سياساتُ سوريا وَمُسْتَقْبَلُها!

أَساسُ الأَسْئِلَةِ حَوْلَ المُسْتَقْبَل، يَسْتَنِدُ إلى ما يَظْهَرُ مِنْ تَناقُضاتٍ في سِياساتِ العَهْدِ السّوريِّ الجَديدِ الخارِجِيَّةِ وَالدّاخِلِيَّة. وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ السِّياساتِ الخارِجِيَّة، تَبْدو أَشَدَّ وُضوحًا في نَتائِجِها وَتَفاعُلاتِها مِنْ شَقيقتِها الدّاخِلِيَّة، لَكِنَّها لا تَخْلو مِنْ مَشاكِلَ وَاخْتِلالاتٍ، خاصَّةً في انْعِكاساتِها على السِّياساتِ الدّاخِلِيَّة.

وَثَمَّةَ مِثالانِ واضِحانِ يُمْكِنُ التَّوَقُّفُ عِنْدَهُما:

أَوَّلُهُما في مِثالِ العَلاقاتِ السّورِيَّةِ - الرّوسِيَّة، التي قيلَ بِصَدَدِها رَسْمِيًّا الكَثيرُ مِنَ الكَلامِ الإيجابيِّ في وَقْتٍ ما زالَ الكَثيرُ مِنَ السّورِيّين يَرَوْنَ في روسْيا دَوْلَةً مُعادِيَة، لَيْسَ لِدَوْرِها في إِبْقاءِ الأَسَدِ وَنِظامِهِ عَشْرَ سَنَواتٍ إِضافِيَّةً في السُّلْطَةِ ما بَيْنَ 2015 وَ2024، وَلا بِسَبَبِ دَوْرِها العَلَنيِّ وَالمُباشِرِ في قَتْلِ السّورِيّينَ وَتَدْميرِ بَلَدِهِمْ خِلالَ الفَتْرَةِ ذاتِها، بَلْ أَيْضًا بِسَبَبِ قِيامِها بِتَوْفيرِ مَلْجَأٍ آمِنٍ لِلأَسَد وَبِطانَتِهِ مِنَ المُجْرِمينَ وَالأَمْوالِ التي نَهَبَها، وَتَحَوُّلِ روسْيا إلى قاعِدَةٍ ينْطَلِقُ مِنْها فُلولُ الأَسَد لِتَدْبيرِ المَكائِدِ في سورْيا، كَما حَدَثَ مَرّاتٍ في السّاحِلِ سَعْيًا لِإِطْلاقِ مَوْجاتٍ مِنَ الفِتْنَةِ وَالصِّراعِ الطّائِفِيّ.

وَالمِثالُ الثّاني في انْعِكاسِ السِّياساتِ الخارِجِيَّةِ على الدّاخِل، يَتَّصِلُ بِما يُعْلَنُ عَنْهُ مِنْ مُساعَداتٍ وَاسْتِثْماراتٍ خارِجِيَّةٍ مِنْ دُوَلٍ كُبْرى وَشَقيقَة، هَدَفُها مُساعَدَةُ الدَّوْلَةِ السّورِيَّةِ على مُواجَهَةِ تَرِكَةِ الأَسَدِ وَتَداعِياتِ جَرائِمِهِ في الواقِعِ السّورِيّ، وَإِعادَةِ إِعْمارِ البِلادِ وَتَطْبيعِ حَياةِ سُكّانِها بَعْدَ كُلِّ ما أَصابَها وَلَحِقَ بِسُكّانِها على يَدِ الأَسَد وَحُلَفائِهِ وَأَدَواتِهِم.

توجّه العهد الجديد نحو تحطيم النظام السابق ومضى بطيئًا نحو بناء مؤسساته البديلة

لَقَدْ أَشارَتِ المُساعَداتُ وَالاسْتِثْماراتُ الخارِجِيَّةُ إلى مِلْياراتِ الدّولارات، وَكانَ يُمكِنُ لجُزْءٍ مِنْها فَحَسْب أَنْ يَدْفَعَ سورْيا وَالسّورِيّينَ عَمَلِيًّا إلى تَحْسينِ واقِعِ حَياتِهِم، وَيَفْتَحَ آفاقَ مُسْتَقْبَلٍ أَفْضَل، وَيُعيدَ تَرْتيبَ مَوْقِعِ سورْيا في الخَريطَةِ الإِقْليمِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّة، لَكِنَّ النَّتائِجَ كانَتْ أَقَلَّ مِنَ المُتَوَقَّعِ بِكَثير.

بَعْدَ الإِشاراتِ السّابِقَة، لا بُدَّ مِنَ التَّوَقُّفِ عِنْدَ بَعْضِ التَّطَوُّراتِ السّورِيَّة، إِذْ تُبَيِّنُ المُتابَعَةُ السِّياسِيَّةُ وَالإِخْبارِيَّةُ في الخَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا الأَخيرَةِ فَيْضًا مِنْ التَطَوُّرات، لَكِنَّ الأَكْثَرَ إيجابِيَّةً فيها، كانَ في السِّياساتِ الخارِجِيَّة، التي اسْتَبْدَلَتْ تَوَجُّهاتِ النِّظامِ السّابِقِ في الخِياراتِ الإيدْيولوجِيَّةِ وَالسِّياسِيَّة، وَتَبَنَّتْ صيغَةَ "صِفْر مَشاكِل" في عَلاقاتِها الخارِجِيَّة، مِمّا أَدّى إلى انْفِتاحٍ دَوْلِيٍّ وَإِقْليمِيٍّ كَبيرٍ على السُّلْطَةِ الجَديدَةِ على نَحْوِ ما فَعَلَتِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ وَالدُّوَلُ الأوروبِيَّة، وُصولًا إلى روسْيا التي نَوَّعَتْ خُيوطَ صِلاتِها مَعَ العَهْدِ الجَديد، وَتَرافَقَ هذا النَّسَقُ مَعَ انْفِتاحِ دُوَلٍ في الإِقْليمِ بَيْنَها دُوَلُ الخَليجِ العَرَبِيَّةُ وَفي مُقَدِّمَتِها المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعودِيَّةُ وَقَطَرُ إِضافَةً إلى تُرْكيا، مِمّا شَكَّلَ قُوَّةً هائِلَة، جَعَلَتِ القَضِيَّةَ السّورِيَّةَ في قائِمَةِ الاهْتِماماتِ الدَّوْلِيَّةِ في الفَتْرَةِ الأَخيرَة.

بِاسْتِثْناءِ إِعادَةِ العَلاقاتِ الدّيبْلوماسِيَّةِ بَيْنَ دِمَشْقَ وَالكَثير مِنَ الدُّوَل، فَقَدْ جَرى تَبادُلُ الوُفودِ بَيْنَ دِمَشْقَ وَالكَثيرِ مِنَ العَواصِمِ وَالمَحافِلِ الدَّوْلِيَّة، وَرَكَّزَتِ اللِّقاءاتُ وَما فيها مِنْ مُحادَثاتٍ على شِقَّيْ العَلاقاتِ المُتَبادَلَةِ وَإِعادَةِ إِنْهاضِ سورْيا، مِمّا ساهَمَ في تَطْويرِ مُحْتَوى وَمَسارِ النِّظامِ الجَديد، وَفَتَحَ أَبْوابَ تَصْفِيَةِ الإِرْثِ الثَّقيلِ لِنِظامِ الأَسَد، وَأَهَمُّ نُقْطَةٍ فيهِ رَفْعُ العُقوباتِ الدَّوْلِيَّةِ وَخاصَّةً الأَميرْكِيَّة، وَفَتْحُ بابِ تَوْقيعِ مُذَكَّراتٍ وَاتِّفاقِيّاتٍ سورِيَّةٍ مَعَ دُوَلٍ وَمُؤَسَّساتٍ تَتَّصِلُ بِالاسْتِثْماراتِ وَالعَلاقاتِ الثُّنائِيَّة. غَيْرَ أَنَّ النَّتائِجَ العَمَلِيَّةَ لِكُلِّ ما سَبَقَ ظَلَّتْ مَحْدودَةً نَتيجَةَ عَوامِلَ خارِجِيَّةٍ وَداخِلِيَّة، أَبْرَزُ الأولى بُطْءُ وَتَعْقيداتُ رَفْعِ العُقوبات، وَفي الثّانِيَةِ سوءُ وَتَخَلُّفُ البُنى التَّحْتِيَّة، وَضَعْفُ الخِبْراتِ وَالقُدُراتِ التِّقْنِيَّةِ وَالإِدارِيَّةِ لَدى السُّلْطَةِ الجَديدَة، وَإِصْرارُها على قِيامِ إِدارَةٍ شِبْهِ مُنْعَزِلَةٍ في وَقْتٍ كانَ مَطْلوبًا مِنْها العَكْسُ تَمامًا.

وَلا شَكَّ أَنَّ مَسارَ السِّياساتِ الدّاخِلِيَّةِ كانَ أَكْثَرَ تَعْقيدًا، وَالتَّعامُلَ مَعَهُ أَشَدُّ صُعوبَة. وَإِذْ تَوَجَّهَ العَهْدُ الجَديدُ نَحْوَ تَحْطيمِ النِّظامِ السّابِق، فَإِنَّهُ حَلَّ مُؤَسَّساتِهِ العَسْكَرِيَّةَ وَالأَمْنِيَّةَ وَعَطَّلَ الإِدارِيَّةَ وَالخِدْمِيَّةَ كُلِّيًّا أَوْ بِصورَةٍ نِسْبِيَّة، وَمَضى بِالتَّوازي بَطيئًا نَحْوَ بِناءِ مُؤَسَّساتِهِ البَديلَة، لَكِنْ وَسَطَ مُعْطَياتٍ مَوْضوعِيَّةٍ وَذاتِيَّةٍ مُعَقَّدَة، مِنْها عَدَمُ تَوَفُّرِ المالِ وَالكادِراتِ وَالخِبْرات، رِفْقَةَ خَرابٍ شامِلٍ في جَوانِبِ الحَياةِ في بَلَدٍ مُقَسَّمٍ جُغْرافِيًّا وَسِياسِيًّا، تَتَوَسَّعُ فيهِ الانْتِماءاتُ ما قَبْلَ الوَطَنِيَّة.

الحاجة تقتضي الربط العملي بين ما تمّ تحقيقه من تقدُّم ونجاح في المستوى الخارجي وتوظيفه في السياسات الداخلية

وَلَمْ تَكُنِ الأُمورُ في مُسْتَوى النِّظامِ الجَديدِ أَحْسَنَ بِكَثيرٍ بِسَبَبِ بُنْيَتِهِ الفِكْرِيَّةِ وَالعَسْكَرِيَّةِ/الأَمْنِيَّةِ وَما يُحيطُ بِهِ مِنْ ظُروف، تَكَرَّسَتْ في تَجْرِبَتِهِ الأولى في إِدْلِب، التي تَخْتَلِفُ كَثيرًا عَنْ تَجْرِبَةٍ تَمْتَدُّ عَبْرَ سوريا، وَبَدا مِنَ الطَّبيعِيّ، أَنْ تَظْهَرَ أَخْطاءٌ وَمَشاكِلُ في التَّجْرِبَة، بَعْضُها كَبيرٌ وَآخَرُ مَحْدود، وَبَعْضُها وُلِدَت مِنْ سِياقِهِ مَشاكِلُ جَديدَة، مِثْلَ التَّسْريحاتِ الواسِعَةِ لِلْعَامِلينَ في الدَّوْلَةِ وَمُؤَسَّساتِها، التي طالَتْ مِئاتِ الآلافِ أُضيفوا إلى "جَيْشِ العاطِلين"، ووَسَّعَتْ بِالنَّتيجَةِ حُدودَ الفَقْرِ وَما فيهِ مِنْ مَشاكِل.

وَسَطَ فَجَواتٍ بَيْنَ الطُّموحاتِ وَالواقِع، وَتَفاوُتِ السِّياساتِ وَحُظوظِها، تَبْدو الحاجَةُ مُلِحَّةً لِلتَّوَقُّفِ عِنْدَ أَرْبَعِ نُقاط:

- النُّقْطَةُ الأولى: مَعَ أَهَمِّيَّةِ ما تَمَّ في السِّياساتِ الخارِجِيَّة، فَإِنَّ الحاجَةَ تَقْتَضي وَضْعَ السِّياساتِ الدّاخِلِيَّةِ في المَقامِ الأَوَّلِ مِنَ اهْتِماماتِ الحُكومَةِ وَمُؤَسَّساتِها، وَتَقْتَضي الحاجَةُ الرَّبْطَ العَمَليَّ بَيْنَ ما تَمَّ تَحْقيقُهُ مِنْ تَقَدُّمٍ وَنَجاحٍ في المُسْتَوى الخارِجِيّ، وَتَوْظيفِهِ في السِّياساتِ الدّاخِلِيَّةِ مِنْ أَجْلِ إِنْجاحِها وَتَقَدُّمِ البَلَدِ حُكومَةً وَشَعْبًا.

- النُّقْطَةُ الثّانِيَة: إِعادَةُ تَقْييمِ المَرْحَلَةِ السّابِقَةِ وَلا سِيَّما لِجِهَةِ السِّياساتِ الدّاخِلِيَّةِ وَرُؤْيَةِ نُقاطِ القُوَّةِ وَالضَّعْفِ في المَسيرَةِ الماضِيَة، وَالاسْتِفادَةِ مِنْها في وَضْعِ خُطَطٍ وَاسْتراتيجِيّاتٍ تُلَبّي الاحْتِياجاتِ السّورِيَّةَ العاجِلَة، وَتُراكِمُ بِاتِّجاهِ المُسْتَقْبَل.

آنَ الأوان لسوريا أن تؤكّد سَيْرها العملي والنشط في طريق المستقبل

- النُّقْطَةُ الثّالِثَة: فَتْحُ الأَبْوابِ نَحْوَ تَشارُكِيّاتٍ سِياسِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ على المُسْتَوى الوَطَنِيّ، تَتَجاوَزُ حالَةَ التَّفَرُّدِ وَالاسْتِئْثار، التي سادَتْ في المَرْحَلَةِ السّابِقَة، وَأَعاقَتْ عَمَلِيَّةَ اسْتِعادَةِ سورْيا لِكُلِّ أَبْنائِها، وَتَجْرِبَتِها وَنِتاجِها الحَضاريِّ وَالمادِّيّ، قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ على الحُكْمِ فيها عامَ 1963 حِزْبٌ واحِد، ثُمَّ عائِلَةٌ طَوالَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسينَ عامًا.

- النُّقْطَةُ الرّابِعَة: التي تَتَضَمَّنُ اسْتِكْمالَ البِناءِ المُؤَسَّسيِّ لِلدَّوْلَةِ وَمِنْهُ تَشْكيلُ المُؤَسَّساتِ التَّمْثيلِيَّةِ وَبَيْنَها مَجْلِسُ الشَّعْبِ وَمَجالِسُ الإِداراتِ المَحَلِّيَّة، وَإِصْدارُ دُسْتور، وَقانونٍ لِلأَحْزابِ السِّياسِيَّةِ وَالتَّنْظيماتِ المِهْنِيَّةِ وَالمَدَنِيَّة.

لَقَدْ آنَ الأَوانُ لِسورْيا، أَنْ تُؤَكِّدَ سَيْرَها العَمَلِيَّ وَالنَّشِطَ في طَريقِ المُسْتَقْبَل، لَيْسَ مِنْ بابِ الاسْتِجابَةِ لِاحْتِياجاتِ مُواطِنيها وَرَغَباتِهِمْ في حَياةٍ كَريمَة تَليقُ بِتَضْحِياتِهِمْ فَقَط، بَلْ مِنْ أَجْلِ أَنْ تُساهِمَ مَعَ آخَرينَ في رَسْمِ مُسْتَقْبَلٍ مُخْتَلِفٍ لِمُحيطِها الإِقْليميِّ وَالدَّوْلِيّ.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن