قضايا العرب

قرار "العدل الدولية" بوقف العدوان على رفح.. هل يستثمر العرب الفرصة؟

القاهرة - محمد بصل

المشاركة

للمرة الثالثة، تضع محكمة العدل الدولية، النظام العالمي في حرج بالغ أمام فشله المستمر في إلزام إسرائيل بتنفيذ التدابير العاجلة لوقف جرائم الإبادة الجماعية في غزّة، وذلك بإصدارها قرارًا - من المفترض أن يكون مُلزمًا - بالوقف الفوري للعملية العسكرية في رفح، والكف عن أي أفعال أخرى من شأنها الإضرار بالشعب الفلسطيني جزئيًا أو كليًا، مع ضرورة إبقاء معبر رفح مفتوحًا، وتأمين مسارات إنسانية، ووقف التهجير القسري، وضمان وصول أي لجان إلى القطاع للتحقيق في الاتهامات الموجهة من جنوب أفريقيا بخرق اتفاقية مكافحة الإبادة الجماعية.

قرار

قطعت المحكمة، بقرارها الصادر يوم الجمعة الماضي، شوطًا إضافيًا في محاولة حماية الشعب الفلسطيني، قياسًا بقراريها السابقين الصادرين في يناير/كانون الثاني ومارس/آذار الماضيين بفرض تدابير مؤقتة على إسرائيل. فلأول مرة يتضمن قرار المحكمة أمرين تنفيذيين محددين؛ أولهما وقف العملية العسكرية في رفح، ويتضح من حيثياته أنّ المقصود بذلك هو وقف الهجوم البري الذي بدأ فعليًا في 7 مايو/أيار الجاري وجميع الإجراءات المصاحبة له بما في ذلك إخلاء بعض المناطق والإجلاء القسري للنازحين.

وكانت المحكمة قد اكتفت في قراريها السابقين باستخدام تعبيرات عامة لوقف "جميع الإجراءات"، أو "الأعمال" وهي ألفاظ عامة ولها دلالات قانونية أكبر، ولكنها لم تحقق المراد منها على الأرض، مما حدا بالمحكمة أن تعدّلها وتأمر مباشرةً بـ"الوقف الفوري للهجوم العسكري" بهدف وضع إسرائيل أمام مسؤولية دولية واضحة، وربما لتسهيل أن يُترجم ذلك إلى مشروع قرار في مجلس الأمن يكفل تطبيق قرار المحكمة.

أما الأمر التنفيذي الثاني؛ فهو "إبقاء معبر رفح مفتوحًا دون عوائق أمام تدفق واسع للمساعدات الإنسانية والمواد الغذائية والخدمات"، وهي المرة الأولى التي تحدد فيها المحكمة معبرًا محددًا يجب الإبقاء عليه مفتوحًا، استنادًا إلى ما تبيّنته من التقارير الأممية بانهيار أعمال الإغاثة بسبب غلق المعبر منذ احتلال إسرائيل له وعدم تمكين السلطات الفلسطينية المعنيّة من إدارته.

أمر المحكمة يدعم رواية مصر

وتدعم هذه الصيغة بوضوح الموقف المصري المعلن بأنّ إسرائيل تتحمل مسؤولية غلق المعبر، في مواجهة الأكاذيب الصهيونية المستمرة والتي تُبث عبر شبكات المصالح ووسائل الإعلام الغربية، زاعمةً أنّ مصر هي المسؤولة عن غلق المعبر ووقف إدخال شاحنات المساعدات، ولذلك سارعت مصر إلى الترحيب بقرار المحكمة والتشديد على تحمّل إسرائيل المسؤولية القانونية بشكل كامل في تجويع الشعب الفلسطيني بالمخالفة لجميع الاتفاقيات والمواثيق الدولية.

إلا أنّ صياغة أمر المحكمة بهذه الصورة لا يمنع أنّ كواليس المداولات شهدت العديد من الخلافات بين الأعضاء، وبما يثبت التأثير الكبير للّوبي الصهيوني خاصة في محاولة إلصاق المسؤولية الإنسانية بمصر متجاوزا كل الاعتبارات المنطقية والعملية، إلى حد إقناع عضو مهم بالمحكمة هي القاضية الرواندية جوليا سيبوتيندي نائبة رئيس المحكمة وصاحبة الموقف السلبي من غزّة منذ بداية نظر دعوى جنوب أفريقيا.

ففي رأيها المنفصل بمعارضة القرار والمكوّن من تسع صفحات، كتبت سيبوتيندي أنّ "فتح معبر رفح يتطلّب تعاونًا مصريًا، باعتبار أنّ مصر جهة فاعلة أخرى تلعب دورًا رئيسًا في تسهيل توصيل المساعدات، وأنّ التقارير أفادت بمنعها حركة الشاحنات باتجاه كرم أبو سالم".

وزعمت سيوتيندي أنه "بدون تعاون مصر؛ لا تستطيع إسرائيل وحدها إبقاء معبر رفح مفتوحًا"، مطالبةً بشكل صريح ولأول مرة بـ"توجيه أمر المحكمة إلى مصر مع إسرائيل"، ومعتبرةً أنّ توجيه الأمر إلى إسرائيل وحدها "غير عملي".

ويبقى هذا الرأي حتى الآن أقلية داخل المحكمة، لكن تسلّله إلى مداولاتها ووثائقها الجادة يؤكد أهمية الرد المصري في ساحة القضاء الدولي وليس على المستوى الإعلامي فقط، إذ إنها الأقدر على فضح تلك الأكاذيب بتوضيح الوضع الحقيقي على الأرض وتثبيت مختلف صور جرائم الإبادة الجماعية على إسرائيل، وليس بشكل نظري سطحي يراهن اللوبي الصهيوني على نجاحه في تكريسه لدى الرأي العام الدولي، أو على الأقل في أوساط نخبوية مؤثّرة.

وكانت "عروبة 22" قد أشارت إلى أهمية تدخل مصر لقطع الطريق على تلك المحاولات الخطيرة منذ منتصف يناير/كانون الثاني الماضي، أي قبل إصدار قرار التدابير المؤقتة الأول من محكمة العدل الدولية.

تصريحات قادة إسرائيل حسمت الجدل

وكشف التوضيح الفردي الصادر من عضو المحكمة القاضي الألماني جورج نولته وجود اتجاه بعدم التوسّع في فرض إجراءات احترازية استنادًا إلى ما يمكن وصفه باتهامات مؤكدة لإسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية قبل أن تفصل المحكمة موضوعيًا في دعوى جنوب أفريقيا، وهي مسألة دقيقة تستخدمها إسرائيل أحيانًا في خطابها الدبلوماسي والقانوني لوصف المحكمة بالتسييس أو اعتناقها موقفًا مسبقًا.

وأشار نولته أيضًا إلى حجم الدور الذي لعبته التصريحات الاستفزازية والتحريض العلني من قادة الحكومة الإسرائيلية في حسم رأي 13 عضوًا بالمحكمة، فكتب: "أشعر بالقلق من استمرار التحريض المباشر والعلني في إسرائيل بتصريحات يمكن اعتبارها إخلالًا بالتزاماتها بمنع الإبادة الجماعية"، مشيرًا إلى خطورة التصريحات الحكومية الإسرائيلية عن رفض دخول المساعدات "مما عزّز المخاوف، والشكوك حول التزامات إسرائيل الإنسانية".

إنّ تزامن قرار المحكمة مع الانسداد الحالي في مسار المفاوضات، وتضمّنه العديد من أوجه الإدانة للممارسات الإسرائيلية، يمثّل فرصة جديدة لإمكانية استثماره من خلال عمل سياسي ودبلوماسي جاد من الدول المتبنية للقضية الفلسطينية، وعلى رأسها مصر والمجموعة العربية بالأمم المتحدة، للسعي الجاد مع الدول الأوروبية واللاتينية والآسيوية المتعاطفة، لمحاولة إيجاد آلية تنفيذية للقرار، أو بعض أوامره، من خلال صياغة مشروع قرار في مجلس الأمن لوقف العملية العسكرية في رفح وتحرير المعابر.

وربما لا يكون قرار المحكمة حاسمًا بذاته، لكن حقيقة أنه الثالث من نوعه في هذه الدعوى خلال أقل من ستة أشهر، يفاقم الغضب الدولي ضد واشنطن التي وقفت عقبة كؤود أمام إرادة الجمعية العامة للأمم المتحدة. غضبٌ قد يزلزل يومًا أركان النظام العالمي الذي تشكّل بعد انهيار الكتلة الشرقية بحثًا عن وسائل جديدة لتحقيق التوازن السياسي واستعادة فاعلية المنظمات الأممية والاتفاقيات الدولية.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن