لقد استفادت البورجوازية الأميركية الصاعدة من قواعد الرأسمال، شأنها في ذلك شأن الرأسمال البريطاني. وعندما قرّر هذا الأخير الحد من طموحاتها بقيود قانونية واقتصادية وسياسية، أصبح الاستقلال مطلبًا موضوعيًا وملحًا.
وبعد استقلال الولايات المتحدة الأميركية عن بريطانيا، تفرغت البورجوازية الأمريكية إلى توحيد المجتمع الأميركي وتنظيمه. وكانت هذه المرحلة فارقة في التاريخ الأميركي، وأشبه بالثورة البورجوازية في أوروبا، لكن بليبرالية خاصة تعكس خصوصية البورجوازية الأميركية ومطالبها ومصالحها.
كل ما عرفته الولايات المتحدة الأميركية من تراكم اقتصادي (حفظ فائض القيمة الأميركي في أمريكا) وسياسي (الديمقراطية الأميركية ومؤسساتها) وثقافي (الإشعاع الأكاديمي والفني)، هو نتاج مرحلة الاستقلال وما تلاها من توحيد وتنظيم وتنمية.
للاستفادة من التنافس بين الرأسمالات الكبرى وتحقيق أكبر قدر من التكامل الاقتصادي بين الدول العربية
وقد شكّلت الحرب العالمية الثانية منعطفًا في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، نظرًا لما فتحته هذه الحرب من آفاق للاستثمار أمام رأسمالها، ونظرًا لنزوعها الهيمني الذي لم يجد أمامه إلّا عائق الاتحاد السوفييتي، والذي سرعان ما تفكك وانهار (1989) لتبدأ أمريكا سياستها الجديدة تجاه كافة دول العالم، مع تكثيف استهدافها لدول الوطن العربي أكثر من غيره. وطيلة الحرب الباردة، وبعد انهيار جدار برلين، وإلى اليوم، كان الصراع بين "الجمهوريين" و"الديمقراطيين" على الحكم مجرد عنوان لتناقض داخل الرأسمال المالي الأمريكي.
تدور رحى هذا التناقض بين طرفين أميركيين، الأول صناعي عسكري وعن مصالحه يصدر "الديمقراطيون"، والثاني صناعي مدني وعن مصالحه يصدر "الجمهوريون". كل تجليات هذا التناقض، من صناديق الاقتراع والبروباغندا الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، إلى رفع الدعاوى القضائية والاغتيال ومحاولاته، هي انعكاس له وتعبير عن مضمونه الاقتصادي - الاجتماعي. وذلك مع استبعاد الانقسام الميكانيكي بين الطرفين، ومع استحضار تداخلهما أحيانًا، وكذا تأثير السياق العالمي للحكم على الرأسمال الأميركي كيف ما كان نوعه.
في الشرط الدولي الحالي، أصبح المجمع الصناعي المدني (الحزب الجمهوري) أكثر قدرة على فرض مطالبه داخل أمريكا وخارجها، وهو ما يفسر اليوم - على الأرجح - اكتساح دونالد ترامب لنتائج الانتخابات الأميركية. فماذا عن السياسات الاقتصادية التي يبشر بها المجمع المدني؟ وكيف تؤثر على الاقتصادات العربية؟
إنّ أهم سياسة يتبناها دونالد ترامب هي استبدال "اقتصاد السيطرة على الخارج" بـ"اقتصاد التنمية والابتكار في الداخل والتنافس في الخارج". لا يعتمد هذا الاقتصاد، أساسًا، على "السوق السوداء" (السلاح/الدعارة/المخدرات/القمار… إلخ)، ولا على استنزاف ثروات الدول ومقدراتها، ولا على استهداف أمنها وسياساتها الاقتصادية؛ وإنّما على تطوير الرأسمال الأميركي وقوى إنتاجه التقنية، ومنافسة الرأسمالات الكبرى في العالم (الصين خاصة).
هذا النموذج الأميركي "المدني" يؤثر إيجابًا على الاقتصاد العربي، ويمنحه فرصًا أوفر لتحرير القرار الاقتصادي، والاستفادة من التنافس بين الرأسمالات الكبرى (أمريكا، الصين، الاتحاد الأوروبي، بريطانيا، الهند، إلخ)، وتحقيق أكبر قدر من التكامل والتعاون الاقتصادي بين الدول العربية، وتأسيس علاقة هذه الدول بالرأسمال الأميركي على أساس المنافسة (الند للند) والتعاون (رابح/رابح) لا على أساس السيطرة والابتزاز العسكري والسياسي (الحقوقي). وليس هذا لسواد عيون العرب، ولكن لأنّ "أمريكا الجديدة" تسعى إلى منافسة الصين - و"البريكس" عمومًا - انطلاقًا من القواعد نفسها، مخافة أن تصبح بكين الوجهة المفضلة للعواصم العربية، بحثًا عن الخبرة والجودة وقلة التكلفة وعدم وجود إملاءات مخلة بسيادة الدول.
أميركا لا توزع الورود بل هي مضطرة وعلى الوطن العربي أن يستفيد من هذا الاضطرار
لقد تضرّر الاقتصاد العربي من سياسات "الديمقراطيين" ومجمعهم الصناعي العسكري، وهذه بعض مظاهر ذلك: أحداث "الربيع" الأطلسي وما نتج عنها من اضطراب للسلم والأمن العربيين، عرقلة النمو الاقتصادي العربي وتبديد ما يزيد على عشر سنوات منه منذ 2011 (خاصّة في دول كليبيا واليمن وسوريا إلخ)، استهداف الدول العربية بالديون وفوائدها وإملاءاتها (وقد زاد الضغط على مصر وتونس، مثلًا، في فترة حكم جو بايدن)، إخضاع النفط العربي للسياسات الحربية الأميركية (محاولات محدودة في الحرب الروسية الأوكرانية نظرًا لتراجع الدور الأميركي)، عرقلة فرص التعاون والشراكات الاقتصادية العربية باصطناع حروب وتشجيع التوترات و"الإرهاب المتأسلم" في المنطقة، استهداف كل دولة بقضية من قضاياها ما يستنزفها ويعرقل تقدمها (كقضية الصحراء المغربية بالنسبة للمغرب، وكملف "النووي الإيراني" بالنسبة للسعودية)، إلخ.
إنّ الرهان على ترامب ليس رهانًا عاطفيًا أو محكومًا بـ"مركّب نقص عربي"، وإنّما هو رهانٌ موضوعيٌ يستمد موضوعيته من طبيعة الرأسمال المدني الأميركي، ومن تبني "الجمهوريين" وترامب سياسات تنقذه وتنقذ الاقتصاد الأميركي ككل، وتنقذ المجتمع الأميركي من حرب أهلية قد تعيد أمريكا قرونًا إلى الوراء. والسياسات التي يتبناها ترامب، هي - على وجه العموم - السياسات نفسها التي تصب في مصلحة الاقتصاد العربي بعد عقود من استهدافه أميركيًا. أميركا لا توزع الورود، بل هي مضطرة، وعلى الوطن العربي أن يستفيد من هذا الاضطرار.
(خاص "عروبة 22")