بصمات

هل كَبَح رجال الأديان جُموح شركات الذكاء الاصطناعي؟

"لقد اجتمعنا مع إخواننا من اليهود والمسلمين في حدث بالغ الأهمية لنُناشد العالم أن يفكّر ويتصرّف باسم الأخوة والسلام – حتى في مجال التكنولوجيا. إنّ توقيع "نداء روما" من قبل القيادات الدينية المسيحية واليهودية والإسلامية، والدعوة المشتركة لأخلاقيات الخوارزميات لتوجيه تصميم الذكاء الاصطناعي، تشير إلى الحاجة المتزايدة والملحّة لبناء مسارات للسلام والاحترام المتبادل والحوار والمجتمع"..

هل كَبَح رجال الأديان جُموح شركات الذكاء الاصطناعي؟

.. بهذه الكلمات، رحب رئيس الأساقفة فينتشينزو باليا (Vincenzo Paglia)، بالمشاركين في مؤتمر "أخلاقيات الذكاء الاصطناعي: التزام إبراهيمي بنداء روما" (AI Ethics: an Abrahamic commitment to the Rome Call) الذي نُظّم في مدينة الفاتيكان في 10 يناير/كانون الثاني 2023، وجَمَع مُمثلين عن الأديان الإبراهيمية وشخصيات بارزة في مجال التكنولوجيا، مثل "مايكروسوفت" و"آي. بي. إم" (IBM).

سبق هذا الحدث، لقاء لا يقلّ أهميةً في موضوع أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في يوليو/تموز 2024 بهيروشيما، جمع العديد من ممثلي ديانات الشرق (مثل البوذية والهندوسية والزرادشتية والبهائية وغيرها) إلى جانب ممثلي الأديان الإبراهيمية (المسلمين والمسيحيين واليهود)، وقد كان للمكان والموضوع دلالات رمزية مهمة حول ذاكرة تضجّ ببشاعة الآلة والتكنولوجيا المدمِّرة، حين تمّ اعتمادها بمعزل عن الأخلاقيات والتحفّظات الإنسانية. في ذلك اللقاء (نداء هيروشيما)، صرّح البابا فرانسيس زعيم الكنيسة الكاثوليكية وقائد الكرسي الرسولي بالفاتيكان، باعتباره الصوت الأكثر تأثيرًا في القضايا الأخلاقية والاجتماعية والسياسية داخل العالم المسيحي، بأنّ ربط مصير الإنسان بخوارزميات معيّنة هو أمرٌ غير مقبول، وبأنّ الذكاء الاصطناعي يجب أن يُستخدم لصالح الإنسانية وحمايتها، وليس لمصلحة الربح أو استبدال البشر في أماكن العمل. كما دعا إلى منع استخدام الأسلحة المستقلة القاتلة التي تعتمد على الخوارزميات لاختيار وتنفيذ الهجمات دون تدخل بشري (مشروع نيمبوس الذي تعتمده إسرائيل لإبادة الفلسطينيين).

الاتجاه العام تمحور حول كيفية بناء ضغط عالمي لدفع شركات الذكاء الاصطناعي إلى تحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية

وقد سبق هذا الموقف المتحفّظ تجاه تجاوز الحدود الأخلاقية للتكنولوجيا صوت البابا يوحنا بولس الثاني في تسعينيات القرن الماضي، الذي أدان بشدّة فكرة استنساخ البشر، وحضّ على أنّ الحياة البشرية لها قُدسيتها وحُرمتها الخاصة، ثم تبعه في ذلك موقف البابا بنديكتوس السادس عشر مع بداية الألفية الثانية، الذي واصل الدفاع عن النفس البشرية وحُرمتها، داعيًا إلى احترام كرامة الإنسان وضبط الاستخدامات العلمية بحيث تحترم قُدسية النفس البشرية.

المتأمّل في مجريات لقاء هيروشيما ومرجعيات المشاركين، يدرك أنّ الاتجاه العام الذي ساد على أرض أول مدينة في العالم تتعرض لهجوم تقوده العلوم والتكنولوجيا وأسفر عما يقرب من 140 ألف قتيل، تمحور حول كيفية بناء ضغط عالمي يجمع مختلف الأطياف والأديان العالمية لدفع شركات الذكاء الاصطناعي إلى تحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية، عن الأخطار التي يمكن أن يتسبّب فيها الذكاء الاصطناعي في حالة استخدامه ضد البشر. وقد شكّل ذلك تهديدًا مباشرًا لطموحات الأيادي الخفيّة المتحكِّمة بمصير البشرية باسم الذكاء الاصطناعي، ودفع مسؤوليها المباشرين إلى حطّ الرحال بالفاتيكان فرادى وجماعات لإعادة الأمور إلى نصابها، من هؤلاء داريو جيل نائب الرئيس الأول في شركة "آي. بي. إم"، وبراد سميث نائب رئيس شركة مايكروسوفت، ودايف ويست رئيس شركة Cisco Systems، "ومع توالي الزيارات والاجتماعات، انكمشت المواضيع العريضة وتقزّم الطموح الكبير، واضمحلّ الهدف النبيل، حتى باتت النقاشات تدور حول تحيّز خوارزمي في النظام الصحي والتوظيف، ومنح القروض البنكية، والتعليم، والحكم بالسجن، وقضية المهاجرين".

تبدو أصوات العالم الإسلامي نادرة وخافتة وغير قادرة على ملاحقة ركب الذكاء الاصطناعي

لقد كان أغلب تلك الأنظمة التي دارت النقاشات حولها أميركية بامتياز (إبراهيم الزنداني)، ومن أبرز قادة الديانات "الإبراهيمية" الموقّعين على "نداء روما"، نجد: رئيس الأساقفة فينتشينزو باليا من الفاتيكان، والحاخام الأكبر إليعازر سمحا فايس عضو مجلس الحاخامية الرئيسية الإسرائيلية، الذي سبق أن دعا إلى مواجهة العنف والشر القادم من غزّة، والشيخ عبد الله بن بيه أمين عام منتدى أبوظبي للسلم، الذي ناصب العداء لكل الحركات الاجتماعية العربية المطالبة بالإصلاح وإسقاط الأنظمة الفاسدة بدعوى أنّ "الأمن مقدمٌ على العدل"، وتم تتويجه عالميًا كأهم شخصية مسلمة تبنّت خيار الحوار بين الأديان.

إضافة إلى "نداء هيروشيما" و"نداء روما"، وعدد من اللقاءات والمؤتمرات التي جمعت قادة الكنيسة الكاثوليكية، أعرب بطريرك موسكو قائد الكنيسة الأرثوذكسية كيريل الأول المعروف بمواقفه المؤيّدة للحكومة الروسية، بدايةً عن قلقه إزاء التداعيات الأخلاقية والمخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي، خاصّة مع زيادة اعتماده في الحياة اليومية ونُظُم اتخاذ القرار، لكن سرعان ما انكمش موقفه، مصرّحًا بأنه لا يمكن تجنّب تطوير ما يتعلق بتعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي، ولكن يجب تطوير الفلسفة المناسبة، وقواعد التفاعل البشري مع الذكاء الاصطناعي.

يبقى الحلم بأن يولد من خارج سياسة الأقطاب والحروب عالم تنمية وتكنولوجيا وتعليم جيّد وذكاء اصطناعي مُعقلن

في مقابل تحركات المؤسسات الدينية الغربية، وتفاعلاتها الاستباقية مع مستجدات الذكاء الاصطناعي وجنوح مهندسيه نحو زيادة فاعلية الآلة لاتخاذ قرارات مستقلة عن المسؤولية الأخلاقية والقانونية للبشر، وباستثناء المشاركة البارزة لعبد الله بن بيه أمين عام منتدى أبوظبي للسلم في فعاليات نداءي هيروشيما وروما، تبدو أصوات العالم الإسلامي نادرة وخافتة لا يكاد يُسمع صوتها، وغير قادرة على ملاحقة ركب الذكاء الاصطناعي، بل تكاد تقتصر على موقف المؤسّسات الدينية من استعمالات الذكاء الاصطناعي في سياق المعيش اليومي، حيث دعا علماء الأزهر إلى الحذر من تأثيراته على القيم الإنسانية وقدرة الإنسان على اتخاذ القرارات. كما أكدت دار الإفتاء الأردنية على أهمية بقاء الفتوى بيد العلماء واستخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة فقط، فيما اقتصرت وثيقة الحرم المكّي على استخدام الذكاء الاصطناعي لتوجيه السائلين حول الفتوى وشعائر الحجّ.

وبغض النظر عمًا يروّج راهنًا حول أسواق الديموقراطية الاقتصادية، والأسواق الدينية، وأسواق الحروب والتكنولوجيا الفتّاكة، وأسواق السلع الوهمية، يبقى الرهان والحلم مستمرًا بأن يولد عالم جديد من خارج سياسة الأقطاب والحروب، عالم تنمية وتكنولوجيا وتعليم جيّد وذكاء اصطناعي مُعقلن، حينها فقط نتحوّل للحديث عن مستقبل ممكن أن تسكنه الأجيال القادمة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن