حمل الموفد الأميركي آموس هوكشتاين مسودة الاقتراح الخاص بوقف إطلاق النار بعد إضافة "الملاحظات اللبنانية" على مدار يومين من النقاش المُستفيض مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، المُكلف بالتفاوض من قبل "حزب الله"، ليحط بتل أبيب، حيث سيجتمع اليوم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو.
أجواء ايجابية و"تقدم إضافي" تحدث عنها الموفد الاميركي، الذي استغل فترة وجوده بلبنان للقيام بجولة على المسؤولين على اختلاف آرائهم ومواقفهم. جولة يمكن الاستدلال إلى أهميتها لجهة وضع كل الاطراف أمام مسؤولياتهم المستقبلية وإخطارهم بالتطورات والمستجدات، خاصة بعد حصر قناة التفاوض بالرئيس بري، وهو ما سبب انزعاجاً لدى بعض القوى السياسية التي تعتبر أنه و"حزب الله" يفاوضان بإسم الدولة الغائبة والمتصدعة نتيجة غياب أعلى هرمها، أي رئيس الجمهورية مع استمرار الشغور في هذا المنصب.
بوادر يستند اليها لبنان للتفكير باليوم التالي، إن صح التعبير، لاسيما أن حجم الأعباء والخسائر ستثقل كاهل الدولة التي ترزح تحت وابل من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولكن، مع هذا، يبقى التفاؤل مرهوناً بقرارات نتنياهو، الذي وحده يمتلك "مفتاح" الحل، فإما استكمال للحرب وتوسيع رقعتها وأهدافها وإما تسليف الادارة الاميركية الحالية والمُنتخبة تسوية سعياً وراء مكاسب يسعى اليها ولاسيما في جبهة غزّة المشتعلة، وفق سيناريوهات باتت تتحدث عن حكم عسكري وشركات خاصة لادارة المساعدات الانسانيّة.
وفي التفاصيل اللبنانية، تتوجه الأنظار الى لقاء هوكشتاين - نتنياهو، والذي استبقه الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم بسلسلة من المواقف أبرزها تأكيده أنّ "التفاوض تحت سقفين، وقف اطلاق النار بشكل كامل وحفظ السيادة اللبنانية، وعدم السماح لإسرائيل بانتهاك سيادة لبنان والدخول إليه والقتل كما تشاء"، مشدداً على أنّ "وقف القتال يعتمد على الرد الإسرائيلي وجدية نتنياهو".
وحدّد قاسم أربعة أمور رئيسية سيتولاها "حزب الله" بعد الحرب وقوامها: المشاركة في عملية إعادة الإعمار، المساهمة الفعّالة بإنتخاب رئيس للجمهورية، العمل السياسي تحت سقف الطائف، الى جانب الحضور في الميدان السياسي. كما تطرق، بشكل ضمني، الى قبول الحزب فصل جبهة لبنان عن جبهة غزّة، معللاً ذلك بأنه بسبب "الأخذ بعين الاعتبار الظروف في لبنان"، قائلاً "يشرفنا أن نكون من القلة في دعم غزّة مع العراق واليمن وإيران بينما العالم كلّه يتفرج".
وبحسب معطيات اعلامية، فإن هذا الفصل في الجبهات أيدته ايران لتسهيل التفاوض خاصة أنها تراقب بتوجس وحذر وصول إدارة الرئيس المُنتخب دونالد ترامب وتسلّمه زمام الحكم. ويتعارض موقف قاسم مع التصريحات الاسرائيليّة التي لا تزال تتطالب بحرية التحرك، حيث أشار وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى أن "أي اتفاق سيتم التوصل إليه مع لبنان سيتضمن الحفاظ على حرية تحرك إسرائيل ضد أي خرق للاتفاق". من جهته، نبه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الى ضرورة "أن نكون قادرين على التحرك في الوقت المناسب، لأننا تعلمنا الكثير من واقع البنى التحتية الهائلة التي وجدناها في لبنان وغزّة، ولن نسمح لهذه المنشآت بالنمو مرة أخرى".
وعلى الجبهة، أعلن الجيش الاسرائيلي مقتل ثلاثة من جنوده في المعارك الدائرة بجنوب لبنان على وقع تصدي عناصر "حزب الله" لمحاولات التوغل من الجهة الشمالية لمدينة الخيام حيث تدور اشتباكات طاحنة على مدار الايام السابقة. في حين أعلن الحزب، في بياناته، عن قصف قاعدة للجيش الإسرائيلي شرق نهاريا وعدة تجمعات للقوات الإسرائيليّة جنوبي لبنان. يُشار أن الغارات الجوية توقفت على بيروت خلال وجود الموفد الاميركي لتعود وتتجدد بعدما أنذر العدو سكان مباني في الضاحية الجنوبية لبيروت، وتحديداً في منطقة حارة حريك، بضرورة إخلائها قبل أن يعمّد إلى قصفها مع ساعات الصباح الأولى.
وفي خط موازٍ، استهدفت غارات اسرائيليّة مستودعات ومواقع تابعة لـ"حزب الله"، وميلشيات عراقية مدعومة من إيران ومنخرطة في "المقاومة الإسلامية في العراق" في مدينة تدمر، وسط سوريا، موقعة عدد كبير من القتلى والجرحى، في هجوم وُصف بـ"الأكثر دموية". في المقابل، قال مستشار رئيس الحكومة العراقية، فادي الشمري، إن واشنطن أبلغت بغداد أنها "استنفدت جميع الوسائل لمنع ضربة إسرائيليّة على مواقع" في البلاد.
أما في غزّة فالمشهد يزداد تعقيداً بعدما عطلت الولايات المتحدة صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يدعو إلى وقف "فوري وغير مشروط ودائم" لإطلاق النار في غزّة، عبر استخدام حق النقض مجدداً دعماً لحليفتها، إسرائيل. فيما كان الجيش الإسرائيلي ينفذ مجزرة مروّعة بحق المدنيين شمال قطاع غزّة أدت لسقوط ما يزيد عن 66 شهيداً وأكثر من 100 جريح، معظمهم من النساء والأطفال.
في غضون ذلك، تحدث القيادي في حركة "حماس"، خليل الحية، عن اتصالات تجري حالياً لتحريك ملف المفاوضات، مؤكداً أن الحركة تبدي مرونة تجاه ذلك، وأنه لا صفقة تبادل دون وقف الحرب على قطاع غزّة. وأوضح أن "الفكرة المطروحة اليوم هي تشكيل لجنة لإدارة القطاع، وهو اقتراح قدمه المصريون وتعاملنا معه بشكل مسؤول".
وفي سياق ذي صلة، أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، بأن الخطوات الإسرائيليّة الراهنة ومن ضمنها تعزيز سيطرة الجيش وتوسيع محاور هذه السيطرة وإنشاء مواقع عسكرية في القطاع، ليس إلا تمهيد للسيطرة على مناطق واسعة، وعملياً الشروع في الحكم العسكري". في وقت انتقد وزير الأمن الإسرائيلي السابق، يوآف غالانت، خطة الحكومة الإسرائيليّة بشأن توزيع المساعدات الإنسانيّة عبر شركات خاصة، معتبراً أن فرض الحكم العسكري سيكبد إسرائيل "ثمناً دموياً".
وضمن جولة الصحف العربية الصادرة اليوم والتي ركزت معظمها على الأوضاع الانسانيّة في غزّة مع غياب الحلول السياسية:
لفتت صحيفة "الوطن" القطرية الى أنه "لا يختلف عاقلان في أن ما يحدث في غزّة هو أعلى مراتب المقاومة سواء في شرعيته أو في طريقته أو في الهدف منه رغم الاختلافات في تأويل الزمن والسياق والتداعيات". وقالت "ما يحدث في غزّة وفي فلسطين عموماً هو تاريخياً أصل أصول مقاومة الغازي والمحتل وهو تاريخ مسطر منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي ووصول طلائع المشروع الصهيوني في فلسطين".
بدورها، أشارت صحيفة "الشروق" المصرية إلى أن "لدى الولايات المتحدة الأميركية في عهد ترامب العديد من السيناريوهات بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولا نحسبها ستأتي إلا لصالح إسرائيل وبثمن باهظ يدفعه الجانب الفلسطيني والدول العربية والشرق الأوسط بأكمله"، معتبرة أن هذه "السيناريوهات الصعبة يتوجب التحسب والاستعداد لها، لأن الرياح الأمريكية لن تأتي أبداً بما تشتهيه السفن العربية، فهي لا تهب إلا لخدمة إسرائيل".
وتحت عنوان "تصور عربي واضح لحل الدولتين"، كتبت صحيفة "الأهرام" المصرية "في الوقت الذي اجتهدت فيه إسرائيل لتفريغ فكرة حل الدولتين من مضامينها السياسية، لاتزال غالبية الدول العربية تتمسك بشعارات عامة، ولم تتمكن من وضع رؤية محددة يمكن تطبيقها، أو تتبنى تحركات دقيقة تتوجه بها إلى المجتمع الدولي"، مؤكدة "أن كل ما تقوم به إسرائيل من ممارسات غير مشروعة وخروقات متعددة فى الضفة الغربية وقطاع غزّة يقطع الطريق على المشروع ويخلق واقعاً يمنح المقاومة فرصة لتجديد دمائها، استعداداً لمواجهة آخرى في المستقبل"، على حدّ قولها.
وتطرقت صحيفة "الدستور" الأردنية الى الأوضاع الانسانية في قطاع غزّة الذي "يعيش سكانه حياة هي الأسوأ والأخطر نتيجة العدوان الإسرائيلي مما يتطلب تدخلاً جاداً من كل الأطراف الدولية لوقف العدوان ودخول المساعدات وحماية المدنيين"، مشددة على أن "الاحتلال بات يسارع الزمن من اجل تنفيذ مخططاته واتخاذ الخطوات التي يتم فرضها بالقوة العسكرية في غزّة والضفة الغربية المحتلة ما يبعدنا أكثر فأكثر عن عملية السلام وعن الدولة الفلسطينية القابلة للحياة".
والأمر عينه، تحدثت عنه صحيفة "القدس" التي نبهت إلى "الواقع الصعب الذي يعيشه الناس في غزّة والذي فاق حدود التصور، وقد فقدوا قدرتهم على احتمال المزيد من ويلات الحرب والخراب الذي عاشوه ولا زالوا يعيشونه، مضطرين على الاحتمال رغم أنه مستحيلًا في الزمن المنكس باجترار الألم والفقد"، وتابعت "لا مفر أمامهم وسط كل هذا الصمت الذي أطبق على المجرة، وفي ذهول يتابعون أيامهم وهم يشهدون عجز القانون الدولي وعجز العالم بدوله وهيئاته ومواثيقه عن وقف الإبادة التي يتعرضون لها".
ومن وجهة نظر صحيفة "الراي" الكويتية فإن "الدبلوماسي المتمرّسَ (أي هوكشتاين)، والذي سبق أن أرسى "السلام البحري" بين لبنان واسرائيل ليس فقط حريصاً على إنجاح مهمّته بل أيضاً على ألا تسجل فشلاً معلناً لإدارة الرئيس جو بايدن، الذي إن لم يكن قادراً على إنهاء ولايته بإنجازٍ فأقلّه ألا يطويها بانتكاسة "معترف بها" وأن يحاول توفير أرضية تجعله في مكان ما شريكاً في الانفراجة بحال أصر نتنياهو على ترك "هدية" وقف النار للرئيس ترامب.
الى ذلك، رأت صحيفة "اللواء" اللبنانية أن "مركب النجاة العربي بات في مرسى لبنان اليوم، الذي يبقى عليه تحديد البوصلة في المسار الذي سيسلكه". وأضافت "لا شكّ أن نجاح لبنان في الاستفادة من مقرّرات قمة الرياض والدعم الذي منحته إياه، كفيل بإخراج المركب اللبناني من مستنقع التوتّرات التي تغذّيها إيران، وتعزيز حاضنته العربية في مواجهة العدوان الاسرائيلي والاتجاه به نحو برّ الاستقرار والأمان العربي".
(رصد "عروبة 22")