يدرك القارىء للمشهد العام حقيقة التبدلات والتغيرات التي طرأت على موازين القوى في العالم العربي بعد الضربات الاسرائيليّة التي طالت حركة "حماس" في غزّة و"حزب الله" في لبنان كما المواقع السورية لتدمير قدرات الجيش الوطني عبر القضاء على مستودعات الأسلحة الاستراتيجية والقواعد العسكرية ومراكز الابحاث العلمية، وهو أمرٌ دأبت عليه تل أبيب حين منحت لنفسها حرية التحرك في الاجواء السورية لقصف كل ما "يشكل تهديداً لها" منذ تغلغل النفوذ الايراني في دمشق. وها هي تكرره اليوم في لبنان رغم توقيع اتفاق وقف النار ودخوله حيّز التنفيذ.
هذا ولا تتوانى اسرائيل عن استكمال مخططاتها ومشاريعها الاستيطانية التي وسعتها في الضفة الغربية منذ تسلم الحكومة اليمنية لمهامها في ديسمبر/كانون الأول 2022، رغم أنها تتنافى مع قرارات الشرعية الدولية وتشكل عقبة أمام "حل الدولتين" كما استكمال "عملية السلام"، حتى وصل ببعض وزرائها من اليمين المتطرف بالتلويح الجدي بضم الضفة بشكل كامل (أو ما يصطلحون على تسميته بيهودا والسامرة) مستفيدين من وصول الرئيس المُنتخب دونالد ترامب الى البيت الأبيض.
واليوم تستغل اسرائيل ما يجري على الاراضي السورية بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد لزيادة عملياتها العسكرية ونطاق توغلها في المنطقة العازلة، ضاربة عرض الحائط باتفاقية فك الاشتباك المعمول بها منذ 1974. وفي خطوة استفزازية جديدة، وافقت الحكومة الإسرائيلية "بالإجماع" على خطة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لتشجيع الاستيطان في مستوطنات الجولان السوري المحتل. وتهدف هذه الخطة، بحسب المعطيات المتوافرة، إلى مضاعفة عدد المستوطنين وتزيد قيمتها عن 11 مليون دولار أميركي.
وعلّق نتنياهو على هذه الخطوة قائلاً: "إن إسرائيل ستواصل التمسك بهضبة الجولان من أجل ازدهارها والاستيطان فيها"، واضعاً ذلك في إطار "تعزيز دولة إسرائيل، وهو أمر بالغ الأهمية خصوصاً في هذه الفترة". ويتزامن ذلك مع استمرار الضربات الجوية الاسرائيليّة التي طالت أمس، الأحد، قواعد الصواريخ في ثكنة 107 في منطقة زاما ومستودعات أسلحة في ريفي اللاذقيه وطرطوس. وخلفت الغارات التي طالت عدة مواقع عسكرية ومرافق حيوية في الساحل السوري انفجارات عنيفة.
هذه التطورات الميدانية على الجبهة السورية لم تحجب الآمال المعقودة على المرحلة الانتقالية مع مرور أسبوع على سقوط نظام الأسد وما رافق ذلك من معطيات مهدت الطريق امام ما بات يُسمى بـ"سوريا الجديدة". وبينما تعود الحياة بشكل تدريجي الى العاصمة دمشق وبقية المناطق مع اعادة فتح المدارس والجامعات أبوابها، تتحضر سوريا الى ورشة عمل سياسية بعد تعليق "حزب البعث" لعمله وتعيين حكومة انتقالية لمدة ثلاثة أشهر ستضع البلاد والعباد أمام مسار مختلف يعبد الطريق أمام انتخابات رئاسيّة جديدة كما اعادة وضع دستور جديد للبلاد سيتحدد معه شكل النظام المستقبلي.
وفي السيّاق، ناقش القائد العام للإدارة السياسية الجديدة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) مع مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسن، ضرورة إعادة النظر في خريطة الطريق التي حددها مجلس الأمن الدولي في عام 2015. فيما قال وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، إن لندن أجرت اتصالات دبلوماسية مع "هيئة تحرير الشام" الأسبوع الماضي "ورغم أنها لا تزال منظمة محظورة لكن يمكننا إجراء اتصالات دبلوماسية".
أما وزير الدفاع التركي يشار غولر، فشدد على أن "أنقرة مستعدّة لتقديم دعم عسكري للحكومة السورية الجديدة إذا طلبت ذلك"، مؤكداً أنه يجب منحها الفرصة للعمل. تزامناً، أعلنت قطر استئناف عمل سفارتها في سوريا اعتباراً من يوم غد، الثلاثاء. وكان وفد دبلوماسي قطري وصل إلى سوريا، في وقت سابق، لإكمال إجراءات افتتاح السفارة. وجدد الوفد، خلال لقاءاته مع حكومة تصريف الأعمال السورية، التزام الدوحة الكامل بدعم الشعب السوري. كما جرى مناقشة سبل تعزيز انسياب المساعدات الإنسانية القطرية.
في غضون ذلك، تستمر المعاناة الفلسطينيّة وجرائم الاحتلال الدموية التي تحصد المزيد من أرواح الأبرياء والعُزل، في إطار حرب الإبادة. وقد ارتكب العدو خمسة مجازر خلال الساعات الـ24 الماضية ذهب ضحيتها، في حصيلة أولية، 46 شهيداً وأكثر من 135 مصاباً، بحسب بيانات وزارة الصحة. في وقت حذرت منظمة الإغاثة الطبية من حدوث "كارثة بيئية خطيرة" بسبب تكدس جثامين الشهداء في الشوارع.
إلى ذلك، تحدثت وسائل إعلام تابعة للحوثيين عن قصف أميركي بريطاني جديد استهدف محافظة الحديدة، للمرة الأولى منذ قرابة نصف شهر. ولم تتطرق قناة "المسيرة" الفضائية (التابعة للحوثيين) إلى تفاصيل أخرى بشأن نتائج القصف، في حين لم يصدر أي تعليق من واشنطن ولندن بهذا الخصوص.
وضمن جولة اليوم على الصحف العربية التي لم يغب عنها الحدث السوري وتحدياته الراهنة والمستقبلية كما الدور الايراني وصولاً الى العلاقات اللبنانية - السورية بعد سقوط نظام الاسد. وأبرز ما ورد:
علقت صحيفة "الخليج" الاماراتية على موقف أبوظبي مما يجري في سوريا حيث أكدت أن "ما يهم دولة الإمارات في هذه المرحلة المهمة والخطيرة من تاريخ سوريا، هو وحدتها أرضاً وشعباً لمواجهة كل التحديات، وبدء مرحلة التعافي من خلال إطلاق الحلول السياسية عبر الحوار الوطني الشامل من دون إقصاء أحد أو عزل أي طرف". وقالت: "ستبقى دولة الإمارات العين الساهرة لحماية سوريا وأي بلد عربي آخر يتعرض للأذى أو الضرر أو للعبث في أمنه واستقراره".
من جهتها، تناولت صحيفة "عكاظ" السعودية واقع الحال الذي "يفرض على الشعب السوري الشقيق جملة من التحديات الكبيرة، والتي لا سبيل إلى تجاوزها إلا بالوحدة والتعاضد، ونبذ خطاب الطائفية، والخروج من قبضة الغبن الأعمى المُفضي إلى نزعة الانتقام، إلى مبدأ المحاسبة المستند إلى القوانين العادلة". وأضافت: "بهذا يكون طريق الخلاص وعودة سوريا إلى الحضن العربي، بعد أن جنح بها مجرم سوريا إلى حضن غريب بعيدًا عن التجاذبات العقدية، والأجندات المفخخة التي أفضت إلى هذا المآل البائس".
وتحت عنوان "أولوية التنسيق العربي في سوريا"، كتبت صحيفة "الأهرام" المصرية "تمر سوريا بمرحلة دقيقة حاليا، بحكم الظروف الجديدة التي طرأت على ساحتها الداخلية". وخلصت إلى "أن الدعم العربي بات حتميا باعتبار أن المساعدة في تحقيق الاستقرار في سوريا يضع مزيدا من العقبات التي تقلص من قدرة التنظيمات الإرهابية على استغلال ما حدث من أجل إعادة تجديد نشاطها وتوسيع نطاق نفوذها مرة أخرى".
اما صحيفة "الشروق" الجزائرية، فسلطت الضوء على ما تشهده المنطقة منذ نهاية عام 2010، إذ أوضحت أن "الأنظمة العربية لم يكن أمام شعوبها من خيار آخر سوى الإطاحة بها، بغضّ النظر عن الطريقة والتداعيات التي ورّطها فيها الآخرون أحيانا". وتابعت: "إن عمر الانتقال الحضاري في سيّاقات تاريخية معقدة لا يقاس بالسّنوات ولا حتى بالعقود، بل هو مسار متشابك من الوعي والتراكم النضالي سيفضي إلى إرساء الإصلاح على قاعدة صلبة ولو بعد حين من الدهر".
وبحسب صحيفة "الوسط" الليبية، فإن "الأسد الابن وقبله الأب ومن تبعهما لم يخفوا انحيازهم للحليف الفارسي ولم يخجلوا من ذلك ولم يجدوا صعوبة في إقناع غيرهم، وكان شعار الممانعة أو محورها على الدوام خير مسوغ للحفاظ على هذا النهج، فكان ذلك خير ضامن لاستمرار الانقسام العربي"، معتبرة أن "الخراب العربي يأتي دائمًا بأيدي العرب أنفسهم لغياب التدبّر الكافي وتفادي سوء التقدير وتعذر تفادي العواقب في الوقت المناسب".
وأشارت صحيفة "اللواء" اللبنانية إلى أن "الاعتراضات والتباينات الشكلية لحلفاء الاسد في لبنان، لن تقدم او تؤخر في مسار بدء التعاطي السياسي اللبناني، على مستوى السلطة او الاطراف السياسيين خارجها،مع الإدارة السياسية السورية الجديدة، لانهم ليسوا في موقع يمكّنهم من عرقلة او تعطيل فتح لبنان هذه الصفحة الجديدة مع سوريا، بعدما فقدوا كل مقومات التعطيل بزوال النظام عن بكرة أبيه"، على حدّ تعبيرها.
بدورها، رأت صحيفة "الدستور" الأردنية أنه "ورغم حالة الضعف التي بات يعاني منها "حزب الله" بعد تصفية قيادات الصف الأول والثاني كان من الممكن لإيران تداركها عبر عملية إعادة هيكلة شاملة وإحلال منظومة تسليحية جديدة، لولا انهيار النظام السوري"، مستنتجة أن "فقدان طهران لأذرعها الإقليمية يعني بالضرورة حشرها في الزاوية، بلا أية أوراق إقليمية تساوم عليها، وهنا مربط الفرس، فنظام ولاية الفقيه منذ قيامه وهو يهرب من أزماته الداخلية عبر سردية المقاومة وتصدير الثورة".
(رصد "عروبة 22")