صحافة

الشرق الأوسط ووداع إدارة بايدن

إميل أمين

المشاركة
الشرق الأوسط ووداع إدارة بايدن

هل يغادر الرئيس الأميركي بايدن البيت الأبيض من غير أن يسجل اسمه في سجل الرؤساء الأميركيين أصدقاء الشرق الأوسط بكل ملله ونحله، ومن غير تمايز ولا عنصرية.

ليس سرا القول إنه مع وصول الرئيس بايدن إلى سدة البيت الأبيض، بدأت رحلة مثيرة في العلاقات مع الشرق الأوسط، لاسيما الدول الكبرى والرئيسية فيه، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، حيث كان قد أطلق تصريحات لا تتسق وعمق العلاقات التاريخية بين واشنطن والرياض، الأمر الذي دعا الكثير من المراقبين السياسيين الأميركيين والعرب للانتباه لقادم الأيام، سيما بعد أن اعتقد البعض أن الوقت حان لانسحاب أميركي من الشرق الأوسط، مشابه جدا لما جرى في أفغانستان، وبالفعل قامت واشنطن بسحب عدد من بطاريات صواريخ باتريوت من المنطقة، حيث الحلفاء التاريخيون الموثوقون، وتم نقلها إلى مناطق أخرى، الأمر الذي اعتبر عربون "فك الارتباط" إن جاز القول.

غير أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى المملكة العربية السعودية والحفاوة التي تمت مقابلته بها، مقارنة بالاستقبال شبه الفاتر إن لم يكن الفاتر لبايدن في يوليو من العام نفسه، دعت الأميركيين للتفكير في تراجع حضورهم شرق أوسطيا وخليجيا، مع التبعات والخسائر الاستراتيجية المترتبة على تراجع النفوذ الأميركي، وتصدر الصين المشهد.

حاول بايدن في قمة يوليو 2022 التي حضرها عدد وافر من الزعماء والرؤساء العرب، أن يطمئن حكام المنطقة بأن: "أميركا لن تنسحب من الشرق الأوسط ولن تترك فراغا تملأه الصين أو روسيا أو إيران"، غير أن التصريحات الرسمية من بايدن، غالبا لم تمثل يقينا كاملا وشاملا لسكان العالم العربي، سيما في ظل سعي بايدن لإحياء المسار النووي مع إيران. يعن لنا التساؤل: "هل العلاقات الأميركية الشرق أوسطية، تخضع بالضرورة للتغيرات التي تعتري أوضاع العلاقات الدولية في العقدين الأخيرين بنوع خاص؟".

حتى سقوط الاتحاد السوفييتي في أوائل التسعينات وما جرى لدول أوروبا الشرقية من تفكك وتحلل بعيدا عن القبضة الحديدية لموسكو، كانت الوضعية العالمية يسيرة وسهلة التقسيم بين معسكرين أو فسطاطين. لم يكن الشرق الأوسط والعالم العربي بدوره بعيدا عن هذا التقسيم، فقد كانت غالبية دوله تنحاز لواشنطن والقليل السائر والدائر في فلك موسكو.

بدت الحقيقة المؤكدة أن قواعد النظام العالمي القديم تغيرت، وأن واشنطن هي سيدة العالم بدون منازع، الأمر الذي عبر عنه الرئيس بوش الأب بتعبير "النظام العالمي الجديد"، وإن شئنا الدقة فقد كان "النظام الأميركي الجديد" المنفرد بمقدرات العالم.

على أن الحقيقة المؤكدة كذلك، أن هذا النظام لم يقدر له أن يستمر أكثر من ثلاثة عقود، وهاهي دول العالم تواجه حالة من اللانظام الدولي مع بزوغ فجر نظام عالمي آخر، ملامحه ترتسم في الآفاق، عالم من أقطاب متعددة، قد لا يكون بعضها في قوة وقدرة الولايات المتحدة الأميركية عسكريا، غير أن بعضها الآخر قد يمتلك من القدرات الاقتصادية والمالية، ما يفسح المجال لشراكات ولو نسبية اليوم، ومطلقة غدا، تباعد بين واشنطن ونفوذها الدولي على كافة بقاع وأصقاع العالم ومنها منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، والتي يبدو بعضها بدوره أنه ماض في طريق مغاير لما جرت به المقادير من قبل.

وسط السيولة الجيواستراتيجية الحالية، باتت قطاعات جغرافية عالمية ترفض فكرة القواعد الأميركية للنظام العالمي الجديد، حيث "مفهوم القوة الخشنة"، هو الأمر الوحيد الذي تؤمن به واشنطن، وتعتبر محاولة تعديله أو تغييره مدخلا للفوضى.

وفيما يستعد بايدن للرحيل، يبدو الشرق الأوسط بدوره نقطة ضعف قادمة للسياسات الجديدة في عهد الرئيس المنتخب دونالد ترامب، بل ومرشحة للارتهان بعوامل عدة منها شعور سكان المنطقة بتراجع الدور الأميركي عالميا، فواشنطن تنكشف اقتصاديا يوما تلو الآخر بسبب ديونها الخارجية والداخلية، وشروع الكثير من الدول في رفض الاستمرار في الارتهان بعملة الدولار غير المغطاة، والتي يمكن في حال وقوع أزمة مالية عالمية أن تتحول إلى مجرد أوراق مطبوعة للذكرى.

هل يفاجئنا بايدن بمبادرة ناجزة وفاعلة للشرق الأوسط قبل رحيله؟.

(البلاد البحرينية)

يتم التصفح الآن