لَقَدْ أَفْرَزَتْ فَتْرَةُ الحِمايَةِ وَالاسْتِعْمار، خُصوصًا في الفَضاءِ المَغارِبِيّ، نُخَبًا سِياسِيَّةً وَاقْتِصادِيَّةً وَعَسْكَرِيَّةً مُتَنَوِّعَةً مِنْ ضِمْنِها نُخَبٌ مُفَرْنَسَة، تَشَكَّلَتْ داخِلَ المَنْظومَةِ الاسْتِعْمارِيَّة، وَاسْتَبْطَنَتْ لُغَتَها وَقِيَمَها وَأَنْماطَ اشْتِغالِها. وَبَعْدَ الاسْتِقْلال، انْتَقَلَتْ هَذِهِ النُّخَبُ إِلى مَواقِعِ القَرارِ إِلى جانِبِ عَدَدٍ مِنْ نُخَبِ الحَرَكَةِ الوَطَنِيَّة، وَأَصْبَحَتْ فاعِلًا أَساسِيًّا في رَسْمِ السِّياساتِ العُمومِيَّة، بِما فيها السِّياساتُ اللُّغَوِيَّةُ وَالتَّعْليمِيَّة. وَفي الحالَةِ المَغْرِبِيَّة، كانَ لِهَذِهِ النُّخَبِ دَوْرٌ مِحْوَرِيٌّ في إِجْهاضِ أَوْ إِفْراغِ مُخْتَلِفِ مُخَطَّطاتِ التَّعْريبِ مِنْ مُحْتَواها، مُنْذُ سِتّينِيّاتِ القَرْنِ الماضِي، سَواءٌ عَبْرَ مُقاوَمَةٍ صَريحَةٍ أَوْ عَبْرَ إِفْراغِها مِنْ بُعْدِها الوَظيفيِّ وَرَبْطِها فَقَطْ بِالمُسْتَوَياتِ الأولى مِنَ التَّعْليم.
المدارس الخاصة والمعاهد الأجنبية أفرزت نُخبًا مُنقطعة لغويًا وثقافيًا عن محيطها الاجتماعي
وَيَتَجَلّى هَذا المُعْطى بِوُضوحٍ في غِيابِ إِرادَةٍ سِياسِيَّةٍ حَقيقِيَّةٍ لِتَوْحيدِ مَنْظومَةِ التَّعْليم. فَبَيْنَما كانَ يُفْتَرَضُ أَنْ يُشَكِّلَ التَّعْريبُ مَدْخَلًا لِبِناءِ مَدْرَسَةٍ وَطَنِيَّةٍ مُنْسَجِمَة، اسْتَمَرَّتِ البَعَثاتُ التَّعْليمِيَّةُ الأَجْنَبِيَّة، الفَرَنْسِيَّةُ وَالإِسْبَانِيَّةُ عَلى وَجْهِ الخُصوص، في التَّوَسُّعِ وَالنَّشاطِ المُكَثَّف. بَلْ إِنَّ المَغْرِبَ أَصْبَحَ يَحْتَضِنُ واحِدَةً مِنْ أَكْبَرِ شَبَكاتِ المُؤَسَّساتِ التَّعْليمِيَّةِ الفَرَنْسِيَّةِ خارِجَ فَرَنْسا، وَهُوَ ما ساهَمَ في إِعادَةِ إِنْتاجِ نُخَبٍ اجْتِماعِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ تَرى في اللُّغَةِ الفَرَنْسِيَّةِ شَرْطًا لِلتَّمَيُّزِ وَالارْتِقاء، وَفي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ مُجَرَّدَ لُغَةِ تَعْليمٍ ابْتِدائِيٍّ أَوْ رَمْزِيّ، لا تُؤَهِّلُ لِلِاندِماجِ في الاقْتِصادِ العَصْريِّ وَلا في دَوائِرِ القَرار.
وَيَزْدادُ هَذا الوَضْعُ تَعْقيدًا بِفِعْلِ ضَعْفِ انْخِراطِ الأَحْزابِ السِّياسِيَّةِ المُنْحَدِرَةِ عَنِ الحَرَكَةِ الوَطَنِيَّةِ في الدِّفاعِ الجِدِّيِّ وَالمُتَماسِكِ عَنْ سِياساتٍ لُغَوِيَّةٍ وَطَنِيَّةٍ واضِحَة. فَعَدَدٌ كَبيرٌ مِنَ النُّخَبِ الحِزْبِيَّة، بِمُخْتَلَفِ مَرْجِعِيّاتِها، تَلَقَّتْ تَكْوينَها في فَرَنْسا أَوْ في دُوَلٍ غَرْبِيَّة، أَوْ في جامِعاتٍ مُفَرْنَسَة، ما جَعَلَ عَلاقَتَها بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ عَلاقَةً خِطابِيَّةً أَكْثَرَ مِنْها مُمارَسَةً مُؤَسَّسِيَّة. وَلَمْ تَكُنِ الاسْتِثْناءاتُ سِوى حالاتٍ مَحْدودَة، كَما هُوَ الشَّأْنُ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ رُموزِ الحَرَكَةِ الوَطَنِيَّة. وَفي هَذا الصَّدَد، نُورِدُ المُفارَقَةَ التي أَشَارَ إِلَيْها بَاحِثونَ كَشارْل أَنْدْري جولْيان (Charles-André Julien)، عَميدِ أَوَّلِ كُلِّيَّةِ آدابٍ في الرِّباطِ بَعْدَ اسْتِقْلالِ المَغْرِب، تَتَمَثَّلُ في أَنَّ عَدَدًا مِنَ المُدافِعينَ السِّياسِيّينَ عَنِ التَّعْريبِ لَمْ يَتَرَدَّدوا في تَسْجيلِ أَبْنائِهِمْ في البَعَثاتِ الفَرَنْسِيَّةِ أَوِ ابْتِعاثِهِمْ إِلَى الخارِج، وَهُوَ ما كَشَفَ عَنِ ازْدِواجِيَّةٍ عَميقَةٍ بَيْنَ الخِطابِ وَالمُمارَسَة، وَساهَمَ في إِضْعافِ مِصْداقِيَّةِ مَشْروعِ التَّعْريبِ ذاتِه.
التعليم العمومي أفرز نُخبًا مُعَرّبة تجد صعوبة في استكمال تعليمها العالي أو في الاندماج في سوق الشغل والإدارة
وَقَدْ أَدّى هَذا التَّناحُرُ بَيْنَ النُّخَب، وَاخْتِلافُ اخْتِياراتِها اللُّغَوِيَّة، إِلى إِنْتاجِ نِظامٍ تَعْليمِيٍّ مُشَظًّى وَمُتَعَدِّدِ اللُّغاتِ وَغَيْرِ مُتَكامِل. فَالمَدارِسُ الخاصَّةُ وَالمَعاهِدُ الأَجْنَبِيَّةُ أَفْرَزَتْ نُخَبًا مُفَرْنَسَة، مُنْقَطِعَةً لُغَوِيًّا وَثَقافِيًّا عَنْ مُحيطِها الاجْتِماعيِّ النّاطِقِ أَساسًا بِالعَرَبِيَّةِ وَالأَمازيغِيَّة، في حينِ أَفْرَزَ التَّعْليمُ العُمومِيُّ نُخَبًا مُعَرَّبَةً تَجِدُ صُعوبَةً حَقيقِيَّةً في اسْتِكْمالِ تَعْليمِها العالي، الذي ظَلَّ في مُعْظَمِهِ مُفَرْنَسا، أَوْ في الاندِماجِ في سوقِ الشُّغْلِ وَالإِدارَة، حَيْثُ تُشْتَرَطُ اللُّغَةُ الفَرَنْسِيَّةُ كَشَرْطٍ غَيْرِ مُعْلَنٍ لِلْوُلوجِ وَالتَّرَقّي. وَيُشيرُ عَدَدٌ مِنَ المُعْطَياتِ إِلَى أَنَّ نِسْبَةً مُهِمَّةً مِنْ خِرّيجي الجامِعاتِ العُمومِيَّةِ اليَوْمَ يُعانونَ مِنْ بَطالَةٍ طَويلَةِ الأَمَد، لَيْسَ فَقَطْ بِسَبَبِ مَحْدودِيَّةِ فُرَصِ الشُّغْل، بَلْ أَيْضًا بِسَبَبِ الحاجِزِ اللُّغَويِّ الَّذي يَحولُ دونَ إِدْماجِهِمْ في مُخْتَلَفِ قِطاعاتِ الاقْتِصادِ وَالإِداراتِ الحُكومِيَّة.
التَّشَظّي اللُّغَوِيُّ وَآثارُهُ عَلَى التَّعْليمِ وَالاقْتِصادِ وَالاندِماجِ الاجْتِماعِي
لَقَدْ أَفْضى هَذا الوَضْعُ إِلى ما يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِحالَةِ "الانْفِصامِ اللُّغَويِّ وَالتَّعْليمِيّ"، حَيْثُ يَنْتَقِلُ الطّالِبُ مِنْ تَعْليمٍ ابْتِدائِيٍّ وَثانَوِيٍّ تُدَرَّسُ فيهِ أَغْلَبُ المَوادِّ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّة، إِلى تَعْليمٍ عالٍ يُفْرَضُ فيهِ التَّكْوينُ بِاللُّغَةِ الفَرَنْسِيَّة، خاصَّةً في تَخَصُّصاتٍ اسْتراتيجِيَّةٍ كَالهَنْدَسَةِ وَالطِّبِّ وَالعُلومِ وَالقانون. وَيَتِمُّ هَذا الانْتِقالُ مِنْ دونِ تَوْفيرِ آلِيّاتٍ حَقيقِيَّةٍ لِلْمُواكَبَةِ اللُّغَوِيَّة، ما يَنْعَكِسُ سَلْبًا عَلى جَوْدَةِ التَّكْوين، وَعَلى القُدُراتِ التَّحْليلِيَّةِ وَالمَعْرِفِيَّةِ لِلطَّلَبَة، وَيُؤَدّي إِلى هَدْرِ جُزْءٍ مُهِمٍّ مِنَ الرَّأْسِمالِ البَشَريِّ الوَطَنِيّ.
وَخِلالَ العُقودِ الماضِيَة، طَرَأَ عَلى المَشْهَدِ تَغَيُّراتٌ جَذْرِيَّةٌ عَقِبَ بُروزِ تَيّاراتٍ سِياسِيَّةٍ جَديدَةٍ جَعَلَتْ قِطاعَ التَّعْليمِ يَتَحَوَّلُ مَرَّةً أُخْرى إِلى ساحَةِ صِراعٍ إيدْيولوجِيٍّ بَيْنَ تَيّاراتٍ سِياسِيَّةٍ وَثَقافِيَّةٍ مُتَعَدِّدَة: تَيّارٌ إِسْلامِيٌّ يُدافِعُ عَنِ التَّعْريبِ الشَّامِل، وَتَيّارٌ أَمازيغِيٌّ يُطالِبُ بِتَوْسيعِ حُضورِ اللُّغَةِ الأَمازيغِيَّةِ في التَّعْليمِ وَالاقْتِصادِ وَالحَياةِ العامَّة، مُقابِلِ تَيّارٍ فْرانْكُفونِيٍّ غَيْرِ مُعْلَن، لَكِنَّهُ فاعِلٌ بِقُوَّةٍ داخِلَ مَراكِزِ القَرارِ الإِداريِّ وَالاقْتِصادِيّ. وَعَلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ دُسْتورَ 2011 كَرَّسَ رَسْمِيًّا الطّابَعَ الرَّسْمِيَّ لِكُلٍّ مِنَ العَرَبِيَّةِ وَالأَمازيغِيَّة، فَإِنَّ الواقِعَ العَمَلِيَّ يَكْشِفُ أَنَّ الجُزْءَ الأَكْبَرَ مِنَ الإِدارَةِ وَالاقْتِصادِ وَالتَّعْليمِ العالي لا يَزالُ خاضِعًا لِلْهَيْمَنَةِ الفَرَنْسِيَّةِ مَعَ اسْتِمْرارِ تَهْميشِ اللُّغَتَيْنِ الرَّسْمِيَّتَيْنِ لِلْبَلَد، وَهُوَ ما يوحي بِوُجودِ اخْتِلالٍ عَميقٍ بَيْنَ النَّصِّ الدُّسْتوريِّ وَالمُمارَسَةِ الفِعْلِيَّة.
الرهان اللغوي في الدول العربية يمسّ جوهر النموذج التنموي والهوية الثقافية وعلاقة الدولة بمجتمعها
إِنَّ هَذا التَّعَدُّدَ اللُّغَوِيَّ غَيْرَ المُتَوازِنِ أَنْتَجَ وَضْعًا تَتَعايَشُ فيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ بِوَظائِفَ غَيْرِ مُتَكافِئَة: لُغَةُ الاقْتِصادِ وَالإِدارَة، وَلُغَةُ النُّخَب، وَلُغَةُ عُمومِ الشَّعْب. وَهُوَ ما يُشَكِّلُ عائِقًا حَقيقِيًّا أَمامَ تَطْويرِ مَنْظومَةٍ تَعْليمِيَّةٍ مُنْسَجِمَة، وَيَحُدُّ مِنَ القُدْرَةِ التَّنَافُسِيَّةِ لِلِاقْتِصاد، وَيَفْرِضُ عَلى الدَّوْلَةِ كُلْفَةً إِضافيةً مُرْتَبِطَةً بِالتَّكْوينِ اللُّغَويِّ المُسْتَمِرّ، وَيُعَمِّقُ الفَجْوَةَ بَيْنَ النُّخَبِ وَالمُجْتَمَع. فَاقْتِصادٌ يَشْتَغِلُ بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَةِ أَغْلَبِيَّةِ المُواطِنِينَ "العَرَبِيَّةِ وَالأَمازيغِيَّة"، يَخْلُقُ بِالضَّرورَةِ فَجْوَةَ ثِقَة، وَيُكَرِّسُ الإِقْصاءَ الرَّمْزِيّ، وَيَحُدُّ مِنْ إِمْكاناتِ الابْتِكارِ وَالإِبْداع.
إِنَّ الرِّهانَ اللُّغَوِيَّ في الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، وَفي المَغْرِبِ عَلى وَجْهِ الخُصوص، لا يَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِلُغَةِ التَّدْريسِ أَوِ الإِدارَة، بَلْ يَمَسُّ جَوْهَرَ النَّموذَجِ التَّنْمَويِّ وَالهُوِيَّةِ الثَّقافيةِ وَعَلاقَةِ الدَّوْلَةِ بِمُجْتَمَعِها. فَالمَسْأَلَةُ اللُّغَوِيَّةُ لَيْسَتْ تِقْنِيَّةً مَحْضَة، بَلْ خِيارٌ اسْتراتيجِيٌّ يَرْتَبِطُ بِقُدْرَةِ الدُّوَلِ عَلى اسْتِثْمارِ طاقاتِها البَشَرِيَّة، وَتَقْليصِ الفَجْوَةِ بَيْنَ النُّخَبِ وَعُمومِ المُواطِنين، وَبِناءِ اقْتِصادِ مَعْرِفَةٍ مُنْدَمِجٍ في مُحيطِهِ الثَّقافيِّ وَالاجْتِماعِيّ. وَمِنْ دونِ حَسْمٍ واضِحٍ وَمَسْؤولٍ في هذا الْخِيار، سَيَظَلُّ الِاقْتِصادُ الْعَرَبِيّ، وَالْمَغارِبِيُّ تَحْديدا، أَسيرَ أَزْمَةٍ لُغَوِيَّةٍ مُكْلِفَة، تُعيقُ التَّنْمِيَة، وَتُؤَخِّرُ بِناءَ دَوْلَةٍ حَديثَةٍ بِلُغَتِها، وَمَعْرِفَتِها، وَمُواطِنيها.
(خاص "عروبة 22")

