صحافة

سوريا بين إيران وإسرائيل: تلاقي العبث واستخدام الفلول

صهيب جوهر

المشاركة
سوريا بين إيران وإسرائيل: تلاقي العبث واستخدام الفلول

لم يعد ما يجري في سوريا قابلاً للفهم ضمن ثنائية الصراع التقليدي بين محاور متواجهة، ولا يمكن اختزاله في سردية “الدولة ضد الفوضى” أو “المقاومة ضد العدوان”. فالمشهد السوري، بعد أكثر من عقد على الحرب، بات مسرحاً لعبث مزدوج تمارسه قوى إقليمية متعارضة في الخطاب، متقاطعة في النتائج، وعلى رأسها إسرائيل وإيران، بما يضرب في العمق مفهوم الأمن القومي السوري والعربي معاً.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة عودة تحركات فلول نظام الأسد في الساحل السوري إلا بوصفها نتاجاً مباشراً لهذا المسار التفكيكي المركّب. فالأحداث التي شهدتها اللاذقية مؤخراً، وظهور مجموعات تحمل تسميات مثل "درع الساحل" و"سرايا الجواد"، لم تأتِ من فراغ، ولا تعبّر عن غضب اجتماعي عابر، بل تكشف عن محاولة منظمة لإعادة إدخال بقايا النظام السابق إلى المشهد الأمني، مستفيدة من هشاشة المرحلة الانتقالية وتعقيدات البيئة الإقليمية.

العنف الذي رافق هذه التحركات، واستخدام السلاح الأبيض والناري، وسقوط قتلى وجرحى من المدنيين وقوى الأمن، يؤشر إلى أن الهدف لم يكن التعبير أو الضغط السياسي، بل اختبار قدرة الدولة على الضبط، وقياس هامش الفوضى الممكنة. الأخطر أن هذه التحركات تتقاطع زمنياً ووظيفياً مع جهد إقليمي تقوده إيران لإعادة تجميع فلول الفرقة الرابعة وأجهزة أمنية سابقة كانت تدور في فلكها. فالمعطيات المتداولة حول دور شخصيات عسكرية وأمنية معروفة، وحول احتفاظ الحرس الثوري بعدد من الضباط في معسكرات على الحدود العراقية، وفي مناطق لبنانية وسورية خارجة عن سيطرة الدولة، تعكس محاولة بناء قوة احتياطية مرنة، لا تُستخدم لإعادة نظام سقط، بل لتوفير أدوات ضغط ومشاغلة في لحظة إقليمية ضاغطة.

فطهران، التي تواجه تضييقاً أميركياً متزايداً في العراق، وضغوطاً على حلفائها في لبنان، واحتمالات تصعيد أوسع، تسعى إلى توسيع ساحات الاشتباك غير المباشر، وسوريا تبقى الساحة الأكثر هشاشة وقابلية للتوظيف. بهذا المعنى، يصبح الساحل السوري مساحة اختبار لإعادة تدوير الفوضى، ليس بهدف السيطرة، بل بهدف الإرباك. فلول النظام السابق لا يُنظر إليهم كقوة سياسية قادرة على الحكم، بل كأداة أمنية يمكن تحريكها لإشعال توترات، أو لزرع الشك بين الدولة وبيئاتها الاجتماعية، أو لإعادة إنتاج خطاب طائفي يستثمر في الخوف والذاكرة والقلق الوجودي. وهو ما يفسر التركيز على الطائفة العلوية، ومحاولات جرّها إلى مواجهة مفتوحة مع الدولة، بما يعيد إنتاج معادلات مدمّرة سبق أن اختبرتها سوريا ودفع الجميع ثمنها.

في المقابل، تستفيد إسرائيل من هذا المشهد دون أن تكون بالضرورة المحرّك المباشر لكل تفصيل فيه. فكل اهتزاز داخلي في سوريا، وكل تصاعد في النزعات المناطقية أو الطائفية، يعزز مقاربة إسرائيلية قديمة ترى في الدولة السورية الموحدة تهديداً طويل الأمد، وفي تفككها فرصة استراتيجية. خطاب "حماية الأقليات"، الذي عاد إلى الواجهة في تصريحات رسمية، ليس سوى أداة سياسية تُستخدم عند الحاجة، ويصبح أكثر فعالية حين تتآكل الثقة بين الدولة ومكوناتها، وحين تظهر قوى محلية مستعدة للبحث عن أي مظلة خارجية تضمن لها البقاء أو النفوذ.

القلق الحقيقي هنا أن بعض فلول النظام السابق، بما يملكونه من شبكات علاقات وملفات أمنية حساسة، باتوا مستعدين للذهاب بعيداً في هذا المسار، حتى لو قاد ذلك إلى فتح قنوات مع إسرائيل أو القبول بمشاريع انفصالية. هذا الانزلاق لا يعكس تحوّلاً سياسياً بقدر ما يعكس انهياراً كاملاً لفكرة الدولة لديهم، واستعداداً لاستخدام الجغرافيا السورية كورقة تفاوض أو مقايضة في صراعات إقليمية أكبر منهم.

في هذه النقطة تحديداً، تتقاطع المقاربتان الإيرانية والإسرائيلية، رغم التناقض بينهما. الأولى أضعفت الدولة السورية باسم حمايتها، عبر عسكرة المجتمع وبناء منظومات موازية، والثانية تستثمر في هذا الضعف لمنع إعادة بناء مركز سياسي قوي وقادر. والنتيجة ليست فيدرالية توافقية أو لامركزية منتجة، بل محاولات لخلق واقع تفككي قابل للاشتعال عند كل منعطف، تُفرغ فيه السيادة من مضمونها، وتُحوَّل فيه المناطق إلى أوراق ضغط متبادلة.

في مواجهة هذا المسار، تكتسب جهود الحكومة السورية الحالية بعداً يتجاوز الأمني المباشر. فمحاولات تفكيك خلايا الفلول، وقطع الطريق على تجنيد أبناء الطائفة العلوية، وفتح قنوات تواصل مع نخب دينية واجتماعية في الساحل، والعمل على تحييد القيادات العسكرية الموجودة في القواعد الروسية، والتنسيق مع الجانب اللبناني لضبط الحدود والمخيمات، كلها مؤشرات على إدراك أن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة منع الانزلاق إلى صراع أهلي جديد، تُستخدم فيه الطوائف وقوداً لمشاريع خارجية.

ما يجري في سوريا اليوم ليس شأناً سورياً صرفاً، بل اختباراً جديداً لمفهوم الأمن القومي العربي برمته. فتحويل سوريا إلى مجموعة ساحات متنازعة، أو أقاليم ضعيفة تبحث عن حماية الخارج، سيعيد فتح خرائط المنطقة على احتمالات لا يمكن ضبطها، وسيجعل من التفكك نموذجاً قابلاً للتكرار في بيئات عربية أخرى تعاني هشاشة سياسية أو انقسامات مجتمعية. هنا، يصبح العبث الإسرائيلي والإيراني خطراً واحداً، لا لأنه منسق، بل لأنه يلتقي عند النتيجة نفسها.

في المحصلة، لم يعد السؤال من ينتصر في سوريا، بل ما إذا كانت ستبقى دولة قابلة للحياة. وكل تساهل مع استخدام الفلول كأدوات، وكل تأخير في مواجهة هذا العبث المزدوج، يقرّب المنطقة خطوة إضافية من مرحلة لا يكون فيها التقسيم مجرد مشروع مطروح، بل واقعاً يصعب التراجع عنه.

(الثورة السورية)

يتم التصفح الآن