وجهات نظر

رَسائِلُ "القُرْصانِ الأَميركي"!

"على أَمْثالِ مادورو أَنْ يَعْلَموا أَنَّ ما حَدَثَ لَهُ قَدْ يَحْدُثُ لَهُمْ".. هَكَذا تَحَدَّثَ الرَّئيسُ الأَميرْكِيُّ دونالد تْرامْب مُتَوَعِّدًا وَمُنْذِرًا إِثْرَ اعْتِقالِ الرَّئيسِ الفِنِزْويلّيِ نيكولاس مادورو. هي رِسالَةٌ خَشِنَة، واضِحَةٌ وَمُباشِرَة، لِدُوَلِ أَميرْكا اللّاتينِيَّةِ كافَّة، كوبا وَكولومْبيا بِالذّات، أَنَّ مَصيرًا مُماثِلًا سَوْفَ يَلحَقُ بِكُلِّ مَنْ يُفَكِّرُ في تَحَدّي الإِرادَةِ الأَميرْكِيَّةِ في القارَّة.

رَسائِلُ

بَدَت عمليةُ اعْتِقالِ مادورو بِمَشاهِدِها وَرَسائِلِها أَقْرَبَ إِلى عَمَلِيَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ تِلْفِزْيونِيَّةٍ. داهَمَتْ 150 طائِرَةً العاصِمَةَ كاراكاس مَصْحوبَةً بِأَعْدادٍ كَبيرَةٍ مِنْ قُوّاتِ "دِلتا" القَصْرَ الرِّئاسِيّ، وَاعْتَقَلَتْ تَحْتَ جُنْحِ الظَّلامِ مادورو وَزَوْجَتَهُ في غُرْفَةِ نَوْمِهِما.

في الهُجومِ المُباغِتِ اسْتُخْدِمَتْ أَحْدَثُ التِّقْنِيّاتِ الحَديثَةِ لِلتَّشْويشِ على أَجْهِزَةِ الدِّفاعِ الجَوِّيّ. فُرِضَ الظَّلامُ التَّامُّ على العاصِمَةِ كُلِّها وَحُدِّدَ مَوْقِعُ مادورو بِمَعْلوماتٍ اسْتِخْباراتِيَّةٍ دَقيقَةٍ تَشي بِأَنَّ هُناكَ خِيانَةً ما حَدَثَت.

بَدا المَشْهَدُ بِتَفاصيلِهِ وَأَسْبابِه، كَأَنَّهُ مُقْتَطَعٌ مِنْ أَعْمالِ القَرْصَنَة، التي كانَتْ تَجْري في البِحارِ وَالمُحيطاتِ في الأَزْمانِ الغابِرَة.

كانَ ذَلِكَ انْتِهاكًا صارِخًا لِلقانونِ الدَّوْلِيّ.

الاستيلاء على الثروات الطبيعية جوهر الاستراتيجية "الترامبية"

في تَصْرِيحاتِهِ المُنْتَشِيَة، أَفْرَطَ تْرامْب في تَسْويغِ العَمَلِيَّةِ العَسْكَرِيَّةِ بِذَرائِعَ مُتَضارِبَة.

أَوَّلُها، تَزَعُّمُ مادورو لِشَبَكَةِ مُخَدِّراتٍ وَإِرْهابٍ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ في أَيِّ شَهادَةٍ دَوْلِيَّةٍ مَوْثوقَةٍ، هُوَ قَرَّرَ وَوَحْدَهُ نَفَّذ.

وَثانيها، اسْتِعادَةُ ما أَطْلَقَ عَلَيْهِ "حَقَّنا في البِتْرولِ المَسْروق"، كَأَنَّهُ مِنْ حَقِّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ بِلا سَنَدٍ قانونِيٍّ أَوْ أَخْلاقِيٍّ أَنْ تَسْتَوْلِيَ على أَيِّ آبارِ بِتْرولٍ لَدى دَوْلَةٍ أُخْرى، بِادِّعاءٍ أَنَّها تَمْلِكُ أَحَقِّيَّةَ التَّصَرُّفِ فيها.

كانَتْ تِلكَ قَرْصَنَةً سافِرَةً على ثَرْوَاتِ فِنِزْويلا الطَّبيعِيَّة.

تُعَدُّ احْتِياطِيّاتُها النَّفْطِيَّةُ الأولى عالَمِيًّا... وَتَحْتَلُّ المَرْكَزَ الرّابِعَ في مَخْزونِ الغاز، وَتَمْتَلِكُ ثَرْوَةً هائِلَةً مِنَ الذَّهَبِ وَالمَعادِنِ النَّفيسَة.

إِنَّها واحِدَةٌ مِنْ أَغْنى بُلدانِ العالَم، لَكِنَّها تُعاني بِقَسْوَةٍ تَحْتَ وَطْأَةِ الحِصارِ عَلَيْها.

في لَحْظَةِ أَسْرِ مادورو، نُقِلَتْ صُوَرُ الاعْتِقالِ إلى اجْتِماعٍ خاصٍّ في البَيْتِ الأَبْيَضِ ضَمَّ الرَّئيسَ وَوَزيرَيْ الحَرْبِ وَالخارِجِيَّة، كَأَنَّهُمْ هَيْئَةُ أَرْكانِ القَرْصَنَةِ الجُدُد.

"أَصْبَحْنا دَوْلَةً مُحْتَرَمَة".. كانَ ذَلِكَ تَصْريحًا مُتَفَلِّتًا مِنْ تْرامْب، وكَأَنَّ العَوْدَةَ إلى عُصورِ القَرْصَنَةِ على ثَرْواتِ الشُّعوبِ يُضْفي احْتِرامًا، أَوْ يَسْتَدْعِي أَيَّ تَقْدِير.

في ظُروفٍ أُخْرى، يُمْكِنُ أَنْ تَجْرِيَ قَرْصَنَةٌ مُماثِلَةٌ على نَفْطِ الشَّرْقِ الأَوْسَط، كُلِّهِ لا بَعْضِه.

هَذا سيناريُو لا يُمْكِنُ اسْتِبْعادُه.

الاسْتيلاءُ على الثَّرَواتِ الطَّبيعِيَّةِ لِلدُّوَلِ وَالشُّعوبِ الأُخْرى جَوْهَرُ الاسْتْراتيجِيَّةِ "التْرامْبِيَّة" لِلأَمْنِ القَوْميِّ الأَميرْكِيّ، التي أَعْلَنَ عَنْها قَبْلَ أَسابيع.

يَصْعُبُ أَيُّ حَديثٍ جادٍّ عَنْ أَيِّ تَصَوُّراتٍ اسْتراتيجِيَّةٍ لِرَجُلٍ تَحْكُمُهُ الصَّفَقاتُ لا الأَفْكار.

كُلُّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ مِنْ نَقيضٍ إلى آخَر.

تحت ضغط القرصنة "الترامبية" قد تنزلق القارة إلى حروب عصابات

أَعادَ تْرامْب في وَثيقَتِهِ المُعْلَنَةِ صِياغَةَ الدَّوْرِ الأَميرْكيِّ مِنْ "شُرْطِيِّ العالَم" إلى "سَيِّدِ النِّصْفِ الغَرْبِيِّ مِنَ الكُرَةِ الأَرْضِيَّة".

الأَوْلَوِيَّةُ لِلهَيْمَنَةِ شِبْهِ المُطْلَقَةِ على أَميرْكا اللّاتينِيَّةِ كَحَديقَةٍ خَلفِيَّةٍ يُمْنَعُ على أَيِّ أَحَدٍ المُنافَسَةُ عَلَيْها.

هَكَذا يُمْكِنُ النَّظَرُ إلى اعْتِقالِ مادورو على أَنَّهُ تَنْفيذٌ مَيْدانِيٌّ لِرُؤْيَةِ تْرامْب، التي تُخَوِّلُهُ الِاخْتِصاصَ المُطْلَقَ بِشُؤونِ القارَّة، كُلِّ شُؤونِها.

إِنَّها الهَيْمَنَةُ المُتَوَحِّشَة.

بِصِياغَةٍ أُخْرى، إِنَّها إِجْهاضٌ لِلتَّحَوُّلِ الدّيموقْراطِيّ، الوَئيدِ لَكِنْ المُؤَكَّد، مِنْ نُظُمٍ عَسْكَرِيَّةٍ مُوالِيَةٍ لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ إلى نُظُمٍ حَديثَةٍ تَحَرُّرِيَّةٍ تَمْتَلِكُ قَرارَها المُسْتَقِل.

في البِدايَة، أَلْهَمَتِ الثَّوْرَةُ الكوبِيَّةُ حَرْبَ العِصاباتِ الثَّوْرِيَّةِ وَبَدَتْ نَموذَجًا في لَحَظاتٍ أُخْرى لِلتَّطَوُّرِ التِّقْنِيِّ وَالعِلْمِيِّ وَالطِّبِّي، غَيْرَ أَنَّ التَّطَوُّراتِ التي لَحِقَتْها تَجاوَزَتْ فِعْلَ السِّلاحِ إلى طَلَبِ الدّيموقْراطِيَّةِ وَمازَجَتْها مَعَ العَدالَةِ الاجْتِماعِيَّةِ وَوَحْدَةِ القارَّةِ وَتَحَرُّرها.

كانَ الخُروجُ مِنَ التَّبَعِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ مِنْ أَكْثَرِ الأَفْكارِ هَيْمَنَةً لِعُقودٍ طَويلَةٍ على الفِكْرَيْنِ السِّياسيِّ وَالاقْتِصاديِّ اللّاتِينِيّ.

لَمْ تَكُنْ مُصادَفَةً أَنْ تَعودَ أَغْلَبُ إِسْهاماتِ "نَظَرِيّاتِ التَّبَعِيَّة"، التي سادَتِ الجامِعَاتِ الغَرْبِيَّةَ لِسَنَواتٍ طَويلَةٍ إلى اقْتِصادِيِّينَ لاتينيّين.

كانوا كَبُلدانِهِمْ وَأُدَبائِهِمْ مَسْكونينَ بِوَطْأَةِ الانْقِلاباتِ العَسْكَرِيَّة، التي تَرْعاها الاسْتِخْباراتُ الأَميرْكِيَّة، وَما تَرْتَكِبُهُ مِنْ مَجازِرَ دَمَوِيَّةٍ كالتي حَدَثَتْ في تْشيلي على يَدِ الجِنِرالِ أوغُسْتو بينوشيه (Augusto Pinochet) ضِدَّ أَنْصارِ الرَّئيسِ سَلفادور أَلْليِنْدي (Salvador Allende)، أَوْ بِالنَّهْبِ المُنَظَّمِ الَّذِي تَرْتَكِبُهُ الشَّرِكاتُ الدَّوْلِيَّةُ بِالتَّعاوُنِ مَعَ شَبَكَةِ فَسادٍ تَتَحَكَّمُ في مَقاليدِ السُّلطَة.

إِنَّهُ إِذَنْ التَّحَوُّلُ التَّدْريجِيُّ البَطيءُ الرّاسِخُ مِنْ حَرْبِ العِصاباتِ إلى الدَّوْلَةِ الدّيموقْراطِيَّةِ الحَديثَة.

حَرْبُ العِصاباتِ اسْتَدْعَتْها الأَنْظِمَةُ الفاشِيَّةُ وَالوَسائِلُ الدّيموقْراطِيَّةُ تَهَيَّأَتْ لَها ظُروفٌ اسْتَجَدَّتْ، مَكَّنَتِ اليَسارَ اللّاتِينِيَّ مِنَ الوُصولِ إلى السُّلطَةِ في دُوَلٍ عَديدَة.

تَحْتَ ضَغْطِ القَرْصَنَةِ "التْرامْبِيَّة" قَدْ تَنْزَلِقُ القارَّةُ إلى حُروبِ عِصاباتٍ جَديدَة.

بِمُقارَبَةٍ أُخْرى، يَصْعُبُ تَجاوُزُ إِرْثِ مادورو بِضَرْبَةٍ خَاطِفَة، أَوْ بِكَلامٍ مُراوِغٍ عَنْ مُحاكَمَةٍ عَادِلَةٍ أَمامَ مَحْكَمَةٍ فيدِرالِيَّةٍ في نيويورْك.

الاحْتِلالُ الأَجْنَبِيُّ لا يُمْكِنُ غَضُّ الطَّرَفِ عَنْه، أَوِ الِادِّعاءُ بِأَنَّ تْرامْب بِِوسْعِهِ أَنْ يُديرَ بَلَدًا شاسِعًا وَفْقَ مَطامِعِهِ وَأَمانيه.

مَنْ يَحْكُمُ فِنِزْوِيلا؟

البَديلُ الأَفْضَل، أَنْ تَقْبَلَ نائِبَةُ الرَّئيسِ ديلسي رودْرِيغيز (Delcy Rodríguez) المُهِمَّة، بِالنِّيابَةِ عَنِ المُحْتَلِّ الأَميرْكِيّ.

هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُسْتَحيلَةٌ تَمامًا. في أَوَّلِ خِطابٍ أَلقَتْهُ بَعْدَ اعْتِقالِ مادورو أَكَّدَتْ أَنَّه، وَلا أَحَدَ غَيْرَه، هُوَ الرَّئيس. دَعَتْ إلى مُقاوَمَةِ الِاحْتِلال. إِنَّها المَشْروعُ النَّقيضُ لِما يَطْلُبُهُ "تْرامْب".

إِذا تدخّل ترامب عسكريًا في فنزويلا فإنه دخول كامل إلى المستنقع الفنزويلي وإذا لم يفعل فإنها هزيمة استراتيجية

البَديلُ الآخَر، إِسْنادُ المُهِمَّةِ نَفْسِها لِفَتْرَةٍ انْتِقالِيَّةٍ إلى الحائِزَةِ على جائِزَةِ نوبِل لِلسَّلامِ مارِيا ماتْشادو (María Machado)، لَكِنَّها تُفَضِّلُ أَنْ يَتَوَلّاها أَبْرَزُ مُرَشَّحي المُعارَضَةِ في الانْتِخاباتِ الرِّئاسِيَّةِ الأَخيرَةِ إِدْمونْدو غونْزاليسْ (Edmundo González).

أَيُّ خِيارٍ انْتِقالِيٍّ سَوْفَ يُتَّهَمُ فَوْرًا بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ وَجْهٍ لِلاحْتِلالِ الأَميرْكيِّ وَنَزْحِ ثَرْواتِ فِنِزْوِيلا.

أَسْوَأُ ما قَدْ يَحْدُثُ أَنْ تَتَدَخَّلَ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ عَسْكَرِيًّا، لِمَرَّةٍ أُخْرى، كَما لَوَّحَ تْرامْب.

إِذا ما فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ دُخولٌ كامِلٌ إلى المُسْتَنْقَعِ الفِنِزْويلِّي.

وَإِذا لَمْ يَفْعَل فَإِنَّها هَزيمَةٌ اسْتْراتيجِيَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلقَراصِنَةِ الجُدُد.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن