بعد سقوط نظام بشار الأسد في دمشق، تواجه سوريا تحدياً هائلاً يتمثل في إعادة إعمار شاملة تشمل كل القطاعات التي دمرتها سنوات طويلة من الحرب المنهِكة. حجم الدمار الذي لحق بسوريا يُعد واحداً من أكبر الكوارث التي شهدها العالم في العصر الحديث، سواء على مستوى البنية التحتية أو الاقتصاد، أو حتى الإنسان.
وتشير التقديرات إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا تتراوح بين 120 و150 مليار دولار، مع بعض التقديرات الأكثر تشاؤماً التي تصل إلى 300 مليار دولار. هذه الأرقام تعكس الأضرار التي لحقت بالمباني والخدمات والمؤسسات العامة والبنى التحتية والقدرات الإنتاجية للاقتصاد السوري.
البنية التحتية وحدها تعرضت لأضرار جسيمة، حيث تشير تقارير إلى أن نحو 40% منها دُمّر بالكامل. وهذه الأضرار شملت قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والمياه والنقل.. وغيرها. والخسائر في هذه القطاعات قُدّرت بنحو 65 مليار دولار، ما يعني أن العودة إلى مستوى الخدمات الأساسي سيتطلب استثمارات ضخمة وخططاً مدروسة طويلة الأمد.
أما في قطاع التعليم، فقد تضررت أو تدمرت أكثر من 40% من المدارس، وتم استهداف العديد من الجامعات والبنى التعليمية، وهذا يعني أن الملايين من الأطفال فقدوا سنوات تعليمهم، ما يهدد مستقبل أجيال كاملة، وعليه فإن إعادة تأهيل هذا القطاع تتطلب تمويلاً يتجاوز بناءَ المدارس والبنى التحتية، ليمتد إلى تطوير المناهج، وتأهيل الكوادر التعليمية، وتوفير بيئة تعليمية شاملة وآمنة للطلاب.
الاقتصاد السوري أيضاً تكبّد خسائر فادحة، فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من ثلث قيمته في عام 2010، وارتفعت معدلات الفقر بشكل حاد لتصل إلى 90% من السكان، كما أن قطاعات رئيسة مثل الزراعة والصناعة والسياحة، والتي كانت تشكل العصب الاقتصادي للبلاد، دُمّرت بالكامل أو تضررت بشكل كبير. إن إعادة بناء الاقتصاد تتطلب إصلاحات جذرية، استثمارات محلية ودولية، وتحفيز القطاع الخاص على المشاركة.
ومن هنا، تبدو الحاجة مُلحة لاعتماد خطة شاملة لإعادة إعمار سوريا، تشبه "خطة مارشال" التي ساهمت في إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. هذه الخطة يجب أن تكون إقليمية ودولية في آنٍ واحد، وبمساهمات من دول المنطقة والمجتمع الدولي. وعلى دول الجوار أن تدرك أن استقرار سوريا ضرورة لاستقرار المنطقة ككل، بينما يمكن للمجتمع الدولي أن يقدم الدعم المالي والتقني لضمان نجاح هذه الجهود.
إعادة الإعمار لا يمكن أن تكون مادية فقط، فالإنسان السوري، الذي عانى من ويلات الحرب وواجه الفقر والتشريد وفقدان الأمان، يجب أن يكون محور هذه الجهود، حيث يمثل التأهيل النفسي والاجتماعي، وتقديم الدعم للفئات الأكثر ضعفاً، وخلق فرص العمل للشباب.. خطوات لا تقل أهمية عن بناء الجسور والمدارس والمستشفيات.
التحديات التي تواجه سوريا هائلة، لكن الأمل في إعادة البناء يبقى ممكناً إذا ما تضافرت الجهود المحلية والدولية بشكل جاد ومدروس. والمطلوب رؤيةٌ مشتركة للمستقبل، تضع مصلحة الشعب السوري في المقام الأول، وتعمل على تأسيس دولة مستقرة ومزدهرة تسهم في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
(الاتحاد الإماراتية)