صحافة

سوريا.. "الاقتصاد الحر" ورفع العقوبات

عدنان كريمة

المشاركة
سوريا..

عندما بدأت الثورة السورية في مارس 2011، رفعت شعار "الحرية"، وكانت هتافات المتظاهرين "سوريا بدها حرية"، وطيلة 13 سنة، دفع السوريون بمعظم فئاتهم دماء غالية، وتضحيات كبيرة من القتل والإعاقة، والتشرد والهجرة والموت غرقاً في البحار، بالإضافة الى معانات الفقر والبطالة، وكلها تمثّل خسارة للموارد البشرية، في قاموس الخسائر الاقتصادية والتنمية المستدامة، وفق مبادئ الأمم المتحدة.

ولكن مع سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر الماضي، حقق السوريون هدفهم، وبدأوا يتذوقون طعم "الحرية" من خلال "حرية" تداول النقد، وانتشار "الدولرة" على بسطات الصيرفة في قلب دمشق وأسواقها، بعدما كانت محظورة، ويعاقب من يتداولها بالسجن. وهكذا فإن "الدولرة السرية" التي كانت قائمة بحكم الأمر الواقع، ظهرت للعلن، ويتعامل بها السوريون بأريحية غير مسبوقة، ومتحررة من المخاوف الأمنية.

في هذا السياق، بدأت تتضح معالم الخطوط العريضة للسياسة الاقتصادية للعهد الجديد بشكل تدريجي، من خلال سلسلة خطوات تتعلق بالتجارة الداخلية والخارجية والجمارك وإلغاء العديد من الضرائب والرسوم، وكلها توحي الانتقال نحو "الاقتصاد الحر"، بما يتضمنه من الحد من دور الدولة، وإعادة هيكلة بعض مؤسساتها.

وقد أبلغت الحكومة الجديدة التجار ورجال الأعمال بأنها ستتبنى نموذج "السوق الحرة" القائم على المنافسة. وبذلك يتطلع السوريون إلى عودة سوريا التي كانت في خمسينيات القرن الماضي واحدة من الاقتصادات الصاعدة بقوة في الشرق الأوسط، قبل أن تنتكس على مدى أكثر من 60 عاماً. وتركز حكومة دمشق على تشجيع رأس المال الخاص المحلي والعربي والأجنبي، بإصدار تشريعات تتضمن تسهيلات وإعفاءات ضريبية، من شأنها دعم الاستثمارات الخاصة، وجذب رؤوس الأموال الخارجية، للاستثمار والمساهمة بإعادة الإعمار.

ولكن من الطبيعي أن يصطدم تحقيق هذا الهدف بتأثير العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على سوريا. وبما أن هذه العقوبات كانت تستهدف نظام الأسد، ومع زواله، تطالب الحكومة، وتدعمها العديد من الدول بإلغاء هذه العقوبات، لتتمكن سوريا الجديدة من تحقيق أهدافها والنهوض باقتصادها الوطني، والتكامل مع الاقتصاد العربي، والاندماج في الاقتصاد العالمي.

وعلى الرغم من ترحيب الإدارة الأميركية (السابقة والحالية) بسقوط النظام السوري واعتباره فرصة تاريخية للشعب السوري لبناء مستقبل أفضل، فإنها عبّرت عن قلقها من حالة عدم اليقين التي تمر بها سوريا. وهي تواجه معضلة في التعامل مع هذا الواقع، إذ إن "هيئة تحرير الشام" المصنّفة أميركياً وأوروبياً "كياناً إرهابياً"، تقود المرحلة الانتقالية، وفي الوقت نفسه لا تريد هذه الإدارة أن تفسح مجالاً لقوى إقليمية ودولية مناوئة لها، لملء الفراغ، أو أن تتحوّل سوريا إلى مصدر للفوضى وعدم الاستقرار.

ولذلك رأت البدء بتخفيف العقوبات من خلال مواصلة المساعدات الأميركية للحكومات الأجنبية، التي تدعم الحكومة الانتقالية، والتريث، بانتظار نتائج مؤتمر الحوار الوطني المرتقب انعقاده في دمشق نهاية فبراير المقبل. أما الاتحاد الأوروبي، فقد قرر مناقشة اقتراح تخفيف العقوبات على سوريا ودعمها بإنجاز المرحلة الانتقالية، في اجتماع يعقد على مستوى وزراء الخارجية الاثنين في بروكسل.

تبقى الإشارة إلى ضرورة الأخذ بالاعتبار في التطورات المرتقبة من مؤتمر الحوار الوطني، أنه لا توجد "ليبرالية اقتصادية" من دون "ليبرالية سياسية"، وهناك ترابط عضوي بين الحرية في السياسة، وبما يضمن استدامة اقتصاد السوق، الذي يعتمد على الثقة بالمناخ الاستثماري في البلد.

(الاتحاد الإماراتية)

يتم التصفح الآن