يصعب تحديد السمة العامة للوضع اللبناني الراهن. فهو إلى حد كبير وضع غير مسبوق البتة، بل هو وضع يحاول، عبثاً، أن يطرح نفسه، من خارج سياق الأشهر الجهنمية الماضية. كونه إلى حد كبير غير قادر بعد على الكلام بصراحة حول كل ما حصل. وكون كل كلام جدي حول ما حصل يستحيل أن يكون، في الداخل اللبناني الآن، "كلاماً هادئاً". وكون هذا الداخل في الوقت نفسه يخرج مرهقاً جداً من هذه الحرب، بحيث لا طاقة إجمالية فيه للصراع.
هذا إن كان بالمستطاع القول بأن لبنان خرج من هذه الحرب التدميرية بالفعل، أم أن الأساسي فيها قد تم، لكنها لم تضع أوزارها بعد، وما زالت الحرب تتواصل قنصاً وإغارة واغتيالا، وما فتئت إسرائيل تحتل جزءاً من تراب الجنوب، يبدو أنها متجهة لتمديد احتلالها لجزء ملحوظ من هذا الجزء.
لقد صُعِق بحرب تدميرية قاسية جدّاً لشهرين، هذا بعد عشرة أشهر من حرب الاستنزاف الجنوبية التي سميت حرب إسناد أو مشاغلة. صُعق بالحرب، في اللحظة نفسها التي قيل فيها إن التسخين الذي أعقب حادثة مجدل شمس ثم اغتيال فؤاد شكر وصولا إلى رد حزب الله على هذا الاغتيال قد وصل إلى الذروة وأخذ بعدها يتلاشى. كانت هذه مخادعة، وفي جزء منها هي مخادعة ذاتية.
بدأت بعدها حرب التدمير الكلية لحزب الله بالضربة القاصمة، تفجيرات البايجرز، أهوال الحرب التالية، والواقعة التراجيدية الكبرى المتمثلة باغتيال أمين عام الحزب السيد حسن نصر الله بما يعادل قنبلة دمار شامل هي حصيلة مجموع ما ألقي على مقره الحصين في الضاحية الجنوبية، ومن ثم اغتيال من كانت تتجه الأنظار لخلافته وهو قريبه هاشم صفي الدين، وكل التصفيات التي حدثت لقيادة فرقة الرضوان ومئات الكوادر وآلاف المقاتلين، والبطش الذي امتد لآلاف المواطنين، والتطهير الإثنو-ديني الذي انصب على المناطق ذات الكثافة الشيعية في البلد، كل هذا الشريط الجهنمي بات يفصل بيننا وبين الحدث الانعطافي بامتياز: تفجيرات البايجرز.
كل ما حدث بعدها، بما في ذلك انهيار النظام الأسدي، يرتبط في تسلسله الحدثي بها. تمكنت إسرائيل من خلال عملية تفجير شبكة مكونة من آلاف أجهزة الاتصال ومن يحملها من كوادر الحزب من طي صفحة إقليمية بكاملها. انهار النفوذ الإيراني بعدها إن في لبنان أو في سوريا. انقسمت المؤسسة الحاكمة الإيرانية نفسها بين من يرى جدوى في الاستماتة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من نفوذ في هذين البلدين وبين من يرى أن التأهب للدفاع عن إيران أو جعلها تتفادى مصير "حزب الله" وبشار الأسد أولى.
البلد غادر بموجب الحرب الأخيرة مرحلة التحكم الإيراني به. لكنه بات عملياً تحت وصاية أجنبية متنوعة انتقالية. في الوقت نفسه ينتظر من القوة الموالية لإيران، "حزب الله" أن تسهّل أمر تسليم البلد من النفوذ الإيراني إلى النفوذ الأمريكي أولاً. يرتبط ذلك بالتباس النقاط التي على أساسها جرى توقيع وقف إطلاق النار وقد وصلنا الآن إلى استحقاق تجديده، وفي ظروف ليس أقلها وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية مجدداً، وتأهب إدارته الجديدة للضغط في الشرق الأوسط من أجل "السلام بالعافية" – باللهجة المصرية – بين الدول العربية وإسرائيل.
هل ما زال في "حزب الله" رمق، قوة، قدرة، لقلب الطاولة على الجميع؟ أم أنه آخذ في إقناع نفسه بأن الأولوية الآن هي الدفاع عن وجوده بالحد الأدنى، داخل مربعه، وبشكل مكابر خطابياً، انطوائي فعلياً؟ هل يجري انتظاره عند أول بادرة تمرد له على الوضع الحالي لشن حملة إضافية ضده؟
لا يجد هذا السؤال مكانه اليوم مع أنه الأولى بأن يطرح بعد الحرب الأخيرة والشكل الذي علقت فيها الحرب بشكل ملتبس ومبتور. في المقابل، يستقطب مجهود التشكيل الحكومي الاهتمام، ومعه الحديث عن إمكانية تشكيل حكومة من دون الوقوف على "خاطر" الحزب، أو بالعكس، العمل على استيعابه. وموضوع تشكيل الحكومة الجديدة من بعد انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية ثم تكليف القاضي نواف سلام برئاسة الحكومة لا ينفصل في الأساس عن السؤال الأول: هل يمكن للحزب أن يقلب الطاولة على عصر ما بعد انهيار النفوذ الإيراني، أو عصر تحكمه هو، أم أنه يمكنه أن يتحول من حزب متحكم أول إلى جماعة من بين هذه الجماعات التي يتوزع بينها البلد؟
وبالتتابع: إن لم يحاول الحزب قلب الطاولة هل يمكن أن تتراجع عملية السعي لتفكيكه أو بالعكس تماماً أن تتسارع وتتعاظم؟ فكرة أنه لا يمكن إلغاء الحزب وأنه سيحتفظ بجزء من الواقع اللبناني لحسابه أيا كان الوضع والسياق لا تستند إلا على العادة. أننا تعودنا أن نرى الأمور هكذا. في الواقع الحزب يواجه بمعضلة: إن لم يحاول قلب الطاولة، سيظهر ضعفه أكثر، وإن حاول قلبها ليس بالمستطاع التقدير بوضوح ما الذي ينتظره، لكن لا يمكن استبعاد التصعيد ضده، بل ترجيح ذلك.
في النهاية، عصر النفوذ الإيراني على سوريا ولبنان بات من الماضي. وعصر ما بعد هذا النفوذ محكوم بكمية من اللاتوازن والهشاشة، دون أن يكون ذلك بابا لتجديد نفوذ إيراني قضى نحبه. يحصل ذلك في ظل لحظة سياسية أعطت جرعة كبيرة من التفاؤل مع خطاب قسم الرئيس الجديد، إنما في ظل نظام، دستور ما بعد الطائف الذي ما عاد للرئيس فيه صلاحيات تنفيذية كثيرة.
وفي ظل تفاؤل بوصول رئيس حكومة من خارج "المنظومة" كما تُسمى في لبنان، في وقت تركيبة البرلمان لم تتبدل، ولم يأت سلام بعد انتخابات جديدة شهدت فوزاً كاسحاً لقوى تطرح على نفسها مهام القطيعة مع نظام الأحوال السياسية المنصرمة. أما الحزب الخمينوي فيصر على أن مقاومته مستمرة، في وقت ينص فيه اتفاق وقف إطلاق النار على تفكيك وجوده العسكري بدءاً من جنوب الليطاني، وحتى لو اكتفينا بمنطقة جنوب الليطاني وحدها، فما الذي يسوّغ بقاء السلاح خارجها، غير قادر على التحرك باتجاه الجبهة؟
وهذا في ظل حصار مطبق على تمرير السلاح والمال للحزب، بما يطرح بشكل حسّاس ومقلق مشكلة صعوبة إعادة إعمار ما تهدم، سواء من ناحية الموارد، أو من ناحية الحاجة إلى استشراف طبيعة المرحلة، لأنه لا يمكن إعادة الإعمار في موسم، ثم إعادة الهدم في موسم آخر، وإلى ما لا نهاية. في لحظة كهذه، كل في الداخل اللبناني يغرف من رصيد لا يملك منه سوى الشيء الطفيف.
كل يحاكي الساحر. يحاول أن يضع المنديل في قبعته ليخرج منها الأرنب. لكن الساحر مات. النفوذ الإيراني ذهب. ما بعده لا يمكنه أن يظل يكابر على عمق الانقسام الحادث في البلد، ولا أن يظل يكابر على ذهاب النفوذ الإيراني. بين المكابرتين، يحتاج الوضع إلى وقت غير قليل ليأخذ معالمه بشكل أوضح.
(القدس العربي)