صحافة

"المشهد اليوم"... بعد يوم دامٍ جنوبًا تمديد وقف النار في لبنان برعاية أميركاترامب يقترح "تطهير" غزّة من الفلسطينيين وأهالي شمال القطاع يبدأون العودة اليوم

من تجمع الأهالي في بلدة كفر كلا الجنوبية خلف آلية عسكرية للجيش اللبناني في مواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلي (د.ب.أ)

شهد لبنان أمس يوماً دامياً أعاد سيناريو الحرب التي لم تضع بعد أوزارها مع استمرار العدو الاسرائيلي بخرق اتفاق وقف النار وعدم تنفيذ الشروط المنصوص عليها وأهمها الانسحاب من القرى والبلدات الحدودية في جنوب لبنان بعد انتهاء المهلة المحددة. 22 شهيداً كانت الحصيلة وعشرات الجرحى برصاص جيش الاحتلال الذي عمد الى فتح النيران على الأهالي العُزَل الذين رفضوا استمرار اسرائيل بإحتلال قراهم وبلداتهم وقرروا أن يبادروا بدخولها واستطاعوا بمواكبة من الجيش اللبناني، الذي أمن لهم الحماية اللازمة، من دخول عدد كبير من القرى التي كانت لا تزال تشهد على الوجود الاسرائيلي.

وفي وقت تسارعت حركة الاتصالات الدبلوماسيّة على عدة أصعدة من أجل منع تدهور الاوضاع جنوباً على وقع الدعوات الى ضبط النفس، أعلن البيت الأبيض، مساء أمس، تمديد اتفاق وقف إطلاق النار حتى 18 شباط/ فبراير المقبل، مرفقاً ذلك بـ"بدء لبنان وإسرائيل وأميركا مفاوضات بشأن عودة الأسرى اللبنانيين الذين أسرتهم إسرائيل بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023". وفي هذا المضمار، لفتت مصادر اعلامية في وقت سابق أن "حزب الله" كان يتفاوض مع حركة "حماس" من أجل أن يكون الاسرى اللبنانيين ضمن صفقات التبادل التي أقرها وقف النار في غزّة، دون أن ترشح أي معلومات إضافية. من جانبها، أعلنت حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، فجر اليوم، موافقتها على تمديد تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل حتى 18 فبراير/شباط بعد وساطة أميركية.

ومنذ دخوله حيّز التنفيذ، لم تلتزم اسرائيل ببنود الاتفاق المنصوص عليها بل عمدت الى خرقه بشكل يومي مع قيامها بجرف الطرقات وتفجير الابنية والاحياء السكنية وتفخيخ المنازل وحرقها، وقد تجاوز عدد خروقاتها الـ621 خرقاً ناهيك عن إعاثتها خراباً ودماراً ستكشفه الايام المقبلة مع تفقد الاهالي ممتلكاتهم كما سيعمد بعضهم الى البحث عن احبتهم الذين لا تزال جثامينهم تحت الركام. هذا وترافق المشهد مع تحذيرات متكررة للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي الذي نبه السكان من العودة إلى قراهم. وقال: "نطالبكم بالانتظار، ولا تسمحوا لـ"حزب الله" بالعودة واستغلالكم"، مرفقاً ذلك بخريطة لشريط من القرى والبلدات على امتداد الحدود بين البلدين.

التطورات اللبنانية على سخونتها لم تشتت الانتباه عما يحصل في غزّة، التي ايضاً شهدت على خرق اسرائيل لاتفاق وقف النار، بعد وضع رئيس الوزراء الاسرائيلي شروطاً جديدة للعرقلة. وقد أفضت الاتصالات العاجلة بين رعاة الاتفاق الى التوصل لتفاهم يقضي بتسليم المحتجزة أربيل يهود واثنين من الرهائن قبل يوم الجمعة، مقابل بدء الفلسطينيين بالعبور إلى شمال القطاع، وفق ما أعلن عنه المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري. يُذكر أن نتنياهو أصر على الافراج على الرهينة أربيل يهود (رغم تأكيدات "حماس" بأنها لا تزال على قيد الحياة وبصحة جيدة) قبل الموعد المحدد يوم السبت المقبل، في إطار الدفعة الثالثة من تبادل الاسرى وفق المنصوص عليه.

وغداة انتظار مضني في البرد والعراء، سيتمكن الغزاويون ابتداءً من صباح اليوم من عبور محور نتساريم والوصول الى منازلهم لتفقدها كما للبحث عمن لا يزال تحت الأنقاض والذين بحصيلة كلية يُقدر عددهم بـ11 ألف مفقود، تمكنت الفرق الاسعافية والصحية مند وقف النار الى انتشال العشرات منهم فيما لا يزال مصير كثر مجهولاً. ورغم كل هذه التضحيات والأشهر الطويلة من القتل والتطهير والابادة الجماعية، يستكمل الرئيس الاميركي دونالد ترامب سياسته المناصرة للعدوان الاسرائيلي، فبعد رفع الحظر عن شحنة قنابل بزنة ألفي رطل لإسرائيل سبق أن جمّد تسليمها الرئيس السابق جو بايدن، لفت طرحه أمس والذي تحدث بوضوح عن وجود خطة لـ"تطهير" غزّة، قائلاً "إنه يريد من مصر والأردن، استقبال الفلسطينيين من القطاع من أجل إحلال السلام في الشرق الأوسط".

وقال ترامب، الذي وصف غزّة بأنها "مكان مُدمَر" بعد الحرب الأخيرة بين إسرائيل و"حماس"، بأنه ناقش مع ملك الأردن عبد الله الثاني المسألة، ومن المقرر أن يبحثها أيضاً مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. هذا الطرح استدعى بيانات شجب وإدانة عبَرت عنها الخارجية المصرية التي أكدت رفضها ما وصفته "المساس بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف"، محذرة من أن المساس بتلك الحقوق "يهدّد الاستقرار، وينذر بمزيد من امتداد الصراع إلى المنطقة". الموقف عينه عبّر عنه وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، الذي قال: "السلام الذي تستحقه المنطقة والذي يضمن الاستقرار هو السلام الذي تقبله الشعوب، والذي يلبي تحديداً حق الشعب الفلسطيني في العيش بحرية وكرامة على ترابه الوطني الفلسطيني".

بدورهم، أدان الفلسطينيون هذه التصريحات التي اعتبروا انها تستكمل سياسة التطهير العرقي والتهجير القسري وتتماهى مع المخططات الاسرائيليّة، فيما سارع الناطقون بلسان التيار اليميني المتطرف الى تبني هذا الطرح والتشجيع عليه حيث صدرت مواقف على لسان اكثر من مسؤول مرحبة ومؤكدة أن مثل هذه الخطوات ستسهم في "جلب السلام والأمن".

تزامناً واصل جيش الاحتلال، لليوم السابع على التوالي، اعتداءاته على مدينة جنين ومخيمها ضمن حملته العسكرية الموسعة، حيث عمد الى تكثيف اقتحاماته ومداهماته لمناطق مختلفة في الضفة الغربية المحتلة، خصوصاً لمنازل الأسرى المحررين في صفقة غزة، لمنع عائلاتهم من الاحتفاء بتحريرهم. وبلغت حصيلة العدوان المستمرة، منذ الثلاثاء الماضي، 16 شهيداً وعشرات الجرحى والمعتقلين، بالإضافة إلى تدمير واسع في الممتلكات والمرافق العامة والخاصة والبنى التحتية ناهيك عن تهجير عدد كبير من الفلسطينيين من منازلهم وممتلكاتهم.

وفي سياق متصل، كشفت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية عن أنَ وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أبلغ نظيره الأميركي بيت هيغسيث، بأن تل أبيب قد تتحرك ضد إيران في "الأشهر المقبلة"، مشيراً إلى أن طهران ما زالت تمثل مع شركائها تهديداً للاستقرار الإقليمي والعالمي. فيما دعا القيادي في "الحرس الثوري" الجنرال رحيم صفوي، الى الجهوزية "لسيناريوهات مختلفة وعدم السماح لمؤامرات العدو بأن تفاجئنا".

ويبدو أن ايران التي تتخوف من تكثيف الضغوط عليها وبعد تراجع نفوذها في الشرق الاوسط بدأت بسلسلة خطوات من توقيع اتفاقيات استراتيجيّة في روسيا وصولاً إلى الزيارة اللافتة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الى العاصمة الأفغانية، كابل، حيث بحث مع رئيس الوزراء الأفغاني بالوكالة الملا محمد حسن آخوند ونظيره الأفغاني أمير خان متقي سبل وآلية توسيع العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الجانبين. يُشار الى أن آخر زيارة إلى أفغانستان على مستوى وزير الخارجية الإيراني، كانت تلك التي قام بها وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف في عام 2017.

الى ذلك، يشهد العراق حركة دبلوماسية نشطة في ظل مخاوف من عودة تنظيم "داعش" اثر التغيرات التي طرأت على المشهد السوري برمته، حيث في وقت متزامن زارها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وقائد قوات "التحالف الدولي ضد (داعش) في العراق وسوريا"، الجنرال كيفن ليهي، الذي يزور العراق للمرة الثانية خلال أقل من أسبوعين.

ما يجري على الساحة العربية عكسته عناوين ومقالات الصحف العربية الصادرة اليوم، حيث نرصد أبرز ما ورد:

علقت صحيفة "الغد" الأردنية على دعوة ترامب لتهجير أهل غزّة بالقول: "الاردن يفيض باللاجئين اساسا، ووصل الى مرحلة صعبة جدا، حيث ندرة الموارد، ومشاكل الموازنة المالية، والفقر والبطالة، وهو يدفع اصلا نحو عودة اللاجئين لا استقبال موجات جديدة"، محذرة من "أي محاولة من داخل قوى في الاردن، أو قوى اقليمية ودولية للعبث بشروط استدامة هذا النموذج السياسي والتي ستكون مكلفة على الكل بما يتجاوز الاردن ايضا، خصوصا، مع الازمات التي تحيط به من كل الجبهات في ظل توتر اقليمي لا يتوقف في فلسطين ولبنان وسورية والعراق وايران وصولا الى اليمن".

ودعت صحيفة "القدس العربي"، في السياق عينه، "الفلسطينيين من أن ينحّوا خلافاتهم ليتمكنوا من مواجهة التحديات الخطيرة بأقل الخسائر"، موضحة أن دعوة ترامب "لا تستهدف الشعب الفلسطيني فحسب، لكنها تشكل خطرا على المنطقة بأسرها، وعلى الدول العربية خاصة مصر والأردن إلى جانب السلطة الفلسطينية التي يجب أن تتبنى موقف ثابت وقوي والدعوة لاجتماع طارئ للجامعة العربية لبحث هذا التهديد الأمريكي".

وأشارت صحيفة "الرياض" السعودية إلى أن التطورات التي حدثت في الشرق الأوسط مؤخراً "ساهمت في تغيير جذري للمنطقة، فغياب قادة حزب الله وتراجع الدور الإيراني وفرار الأسد ساهم في انحسار أهم المخاطر التي كانت تهدد المنطقة، ولكن ذلك أيضا ولّد فراغا لا يمكن تعويضه بسهولة". وقالت: "إن السعودية وهي تستثمر مكانتها الدولية والإقليمية تسعى إلى أن تثبت للعالم أن الشرق الأوسط، وخاصة المنطقة العربية، قادرة على التحول إلى مسار عالمي مليء بالتحضر ولكن بشرط أساسي أن يتم إبعاد المنطقة من أن تكون نقطة للصراع الأيدلوجي أو مسرحاً لتقاطع المصالح".

هذا ورأت صحيفة "الوطن" البحرينية أنه "مرّ أسبوعان على وقف إطلاق النار في غزّة، بين الفصائل الفلسطينية والكيان المحتل، لكن هذا الهدوء النسبي لا يعني النهاية، ولا يعني انقضاء المعاناة أو انتهاء الدور المطلوب من الشعوب العربية والسياسات الرسمية"، مشددة على أن "وقف إطلاق النار يجب ألا يُنسينا 467 يوماً من القتل والإبادة التي ارتكبها الاحتلال بحق شعب أعزل، ولا ينبغي أن يكون مبرراً للتراجع عن موقف عربي حازم يرفض المساومة على الحقوق الفلسطينية".

بدورها، أكدت صحيفة "الشروق" المصرية أنه "تتواتر نذر النار في الضفة الغربية، كأنها استئناف للحرب على غزة وتصعيد بالوقت نفسه لمستوى المواجهات الوجودية، أن تكون أو ألا تكون القضية الفلسطينية". وتابعت:  "لم تكن مصادفة أن تكون جنين ومخيمها بالذات أول مواجهات النار. فجنين تمثل عقدة مستحكمة أمام آلة الحرب الإسرائيلية، التي لم تتمكن من إخضاعها رغم الحملات والمداهمات بكل أنواع الأسلحة والجرافات والطائرات".

الى ذلك، كتبت صحيفة "الخليج" الاماراتية تحت عنوان "لبنان وذرائع اسرائيل المرفوضة": "لا يستطيع لبنان الذي التزم بالاتفاق منذ اللحظة الأولى لتوقيعه القبول بالذرائع الإسرائيلية، ولا يمكن منع الأهالي من العودة إلى قراهم وتأكيد إصرارهم على التمسك بأرضهم"، مطالبة "الدول الضامنة لاتفاق وقف النار، أن تتحمل مسؤوليتها في ردع العدوان، وإجبار الجيش الإسرائيلي على الانسحاب فوراً من الأراضي اللبنانية التي يحتلها".

واعتبرت صحيفة "اللواء" اللبنانية أن "استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض مناطق الجنوب اللبناني، أظهر ان إسرائيل لا تحترم اتفاق وقف اطلاق النار، التي وافقت عليه برعاية اميركية، وانه يواجه برفض قاطع من ابناء الجنوب واللبنانيين كافة"، منبهة من "فتح الأبواب على مواجهات وعمليات مسلحة ضد هذا الاحتلال، واعادة عقارب الساعة إلى الوراء، في حين لم يصدر عن واشنطن، اي موقف واضح يضع حدا لهذا التلكؤ الإسرائيلي"، وفق قولها.

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن