خرائط أمريكية مبعثرة

ليست غزة وحدها التي يرغب ترامب في تحويلها إلى "ريفيرا" الشرق الأوسط بعد تهجير سكانها الفلسطينيين، بعدما استفاقت كثير من دول وشعوب العالم لتجد نفسها مجرد عقار في الخرائط الأمريكية المبعثرة على خلفية إعتقادها أنه بإمكانها تغيير واقع الأمم والشعوب بجرة قلم.

تتناقض نوايا الرئيس الأمريكي الذي انتخب بناء على وعود بالتركيز على الإصلاحات والقضايا الداخلية، والعمل على إطفاء الحروب وبؤر الصراع المتفجرة في العالم، مع ما يطلقه من تصريحات تبدو ارتجالية بمعظمها، وتحمل في مضمونها فتح جبهات جديدة، سواء في الداخل الأمريكي أو في الساحة الدولية.

وبعيداً عن السياسات التي ينتهجها في الداخل الأمريكي، التي باتت تواجه انتقادات حادة في معظم الولايات الأمريكية، فإن الحديث عن ضم كندا وجزيرة غرينلاند والسيطرة على قناة بنما، وفتح بوابة الحروب التجارية مع الصين وأوروبا ودول العالم الأخرى، والانسحاب من المؤسسات والمنظمات الدولية، مثل المناخ والصحة العالمية، وفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، كلها تشير إلى نوع من الغطرسة الاستعلائية المستندة إلى مفهوم الهيمنة والقوة، لتغيير النظام العالمي وفق شعار "أمريكا أولاً".

المقترح الذي عرضه ترامب أثناء استقباله نتنياهو في البيت الأبيض، مؤخراً، بشأن تهجير فلسطينيي قطاع غزة، ووجه باستهجان ورفض عربي ودولي قاطع من قبل الحلفاء والخصوم، على حد سواء، باستثناء المستوطنين واليمين الإسرائيلي المتطرف، ليس فقط لأنه يتناقض مع الشرعية الدولية وقراراتها، وإنما لأنه يمثل تطهيراً عرقياً.

إذ إن مقترح ترامب لا ينظر فقط إلى قطاع غزة كعقار مدمر ينبغي انتزاع ملكيته وتطويره ليصبح "ريفيرا" الشرق الأوسط، وإنما يتعامل باستخفاف مع تهجير أكثر من مليوني فلسطيني، تحت ذريعة إنسانية واهية، بعدما فشلت 15 شهراً من الحرب الإسرائيلية في تهجيرهم. كما أنه لم يقل من الذي دمر القطاع، وما إذا كان تدميره ناجماً عن زلزال طبيعي أو ربما طوفان بحري، أو يقدم حلاً سياسياً للصراع. لكن ما هو مؤكد أن مقترح ترامب ينم عن عدم علم بطبيعة الصراع وحقائق التاريخ والجغرافيا، كما يقفز فوق القوانين والشرائع الدولية.

من البديهي القول إنه لا يمكن اقتلاع شعب يفضل الموت في أرضه على الرحيل إلى المنافي البعيدة، لكن أيضاً لا يمكن عزل ما يحدث عن الحروب التجارية ونزعة الضم والتملك الاستعمارية وما تقود إليه من بعثرة خرائط النفوذ وإشعال الصراعات بدلاً من إخمادها.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن