ينتظر الفلسطينيون بقلقٍ ما سيصدر عن قمة القاهرة للوقوف في وجه مخطط تهجيرهم وتحويل غزّة الى "ريفييرا الشرق الأوسط"، بظل التكرار الأميركي للمواقف عينها والحماسة الاسرائيليّة لسرعة التنفيذ خاصة أن محادثات المرحلة الثانية لا تزال عالقة بعد "العرقلة" المُتعمدة وعدم إلتزام الجانب الإسرائيلي بالاتفاق المُبرم لوجود نوايا للعودة الى الحرب ووقف مفاعيل الهدنة الهشة كما مع تصاعد وتيرة التهجير في الضفة الغربية واستكمال العملية العسكرية الموسعة تطبيقاً للمخطط القاضي بضم الضفة الى اسرائيل بعد منح الرئيس الاميركي دونالد ترامب تل أبيب "الضوء الأخضر" للشروع بذلك.
فإسرائيل ذات المساحة الصغيرة، وفق تعبير ترامب، تريد أن تتمدد على حساب الدول الاخرى من خلال مواصلة توسعها في غزّة والضفة ولبنان وسوريا تحقيقاً لرؤية "اسرائيل الكبرى" وهو ما تطرحه الوقائع والتطورات بقوة منذ عملية "طوفان الاقصى" وما استتبعها من أحداث. وإذ تدرك الدول العربية أن مخططات ترامب - نتنياهو لن تقف عند حدود غزّة والضفة المحتلة، تسعى الى الموازنة بين طرح خطة متكاملة العناصر كرد على مقترح التهجير ولكن دون "صدام" مع الادارة الاميركية والحفاظ على العلاقات الاستراتيجيّة معها.
ومن هنا كانت الضغوطات والمحاولات الجادة للوسطاء للحفاظ على اتفاق وقف النار في غزّة ودفع "حماس" للعودة عن قرارها مقابل ضمانات بإدخال المساعدات الانسانيّة والاغاثيّة العاجلة للتخفيف من معاناة سكان القطاع المنكوب. وبعد نجاح المساعي التي ستتكلل بإطلاق سراح ثلاث رهائن إسرائيليين أحياء، غداً السبت، اصطفت، أمس، عشرات الشاحنات والمعدات الثقيلة، على الجانب المصري من معبر رفح الحدودي تمهيداً لدخولها إلى غزّة. وبينما تتجه الانظار الى ما ستؤول اليه الامور بعد عملية التبادل وفق الدفعة السادسة، تحدث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن إعطاء الدول العربية "فرصة للتوصل الى خطة أفضل بشأن غزّة"، مضيفاً أن "أي خطة تترك "حماس" ستسبب مشكلة لأن إسرائيل لن تتسامح مع ذلك". ولفت الى أنه سيزور المنطقة للاستماع إلى الإمارات والسعودية والشركاء العرب بشأن هذه الخطة.
وتتفاعل الخطة الاميركية الهادفة للسيطرة على القطاع عربياً ودولياً، خاصة مع تضارب تصريحات ترامب التي تراوحت بين "ملكية طويلة الأمد" الى "شراء" فـ"استيلاء" دون أن يكون هناك رؤية لكيفية تحقيق ذلك. ورغم تكرار المقترح والتبني الإسرائيلي له، كشف موقع "أكسيوس" الاميركي أن 143 نائباً ديمقراطياً وجهوا رسالة إلى ترامب طالبوه فيها بالتراجع عن تعليقاته بشأن سيطرة الولايات المتحدة على غزّة.
واستمراراً للشأن الفلسطيني المحتدم، يسعى تيار اليمين الإسرائيلي المتطرف للتمهيد لضم الضفة الغربية، حيث أقر "الكنيست" قراءة تمهيدية لمشروع قانون يهدف لحظر استعمال كلمة الضفة الغربية وإبدالها بالاسم العبري "يهودا والسامرة". هذا وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، وذلك رداً على قراره إصدار مذكرات اعتقال بحق كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت نهاية العام 2024.
لبنانياً، يتعمد الاحتلال خرق اتفاق الهدنة حيث شنّ سلسلة غارات على مجرى نهر الليطاني وبلدتي زبقين وياطر في الجنوب، فيما برّر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، ذلك بالقول إن الغارات استهدفت "مواقع عسكرية تابعة لـ"حزب الله" الارهابي احتوت على وسائل قتالية ومنصات صاروخية كانت تشكل تهديداً مباشراً على الجبهة الداخلية الاسرائيليّة". هذا وينشط لبنان الرسمي لتحقيق الانسحاب الكامل وفق المهلة المحددة في 18 شباط/ فبراير الجاري، في ظل وجود توجه للبقاء في 5 مواقع، كما بات معروفاً، وهي تلال استراتيجيّة كاشفة تمّكن تل أبيب من إحكام السيطرة بالكامل على القرى والبلدات المطلة عليها.
وقد سبقت هذه التحركات الزيارة المرتقبة للموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي بحسب المعلومات ستصل الى لبنان نهاية الأسبوع أو مطلع الأسبوع المقبل. في وقت أعلنت باريس أنها اقترحت أن ينتشر جنود من قوات "اليونيفيل"، بمن فيهم جنود فرنسيون، في مواقع لا تزال تحت السيطرة الاسرائيليّة، ما يتيح "انسحاب كامل ونهائي" بحسب ما جاء على لسان وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الذي أكد أن المقترح الفرنسي حظي بموافقة الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش.
وليلاً، شهد مطار رفيق الحريري الدولي بلبلة بعدما عمد المئات من مناصري "حزب الله" الى قطع الطرقات المؤدية اليه، احتجاجاً على عدم السماح لطائرة إيرانية تقلّ ركاباً لبنانيين بالهبوط في المطار وذلك بعد رواج معلومات تفيد بأن هذه الطائرة تحمل على متنها أموالاً لـ"حزب الله". وتزامن هذا الاجراء مع اتهامات اسرائيليّة باستغلال "فيلق القدس" و"حزب الله" على مدار الأسابيع الأخيرة المطار لتهريب أموال مُخصصة لتسليح الحزب من خلال رحلات مدنية.
التطورات الامنية تتزامن مع المساعي الحكومية للانتهاء من البيان الوزاري للحصول على نيل ثقة البرلمان وسط تحديات جسام يمرّ بها لبنان واستحقاقات مهمة يجب التعامل معها لاستعادة ثقة الدول العربية والاجنبية بعد سنوات من التعطيل. في المقابل، يحيي "تيار المستقبل" ورئيسه سعد الحريري الذكرى العشرين لاغتيال الشهيد رفيق الحريري وسط تغيرات اقليمية عصفت بالمنطقة ومن أهمها سقوط النظام السوري الذي وجهت اليه اصابع الاتهام بالاغتيال. واذ من المتوقع أن تواكب كلمة الحريري الابن المستجدات، ينتظر أن تشكل المناسبة إعادة "اختبار" لتمثيله وحيثيته في الشارع السني بعد سنوات من اعتكافه خارج البلاد.
وعلى المقلب السوري، تتسارع الخطوات الفرنسية تجاه سوريا الجديدة، حيث استضافت باريس أمس مؤتمراً لدعم سوريا بمشاركة عربية وأوروبية، وذلك بغية تمكين البلاد بعد سنوات من الحرب التي قضت على كل المقومات والقطاعات وسببت بأزمات جمة ترزح تحتها دمشق. وفي هذا الاطار كانت بارزة الاشارات الفرنسية التي تحدثت عن "العودة السريعة للأنشطة الدبلوماسية" مع سوريا، ما يعني إعادة فتح السفارة في دمشق لتكون باريس أول عاصمة غربية تقوم بذلك، كما إعلانها الاستعداد للوقوف الى جانب سوريا وبذل المزيد من الجهود لمحاربة الجماعات الإرهابية، وصولاً الى دعوتها لأهمية دمج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في الجيش الوطني السوري.
رسائل عديدة حملها المؤتمر الذي شدد على اعادة الإعمار وتوفير الاموال كما تسهيل عودة اللاجئين والنازحين وتشكيل حكومة تلبي تطلعات السوريين وأمالهم. يُذكر أن الادارة الجديدة عمدت الى اتخاذ خطوات لطمأنة الدول من خلال الاعلان الرسمي عن تشكيل حكومة جديدة مع بداية شهر آذار/مارس المقبل كما تسمية الهيئة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني، ومن أعضائها سيدتان، وذلك تلبية للمطالب بأن يتم تمثيل جميع الاطياف السورية واعطاء دور أكبر للمرأة والاقليات. والخطوة الفرنسية رافقها اعلان الحكومة البريطانية عن خطة "ستشمل تخفيف القيود المطبقة على قطاعات الطاقة والنقل والمال" مع الابقاء على "إجراءات تجميد الأصول وحظر السفر مفروضة على شخصيات النظام السابق".
وفي تطورات الحرب الأوكرانية، أعلن الرئيس ترامب أن اجتماعاً سيُعقد في السعودية الأسبوع المقبل ويضم مسؤولين أميركيين وروس كبار، كما ستكون أوكرانيا جزءاً منه، مبدياً رغبة شديدة في عودة روسيا إلى مجموعة السبع، ومعتبراً أن استبعادها كان "خطأ". وتتخوف الدول الاوروبية من مسار للمفاوضات يشمل واشنطن وموسكو ويكون على حساب كييف ومصالحها ووحدة أراضيها وذلك بعد سنوات من الحرب الشرسة، وهو ما صرح به الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي قال إن "سلاماً يكون بمثابة استسلام هو خبر سيئ للجميع".
ولم تخلُ اهتمامات الصحف العربية من المقترح الاميركي والداعي لتهجير الفلسطينيين، حيث تناولت في مقالاتها وعناوينها تداعيات ذلك. ونرصد أبرز ما ورد اليوم:
أشارت صحيفة "البيان" الاماراتية، في مقال، الى أن "قمة القاهرة المقبلة هي قمة 3 لاءات، لا للتهجير القسري للشعب الفلسطيني، لا لبيع أو نقل ملكية غزة لأي قوى أخرى كانت، ورفض أسلوب الانصياع للأوامر الأمريكية، التي تتصرف في البلاد والعباد كيفما تشاء". وأردفت: "لا أحد يريد معاداة الولايات المتحدة، ولا أحد يريد استبدال التعاون معها بقوى أخرى، لكننا كدول وشعوب ذات سيادة على مصائرنا وأراضينا نرفض العبث بمصائرنا وإرادة شعوبنا".
وبحسب صحيفة "عكاظ" السعودية، "فإنه قد تفاءل البعض بقدوم الرئيس ترامب ليكمل مسيرة السلام في المنطقة، ولكن ليس على حساب دول المنطقة"، لافتة الى أن "ما لا يدركه الرئيس الاميركي أن القضية الفلسطينية حقٌ تاريخيٌ ملكٌ للشعوب العربية كلها وأولهم الشعب الفلسطيني (…) ، ولا يمكن لرئيس أو زعيم أن يكون له القرار فيمن سيعيش في هذا المكان، ولا يمكن محو التاريخ من خلال بضع قرارات ارتجالية تخضع لأهواء رؤساء بعض الدول العظمى"، على حدّ تعبيرها.
وعبرت صحيفة "الأهرام" عن رأيها بالقول "قد يتوهم بعض الحاقدين الراغبين في الصيد في الماء العكر، لأغراض خبيثة خاصة بهم، أن الدولتين مصر والأردن أو إحداهما سوف تقدمان تنازلات، وهذا تصور خاطئ تماما"، معللة ذلك بوجود سببين بديهيين، أولهما أن "الأمن القومي لمن يتنازل سوف يصاب بخطر عظيم والثاني فهو أن طرد الفلسطينيين من أرضهم سيعني إنهاء قضية فلسطين من جذورها، وهي القضية التي دفع فيها أبناء الشعبين من أرواحهم ودمائهم الكثير عبر عشرات السنين".
ومن وجهة نظر صحيفة "القدس العربي"، فإنه "رغم الفوارق الهائلة، بين الوضعين الفلسطيني والأوكراني، بما في ذلك الموقف الغربيّ المؤيد لإسرائيل، فإن كلا "الصفقتين" تُخبران، أولا، عن شخصية ترامب، من حيث تقديره العالي للطغاة المتهمين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانيّة"، لافتة الى "أسلوب ترامب ونتنياهو في اختراق الخطوط الحمر السياسية، حين يتعلّق الأمر بالإبادة والتطهير العرقي والمهاجرين والأقليات".
هذا واعتبرت صحيفة "اللواء" اللبنانية أن "الرئيس ترامب بدا منذ عودته المظفرة إلى البيت الأبيض، أنه يستطيع أن يلعب "الصولد" للإدارة الأميركية العميقة. فقد صار مستقبله ورائه، وصارت الإدارة الأميركية العميقة أمامه"، مستنتجة أن "أميركا، كما تريدها الإدارة العميقة، وتعكسها تصاريح الرئيس ترامب، دون خجل أو وجل، هي أنها فقط: سيدة البحار، وسيدة اليابسة. فكل شيء يجب أن يدور في فلكها، وكل مال في العالم، يجب أن يمرّ بخزانتها، وأن تعود فائدته عليها".
بدورها، رأت صحيفة "الجريدة" الكويتية أن "تثبيت إسرائيل لنقاط مواقع في لبنان، وتشييد إنشاءات عسكرية في سورية، يشير بوضوح إلى النوايا الإسرائيلية في تكريس أمر واقع عسكري وجغرافي". واضافت: "عدم القدرة على حماية غزة هو الذي وسع المطامع الإسرائيلية، باتجاه لبنان وسورية، وبتهديد الأمن القومي الأردني والمصري، ومواجهة كل الطروحات العربية. ولا يبدو على الرغم من كل المعارضات أن هناك نية إسرائيلية أو أميركية في التراجع إلا في حال حصول استثناء على مستوى المواقف العربية بالتكامل مع قوى إقليمية ودولية أخرى".
(رصد "عروبة 22")