وجهات نظر

"منظومة" ترامب الجديدة

امتدّت سياسات دونالد ترامب منذ عودته مرة أخرى إلى البيت الأبيض لتشمل الداخل الأميركي والخارج على السّواء، فالرجل لم يقدّم فقط خطابًا لاذعًا وأداءً مختلفًا في الشكل والمضمون عن معظم نظرائه الأميركيين إنما بدأ سلسلة من الإجراءات التي مسَّت ما كان يُعتبر من ثوابِت السياسة الأميركية سواء بالنسبة لعلاقاتها بأوروبا أو بطريقة تعاملها مع الحرب الأوكرانية وأخيرًا مشروع تهجير الفلسطينيين من غزّة.

الحقيقة أنّ منظومة ترامب الداخلية تقوم على استبعاد أو على الأقلّ تقليص دور الخبراء وخرّيجي الجامعات الكبرى، فالرّجل لا يحب خرّيجي "هارفارد" ولا "ستانفورد" ولا جامعات النّخبة ولا يرتاح لكبار موظفي الإدارة العليا في كلّ المجالات، وليس بينه وبين أصحاب الشهادات العليا والتعليم الرّفيع "أيّ عمار" وبدأ في تسريح جانب منهم تحت مبرّرات مختلفة مستغلًّا تلك النظرة الشعبويّة التي تَصَوَّرْنا أنّها موجودة فقط في بلادنا العربية بتحريض أصحاب التعليم المتوسط والكفاءات المحدودة على النّخب الأكثر تعليمًا بحجج مختلفة منها أنّهم "شايفين حالهم" أو يمارسون الاستعلاء على خلق الله وهو الخطاب المعروف في الكثير من بلدان العالم بـ"المعادي للنّخبة".

منظومة ترامب في الداخل تتحدث عن "التفضيل الوطني" أو بالأحرى تفضيل الرجل الأميركي الأبيض على باقي الأعراق

إنّ ترامب لم يعادِ النّخبة لصالح الفراغ أو "لا نخبة" كما يدّعي البعض، إنّما جاء بنخبةٍ أيضًا، صحيح أنّها أقلّ تعليمًا وأكثر فجاجةً وأحيانًا وقاحةً في التعبير عن أفكارها، إلّا أنه لا يمكن وصفهم بأنهم ليسوا نخبة أو لم يصبحوا نخبة تنطبق عليهم سماتها، فيما عدا محدوديّة تعليمهم.

منظومة ترامب في الداخل تتبنّى شعار "أميركا أوّلًا" وتتحدث عن "التفضيل الوطني" أو بالأحرى تفضيل الرجل الأميركي الأبيض على باقي الأعراق، صحيح أنّ ما يعلنه ترامب وإدارته هو تفضيل الأميركي على المهاجرين الأجانب وقام بالفعل بطرْد عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين من أميركا، وعزّز الإجراءات الأمنية على الحدود مع المكسيك لمنع تدفّق المهاجرين، إلّا أنّ هذا لا يمنع وجود نظرة كامنة تفضّل الأميركي الأبيض على نظيره من أصول أفريقية أو مكسيكية.

كما ترجم ترامب شعاره بأنه يعترف فقط بالذّكر والأنثى، ودخل في سجالٍ مع حاكمة ولاية "مين" الأميركية بسبب قبولها لاعبين ذكورًا متحوّلين جنسيًا في فريق النساء وهدّدها بأنّها لن تحصل على أموال فيدرالية.

ترامب مع الأقوى وهو يرى أنّ روسيا أقوى من أوكرانيا وقد وضع بالنسبة لغزّة "منظومة بيزنس" لحلّ الصراع

ملامح منظومة ترامب في الداخل تتبلور كلّ يوم في تسريح آلاف الموظفين الفيدراليين وبظهور شخصيات، مثل إيلون ماسك، يتولّون تطوير المؤسّسات الحكومية بأفكار وممارسات فيها الكثير من العشوائية وعدم الانسجام.

أمّا توجهاته الخارجية فقد تمثّلت في دعم أقصى اليمين في أي مكان في العالم وكانت ورقة "ماسك" حاضرةً في بلدان كثيرة من بريطانيا حتى ألمانيا، وشارك في العديد من الفاعليات لدعم مرشّحي أقصى اليمين.

وقدّم ترامب مقاربة جديدة في التعامل مع غزّة وأوكرانيا، وقدّم حلولًا مختلفة جذريًّا عمّا طرحته أميركا وأوروبا طوال الأعوام الثلاثة الماضية بخصوص الحرب في أوكرانيا.

حين وضع ترامب منظومته الجديدة حول أوكرانيا كانت تنطلق من توازنات القوّة كما يفعل بالنسبة لإسرائيل، فالرّجل دائما مع الأقوى وهو يرى أنّ روسيا أقوى من أوكرانيا وأنّ الأخيرة عاجزة عن استعادة الأراضي التي سيطرت عليها روسيا، واعتبر أنّ هذه الحرب تعني خسارة أموال من دون فائدة أو نصر.

أمّا بالنسبة لغزّة فقد وضع ترامب "منظومة بيزنس" لحلّ الصراع كسرت الصورة التقليدية لتعامل الزعماء الأميركيين مع القضية الفلسطينية الذين اعتادوا أن يعطوا دولة الاحتلال الحصانة لترتكب ما تشاء من جرائم من دون حساب، أو يكرّرون على سبيل إبراء الذمّة جُمَلًا من نوع: " حق الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة" من دون أن يضغطوا على إسرائيل للقبول بها، لكن أن يكون الحلّ في تهجير ما تبقى من شعب سبق تهجير جانب منه فتلك كارثة كبرى.

هناك حضور لمنظومة ترامب ليس فقط في غزّة إنما في أي مكان يعاني أحد أطرافه من ضعف

منظومة ترامب تستهدف عادةً الطرف الأضعف (المهاجرين في الداخل والفلسطينيين في الخارج)، ولذا سنجده تفاعل مع غزّة كما أوكرانيا وأسّس منظومته على نقاط الضعف الموجودة داخل كل سياق، ففي غزّة كانت هناك مواقف أوروبية "مائعة" وعربية ضعيفة، وحلّ الدولتين الذي طرحه الجميع غربًا وشرقًا كأساس للتسوية السلمية وقرارات الشرعية الدولية انتهكته إسرائيل منذ اتفاق أوسلو في 1993 بالاستيطان وبحصار الضفّة وغزّة وإضعاف السلطة الفلسطينية ودعم الانقسام بين "فتح" و"حماس". ومع عجز الأمم المتحدة عن فرض أيّ تسوية سلمية على إسرائيل، وعدم قدرة تحرّكات الملايين في مختلف دول العالم ومعها دولة مثل جنوب أفريقيا على وقف جرائم الإبادة الجماعية الإسرائيلية، ومع انكسار قدرات فصائل المقاومة المسلّحة في غزّة، كلّ ذلك جعل هناك حضورًا لمنظومة ترامب ليس فقط في غزّة إنما في أي مكان يعاني أحد أطرافه من ضعف.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن