صحافة

أصداء أوروبية للتوجهات "الترامبية"

محمد السعيد إدريس

المشاركة
أصداء أوروبية للتوجهات

قبل إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة في الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، كانت المنافسة على أشدها بين كامالا هاريس نائبة الرئيس جو بايدن مرشحة الحزب الديمقراطي وبين دونالد ترامب باعتباره الرئيس الأمريكي السابق في ذلك الوقت، وكانت استطلاعات الرأي تتحدث عن تفوق، ولو محدود لكمالا هاريس على ترامب. وقتها كان الحديث عن احتمالات مؤكدة لفوز ترامب ضرباً من الخيال، أما أن يفوز ترامب وأن يتحول إلى "ظاهرة سياسية" وإلى "تيار سياسي" يحكم الولايات المتحدة ويتجاوز حدودها إلى القارة الأوروبية باعتبارها أهم الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة فكان هذا هو "الخيال" بعينه.

وبعد إعلان فوز ترامب وصفت مجلة "نيوزويك" الأمريكية ذلك بأنه "أعظم عودة في تاريخ السياسة الأمريكية" باعتبار أنه لم يتم انتخاب رئيس أمريكي لفترتين غير متتاليتين منذ فوز "جروفر كليفلاند" عام 1892، وفسرت هذا الفوز بأن ترامب حقق هذا الإنجاز "ليس من خلال استراتيجية حشد قاعدته الانتخابية فقط، بل وأيضاً من خلال توسيع الخريطة الانتخابية للحزب الجمهوري وإدخال شرائح اجتماعية جديدة إلى دائرة دعم إعادة انتخابه".

المعنى المباشر لهذا التفسير أن الولايات المتحدة تشهد تحولات اجتماعية مهمة تضم شرائح تتسع يوماً بعد يوم في الاتجاه المعاكس للتيار الليبرالي الذي يحكم الحزب الديمقراطي المنافس. هذه الشرائح الاجتماعية "أكثر يمينية" في تفضيلاتها السياسية والاجتماعية والثقافية، الأمر الذي حفز أنصار ترامب إلى وصف ذلك التيار الداعم لتياره بأنه صدى لـ"الترامبية السياسية" وتعني مجموعة أفكار التحول السياسي والاجتماعي التي تتسع يوماً بعد يوم ويتحدث عنها ترامب، وأجملها في شعار "فلنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" تحت ظل دعوة "أمريكا أولاً" بما تتضمنه من ميول "انكماشية" في السياسة الخارجية، والحد من الإنفاق الأمريكي الخارجي على أدوار سياسية أمريكية.

وزير خارجية ترامب "ماركو روبيو" عبّر بشكل غير مسبوق عن هذا التوجه في جلسة استماع بمجلس الشيوخ في شهر يناير الماضي بقوله: "النظام العالمي، لما بعد الحرب العالمية الثانية، ليس مجرد نظام عفا عليه الزمن، بل إنه الآن سلاح يستخدم ضدنا"، ثم أعلن في الأسبوع الماضي أن الولايات المتحدة "لن تحضر قمة العشرين المقبلة في جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا"، موضحاً أن "وظيفتي هي تعزيز المصالح الوطنية الأمريكية، وليس إهدار أموال دافعي الضرائب أو تدليل معاداة أمريكا".

لم يستثن الحليف الأوروبي، حيث هاجم جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي أوروبا في كلمته أمام مؤتمر ميونيخ للأمن يوم الجمعة الماضي، عندما قال إن "التهديد الذي يقلقني أكثر من أي شيء آخر، فيما يتصل بأوروبا، ليس روسيا والصين ولا أي طرف خارجي آخر، ما يقلقني هو التهديد من الداخل، تراجع أوروبا عن بعض قيمها الأساسية". وتابع:"أخشى أن حرية التعبير في بريطانيا وفي مختلف أنحاء أوروبا تتراجع"، الأمر الذي استدعى قادة الاتحاد الأوروبي للاستفسار في مواجهة هذا التوجه الأمريكي خاصة مع التحرك الأمريكي المنفرد لحل الأزمة الأوكرانية مع روسيا دون إشراك الاتحاد الأوروبي.

الاجتماع الطارئ الذي عقده قادة أوروبا يوم الجمعة الفائت في باريس لتشكيل "جبهة موحدة" بعد ما أثار حوار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بشأن أوكرانيا استياءهم، وخاصة بعد ما أشار المبعوث الأمريكي الخاص لأوكرانيا كيث كيلوج إلى أن "واشنطن لا تريد الأوروبيين على طاولة المفاوضات"، وقبل هذا الاجتماع كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد حض الأوروبيين على الاستعداد للرد على أي رسوم جمركية قد يفرضها ترامب.

على العكس من هذا الاستنفار الأوروبي ضد السياسة الأمريكية "الترامبية" هناك من الأوروبيين من هم سعداء بكل ما يقوم به ترامب ويعتبرونه "يعبر عنهم ويتحدث باسمهم"، وبخاصة زعماء وتيارات اليمين الأوروبي المتطرف الزاحفون في أكثر من دولة أوروبية نحو تسلم السلطة. فقد اجتمع عدد كبير من قادة هذا التيار اليميني الأوروبي المتطرف في العاصمة الإسبانية مدريد يوم السبت (8-2-2025) فيما يشبه "مسيرة معززة لعصر ترامب الجديد". حضرت من "التجمع الوطني" اليميني المتطرف في فرنسا زعيمته مارين لوبان، وحضر الشعبوي الهولندي غيرت فيلدرز، وحضر زعيم حزب "الرابطة" الإيطالي ماثيو سالفيني وغيرهم، وأوضح الجميع أنهم "يشاركون ترامب ضد ما يعتبرونه (اليقظة) و(نظرية النوع الاجتماعي) و(البيئة المفرطة)".

عقد هذا الاجتماع تحت شعار "اجعل أوروبا عظيمة مرة أخرى" في صدى مباشر لشعار "الترامبية الأمريكية". وقال رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لحلفائه من على منصة هذا الاجتماع "لقد غيّر إعصار ترامب العالم في غضون أسبوعين فقط". تقارب أحزاب اليمين الأوروبي مع ترامب وإدارته وسياساته يلقى دعماً أمريكياً كبيراً عبّر عنه إيلون ماسك رجل ترامب في معركته "الترامبية" في مساندة لحزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني عندما خاطب تجمعاً ضم الآلاف من مناصريه بقوله، إن حزبهم "هو أفضل أمل لمستقبل ألمانيا". لم يكتف ماسك بذلك بل أوصى الألمان بالتصويت في الانتخابات الألمانية التشريعية التي جرت الأحد الماضي لحزب "البديل من أجل ألمانيا".

هذا الانقسام الأوروبي على ترامب وإدارته وتوجهاته السياسية يعد "الجديد" في السياسة الدولية الراهنة، وبه سيتحدد المستقبل الأوروبي.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن