خلال أربع سنوات سيكون على العالم أن يعيش على أعصابه، لن يترك دونالد ترامب البيت الأبيض الا بعد أن يكون أحدث تغييراً هائلاً في الكرة الأرضية قد يكون أكبر مما أحدثته الحربان العالميتان والحروب الباردة والساخنة، العالمية والإقليمية والداخلية. لا يمكن التنبؤ بصورة الكرة الأرضية بعد أربع سنوات، والحديث هنا عن الكرة الأرضية لأن ترامب لا يريد فقط تغيير الخرائط السياسية والتحالفات والتجارة والإقتصاد، بل أيضاً البيئة والجغرافيا وبواطن الأرض والمحيطات والبحار.
أربع سنوات، قد لا تبدو فترة رئاسية طويلة وهي ربما تكون الأقصر في دول العالم، لكنها مع ترامب ستكون طويلة جداً، فالرجل يتخذ قراراته بالجملة وبسرعة مذهلة ومفاجئة. معه مدة الحكم لا تقاس بالزمن بل بالأفعال والقرارات، وعلى العالم التكيف، ولو إلى حين، إذ لا يزال من المبكر الحكم على نجاح تجربة ترامب في ولايته الثانية أو فشلها وإمكان استمرارها.
يهتز العالم على وقع مفاجآت ترامب المتتالية، خطابه المطول عن حال الاتحاد أكد عزمه على تنفيذ كل ما وعد به خلال حملته الانتخابية وخطاباته ومؤتمراته الصحافية اللاحقة. يحطم ترامب، قبل أن يحطم العالم، صورة أميركا نفسها. يغيرها بعمق ويضرب ثقافتها. يجعل من الرئيس السابق جو بايدن نموذجاً لأميركا التي لا يريدها، ينتقده بقسوة وينعته بأقذع الأوصاف.
بالتأكيد هو لا يتقصد تحطيم مستقبل منافسه السابق، فالرجل عجوز على عتبة الزهايمر إن لم يكن أصبح داخلها، لا حول له ولا موقع في السياسة ولا في الحزب الديموقراطي. إنه يحطم صورة أميركا التقليدية التي كرسها الحزبان الكبيران الجمهوري والديموقراطي بالتناوب وتقريباً بالطريقة نفسها. أميركا التي لا يريد ترامب أن تشبه أحداً غيره.
قبل أن يغير ترامب العالم، يغير أميركا. أميركا التي لا يريدها نموذجاً لأحد، لا في ديموقراطيتها ولا في قيمها، يريد لتاريخها أن يكتب مجدداً معه. تاريخ أميركا ما قبل ترامب وتاريخ أميركا ما بعد ترامب. أميركا التي قدمها في خطاب حال الاتحاد هي "أميركا العظيمة" التي لا تشبه أميركا الديموقراطيين، ولا أميركا الجمهوريين التقليديين.
لا يريد ترامب شراكات مع أحد في العالم ولا صداقات تكلف مالاً، هكذا يصرح، لكنه لا يقول الحقيقة، فأموال المكلف الاميركي تذهب بسخاء إلى إسرائيل على شكل صواريخ وقذائف مدمرة لتعويض النقص الحاصل في مخازن الجيش الإسرائيلي نتيجة حروب السنة وبضعة أشهر الماضية. الحقيقة أنه يرسخ الموقع الإمبريالي لأميركا، فلا يتورع عن إبداء الطمع بمعادن أوكرانيا وبثروات غرينلاند وبطقس غزة المشمس وشاطئها الرملي. يتخلى ترامب عن حلفاء أميركا التاريخيين في أوروبا (وأميركا) ويحولهم إلى أعداء تقريباً. لا يريد مهاجرين ولا تقديم مساعدات لأحد في العالم، في نظرته الاستعلائية، من يحصلون على المساعدات من مال الأميركيين هم إما "نصابون" وإما "شحاذون"، هو لم يقلها مباشرة لكنه قال ما يشي بها.
وفي كل ذلك يتجاهل ترامب أن لبلاده مصالح مع كل دول العالم وأن منتجاتها تغزو كل الأسواق وشركاتها تتمدد في كل شرايين الإقتصاد العالمي وتشرب من دمه. إعادة العظمة إلى أميركا كلمة السر المخادعة في خطاب ترامب. إنه يوهم الأميركيين بأن بلادهم تعاني من الإنحطاط والتخلف والفقر كأنها أصبحت من دول العالم الثالث أو الرابع وأن الله اصطفاه ليعيد مجدها، وهذا مناف للحقيقة تماماً، فأميركا تتقدم دول العالم في الإقتصاد والسياسة والعسكر والفضاء والتكنولوجيا...وهي القطب الأوحد تقريباً.
الرجل الذي يضع نفسه في مصاف الرسل ويجدد اعتبار نفسه مخلصاً إلهياً لأميركا، وضمناً للعالم، لم يقل في خطابه إنه يحتقر العالم كله، لكنه قال ما يعني ذلك، عندما أعلن أنه سيستعيد قناة بنما وسيستملك جزيرة غرينلاد، وسيوقف حرب أوكرانيا وفق رؤيته وحده وسيستملك غزة ويطرد أهلها رافضاً الحل العربي لمشكلة القطاع المدمر، وسيفرض تعريفات جمركية على كل شركاء أميركا التجاريين وسيهبط على المريخ وعلى غير المريخ... وسيؤدب كل المتمردين في العالم على قراراته الرؤيوية لعالم تحكمه الولايات المتحدة بمفردها.
(النهار اللبنانية)