قمة فلسطين وبدائل التهجير

ما حدث الثلاثاء الماضي في قمة فلسطين التي عقدت بالعاصمة الإدارية بالقاهرة. من الحضور العربي لـ 14 ملكا ورئيسا، وممثلي 8 دول عربية على مستوى ولي العهد ورئيس حكومة ووزير خارجية مع مشاركة دولية ممثلة في الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش وأوروبية ممثلة في رئيس المجلس الأوروبى أنطونيو كوستا ورئيس الاتحاد الإفريقي والأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي، كل هؤلاء لبوا دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسي، لهذه القمة العربية الطارئة من أجل فلسطين.

لا يحتاج هذا المشهد الكبير والتفاعل العالمي سوى رسائل التقدير والتميز في التنظيم والإدارة وصولا للعنوان الشامل "قمة فلسطين" كانت قمة تاريخية بامتياز تضاف لسجل مصر الناصع في دعم فلسطين منذ أول قمة طارئة في 1946 بعد عام واحد من تأسيس الجامعة العربية، وكانت أيضا دعما لفلسطين واعتبارها قضية العرب، ومنذ هذا اليوم تحتل فلسطين الترتيب الأول، باعتبارها أم القضايا التي استمرت لمدة 80 عاما دون حل.

وإن كانت قمة فلسطين الأخيرة في غاية الأهمية وماصدر عنها من بيان تاريخي وموافقة عربية بالإجماع على الخطة المصرية لإعادة إعمار غزة دون تهجير الفلسطينيين وهي الخطة البديلة للمخطط الأمريكي ـــ الإسرائيلي الذي يستهدف تهجير أهل غزة، لتنفيد خطة ترامب، لكن الموقف العربي ومعه الموقف الدولي والأوروبي الداعم للخطة ربما تكون قابلة للتنفيذ من الولايات المتحدة التي تسلمت نسخة من الخطة المصرية الشاملة.

وأهمية قمة فلسطين أنها أحدثت هذا الاصطفاف العربي والدولي من أجل البدء في تنفيذ عملية إعادة الإعمار والتعافي المبكر، لم تتردد مصر وأجرت الاتصالات مع كل الأطراف للوصول لهذا الإجماع العربي والدعم الدولي، لمنع فرض الخطة الأمريكية التي ستكون لها تداعيات على الأمن القومي العربي بكامله في حالة تمسك واشنطن بخطتها الفوضوية التي لاتخدم سوى الجانب الإسرائيلي، وستؤدي إلى انفجار وامتداد الحرب لدول أخرى بالإقليم وهذا ما حذر منه الرئيس السيسي، مرارا، بأن التهجير مرفوض نهائيا، والسؤال هنا في ظل التكاليف المتوقعة التي تقدر مبدئيا بنحو 53 مليار دولار: من الذي سيتحمل كل هذه الأموال؟

وهنا يأتي مجددا الدور المصري، الذي يعرف كيف يتحرك وواقعية التنفيذ على الأرض، فكانت الدعوة المصرية لعقد مؤتمر دولي في أبريل المقبل بالقاهرة لإعادة إعمار غزة بمشاركة كل الأطراف الدولية ومؤسسات التمويل والأمم المتحدة لإطلاق المسار نحو الحزم التمويلية المطلوبة للبدء في مراحل التعافي المبكر، وإن كان يتطلب ذلك عدم العودة للحرب مرة أخرى، والتي تعني في حالة حدوثها توقف عمليات الإغاثة الانسانية وحتى الحديث عن إعادة الإعمار، وأظهرت قمة فلسطين لكل العالم خاصة الولايات المتحدة وأوروبا، قوة الموقف العربي الرافض للتهجير والداعم للإعمار، وأسقطت القمة الأقنعة عن التحليلات الأمريكية حول أن إعادة الأعمار سوف تستغرق 15 عاما، إلا أن الخطة المصرية تتحدث عن 5 سنوات فقط وتعود غزة أفضل مما كانت عليه قبل 7 أكتوبر 2023.

ومن الأهمية التذكير بأن المسؤولية تقع على الاحتلال الذي دمر قطاع غزة وأباد الشعب الفلسطيني، وتقع كذلك على الشريك الأمريكي الذي يقدم الدعم العسكري والسياسي بلا حدود للجانب الإسرائيلي لتنفيذ مخططاته الآثمة على الرغم من كل الضغوط والابتزازات التي تمارس على الدولة المصرية، فإنها تتعامل بمنتهى الحكمة والصبر، لتحقق هدفها وهو الحفاظ على القضية الفلسطينية وإفشال مخطط إقامة إسرائيل الكبرى، وعدم منح أي طرف ذريعة لعودة العدوان من جديد على قطاع غزة.

واليوم بدأت الأصوات العاقلة من الفصائل الفلسطينية تضع مصالح الشعب والوطن فوق مصالح هذه الفصائل، والتجاوب مع المطالب المصرية والعربية نحو توحيد السلاح الشرعي وتولي إدارة القطاع لأشخاص مستقلين بعيدا عن أي فصيل، وهذه المسألة في غاية الأهمية لإعطاء المصداقية للخطة العربية، وحتى تستقبلها دول العالم بالإيجاب لأن هناك رفضا دوليا وأمريكيا وإسرائيليا لبقاء حماس في إدارة غزة. نجحت مصر بامتياز وحققت القمة كامل أهدافها من أجل فلسطين وشعبها الذي يستحق أن يعيش مثل شعوب العالم.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن