صحافة

التصعيد التجاري بين الولايات المتحدة والصين ... بين الاقتصاد والسياسة

عبدالعزيز العنجري

المشاركة
التصعيد التجاري بين الولايات المتحدة والصين ... بين الاقتصاد والسياسة

تُعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين واحدة من أبرز تجليات التنافس الجيو-اقتصادي بين القوتين العالميتين. ومع فرض واشنطن رسوماً جمركية إضافية بنسبة 10 % على معظم الواردات الصينية، يبدو أن التصعيد لا يتوقف عند حدود الاقتصاد، بل يتجاوز ذلك إلى أدوات الضغط السياسي والإستراتيجي. السؤال المحوري هنا: هل هذه السياسة قادرة على تحقيق أهدافها الاقتصادية أم أنها مجرد تكتيك تفاوضي محكوم عليه بالفشل؟

من الناحية الاقتصادية، تستند التعريفات الجمركية إلى مبدأ الحماية التجارية، حيث تسعى الدولة إلى تقليل اعتمادها على السلع المستوردة وتعزيز الإنتاج المحلي. لكن في حالة الولايات المتحدة، فإن معظم السلع الصينية التي تخضع للرسوم الجديدة تُعد مكونات حيوية لسلاسل التوريد الأميركية، خاصة في القطاعات التكنولوجية والتصنيعية. وبالتالي، فإن رفع الرسوم لا يؤدي إلى تقليص العجز التجاري بقدر ما يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج للشركات الأميركية، وهو ما يُترجم في نهاية المطاف إلى ارتفاع الأسعار على المستهلك الأميركي.

تشير البيانات إلى أن الحروب التجارية السابقة بين البلدين لم تحقق النتائج المرجوة من الجانب الأميركي، بل أدت إلى اضطرابات في الأسواق المالية، وإعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية بعيداً عن الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، خلال التصعيد الجمركي بين 2018 و2020، لجأت العديد من الشركات متعددة الجنسيات إلى تحويل عملياتها نحو دول أخرى في آسيا، مثل فيتنام والهند، بدلاً من إعادة التصنيع إلى الداخل الأميركي.

تبرر الولايات المتحدة هذه الخطوة الجديدة بمسألة مكافحة تهريب الفنتانيل، وهو مبرر يثير تساؤلات حول مدى ارتباطه الفعلي بالسياسات التجارية. صحيح أن أزمة الأفيونيات في الولايات المتحدة تشكل تهديداً صحياً خطيراً، إلا أن تحميل الصين مسؤولية انتشار هذه المواد داخل الأراضي الأميركية يتجاهل العوامل الداخلية التي تعزّز هذه الظاهرة، مثل الإفراط في وصف العقاقير المسكنة في النظام الصحي الأميركي، وضعف الرقابة الداخلية على تدفق المواد الكيميائية المستخدمة في التصنيع غير القانوني.

على الجانب الآخر، التزمت الصين سابقاً بتشديد الرقابة على صادرات المواد الكيميائية التي تدخل في تصنيع الفنتانيل. ففي عام 2019، أدرجت الحكومة الصينية جميع مشتقات الفنتانيل ضمن قائمة المخدرات المحظورة، مما جعلها أول دولة في العالم تتخذ هذه الخطوة. هذه السياسة جاءت بعد ضغوط مباشرة من واشنطن، ولكنها عكست أيضاً التزام بكين بالتصدي لهذه الظاهرة. ووفقًا لما ذكره مساعد وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأميركي السابق بريت جيروير (Brett Giroir) ،فإن هذه الإجراءات كان لها "تأثير واضح في تقليل تدفق المواد الأولية لصناعة الفنتانيل" إلى الولايات المتحدة.

رغم ذلك، فإن واشنطن لم تعترف رسمياً بهذه الجهود بشكل كافٍ، واستمرت في استخدام هذا الملف كأداة سياسية. حتى مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) أكد أن التشريعات الصينية الأخيرة قد ساعدت في تقليل تدفق الفنتانيل إلى أسواق غير قانونية، لكنه أشار إلى أن تجارة هذه المواد باتت تعتمد أكثر على طرق بديلة، بما في ذلك التصنيع داخل الولايات المتحدة نفسها، وهو ما يضعف السردية الأميركية التي تلقي باللوم الكامل على الصين.

إذا نظرنا إلى المشهد من منظور أوسع، فإن التصعيد الجمركي بين الولايات المتحدة والصين لا يقتصر على الاقتصاد فحسب، بل يمتد إلى البنية المالية العالمية. فالاقتصادان مترابطان بشكل غير مسبوق، حيث تُعد الصين أحد أكبر الدائنين للولايات المتحدة عبر حيازتها لسندات الخزانة الأميركية. وبالتالي، فإن أي تصعيد في التوترات التجارية يمكن أن يؤثر على استقرار الأسواق المالية، خاصة إذا قررت الصين تقليل اعتمادها على الدولار الأميركي في تجارتها الخارجية، أو إعادة هيكلة احتياطياتها النقدية نحو أصول أخرى مثل الذهب أو اليورو.

كما أن استمرار هذا النهج الأميركي قد يدفع الصين إلى تعميق تحالفاتها الاقتصادية مع شركاء آخرين، مثل الاتحاد الأوروبي ودول جنوب شرق آسيا. فعلى سبيل المثال، عززت بكين في السنوات الأخيرة اتفاقيات التجارة الحرة مع دول "آسيان"، وأطلقت آلية الدفع عبر العملات المحلية في تجارتها مع روسيا ودول أخرى لتقليل الاعتماد على الدولار. بالإضافة إلى ذلك، توسعت البنوك الصينية في تقديم القروض عبر بنك التنمية الجديد (NDB) التابع لمجموعة بريكس، ما يمنح الدول النامية بديلاً عن التمويل الذي يقدمه النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة.

إذا كانت واشنطن تسعى حقاً إلى تقليل الفجوة التجارية مع الصين، فإن الحل لا يكمن في فرض تعريفات عقابية، بل في تعزيز الابتكار الصناعي، وتحفيز الاستثمار في القطاعات التكنولوجية المتقدمة، وتحقيق استقلالية أكبر لسلاسل التوريد دون الإضرار بالعلاقات التجارية العالمية. فالتاريخ أثبت أن السياسات القائمة على "الضغط الأقصى" لا تحقق النتائج المرجوة عندما يتعلق الأمر بدولة بحجم الصين، بل تؤدي فقط إلى تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي، وزيادة حالة عدم اليقين في الأسواق.

لذلك، فإن المصلحة المشتركة لكلا البلدين، بل وللاقتصاد العالمي ككل، تكمن في العودة إلى طاولة المفاوضات بأسس قائمة على الاحترام المتبادل والتفاهم الاقتصادي العميق، بدلاً من اللجوء إلى سياسات أحادية تؤدي إلى مزيد من التوترات دون تحقيق مكاسب حقيقية.

(الراي الكويتية)

يتم التصفح الآن