بصمات

عن مِصْرَ وعُروبتِها (1/2)

عِبارةُ "جمهوريّةُ مِصْرَ" باللغة الإنكليزية التي وُضعت أمام الوفد الرّسمي في مؤتمرِ شرم الشيخ (13 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، أَشْعَلَتْ نِقاشًا وتعليقاتٍ بين مَن تساءَلَ عن سبب إغفال "العربيّة"، إذ إنَّ الصيغةَ الرسميةَ هي "جمهورية مصر العربية"، وبَيْنَ أولئكَ الذين تَنَفَّسّوا الصُّعَدَاءَ وقالوا: "أخيرًا رَجَعَتْ مصر إلى مِصْرِيَّتِها"!.

عن مِصْرَ وعُروبتِها (1/2)

نحن نعلم أنَّ هذا النقاش أو التبايُن بالآراء ليس وليد اللّحظةِ الرّاهنة، ولكنّه يعود إلى نهايةِ القرن التاسع عشر، في حِقْبَةٍ صارت الهُويّاتُ موضوع نقاشٍ وطنيّ وسياسيّ وثقافيّ، بين مَن رأوا أنَّ مصر تنتمي إلى مُحيطِها، ومَن قال بِأَنَّ مصر مصريّةٌ لا حاجةَ بها للانتسابِ إلى أيّ محيطٍ أو انتماءٍ آخر.

إلّا أنَّ العروبةَ لم تكن موضوع نقاشٍ، فَلَوْ عُدْنا إلى بداية النهضة في مصر، مع رائدِها رفاعة الطهطاوي الذي اكتشف اهتمام الفرنسيّين بالتراثِ العربيّ الإسلاميّ من خلال المُسْتَشْرِقِ سلفستر دوساسي (Silvestre de Sacy)، ففي سنواتِ نُضْجِهِ كَتَبَ في تاريخ العرب والتّاريخ الفرعونيّ. وحين كتب "مَناهِجُ الأَلْبابِ المصريّةِ في مَباهِجِ الآدابِ العصريةِ"، رجع إلى التراث العربي والتراث الدّينيّ لِيُبَرِّرَ الأخذ بِالقِيَمِ والأنظمة العصرية الحديثة، وَلِيَدْعَمَ من خلال المؤلّفاتِ الِفقْهِيّةِ أو الأدبية فكرة الوطن والحرّية وتحرير المرأة وغير ذلك. والطهطاوي الذي كَتَبَ سيرة الرسولِ في كتاب "نهايةِ الإيجازِ في سيرةِ ساكِنِ الحِجازِ"، لم يَجِدْ ما يَمْنَعُ من الاستفادةِ من المصادر وكتابة تاريخ مصر القديم الفرعونيّ، وتنويهه بأقدميّة مصر في التقدّم والعمران. وقد أشرف علي مبارك، وهو أبرزُ مُتَنَوِّري مصر في عهد الخديوي إسماعيل، على ترجمة كتاب المُسْتَعْرِبِ لويس سيديو (Louis-Pierre-Eugène Sédillot) الفرنسي "خُلاصةُ تاريخِ العربِ"، وعلى هذا النّحو فإنَّ نهضةَ مصر قد ارتبطت بِاسْتِكْشافِ التاريخ العربي وحضارته وآدابه وتراثه.

مصر تحمل من كلّ مرحلة من مراحل تاريخها إِرْثًا لا يمكن إنكاره

كان أحمد لطفي السيّد أحدُ أبرزِ القائلين بمصر للمصريّين، وهو دعا إلى تضمين العربيّة بعضًا من العامّية لِتَيْسيرِها. إلّا أنّه كَتَبَ وترجم بلغةٍ فصيحةٍ، صريحةٍ وواضِحة. والمفارقةُ أنّهُ شغل منصبَ رئيس "مُجَمَّعِ اللغة العربية" في القاهرة خلال ما يقرب من العشرين سنة، وهو المُجمّع المنوط به السّهر على اللغة العربية، ونَحْتُ المُصْطَلَحاتِ المناسِبة لِنَظائِرِها في اللغات الأجنبية.

ومِنَ المعلومِ أنَّ اكتشاف الآثار الفرعونية، يعودُ إلى الحملة الفرنسية، إذ كان بونابرت حَريصًا على إنجاز موسوعة "وَصْفِ مصر" التي تتضمّن في مُجَلَّداتِها أَبْحاثًا عن آثار مصر القديمة. وقد صدر وصف مصر عام 1809، وفكّك جان شامْبولْيون (Jean-François Champollion) "حجر رشيد" عام 1822، وأنشأ محمد علي باشا أولَ متحفٍ للآثار عام 1935، ومع ذلك فإنّ ذلك لم يَتْرُكْ آثارًا في الثقافة المصرية. وهذا ما يُعَبِّرُ عنه سلامة موسى الذي غادر إلى أوروبا عام 1906، حيث ذكر أنّه اكتشفَ عَظَمَةَ الآثار الفرعونية من خلال أحاديثِ الأوروبيّين فَقَرَّرَ أن يرجع لزيارة تلك الآثار. وقد حصل الشغفُ بِالْفِرْعَوْنِيَّةِ بعد اكتشاف مقبرة "توت عنخ آمون" عام 1922، حين بدأت النزعة الفرعونية بالبروز. (ومناسبةُ افتتاح المتحفِ في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر مناسبةٌ تتجدّدُ خلالها التعليقات والمقالات التي تُنَوِّهُ بعظمةِ مصر التي عرفت أوّل دولةٍ في التاريخ). وكان من بين أولئك الذين اكتشفوا أَجْدادَهُم الفراعِنة محمد حسين هيكل، الذي عاش تجربةً فرعونيةً قبل أن يعود ليكتب "حياةُ محمّد وفي منزلِ الوَحْي".

وفي بداياتِ القرنِ العشرين، حين كانت فكرةُ العروبةِ تَتَبَلْوَرُ في المَشْرِقِ، وتتحوّلُ إلى تيارٍ سياسيّ كانت أبرز تجلّياته في إقامة الحكومة العربية في دمشق بعد الحرب العالمية الأولى، لم تلقَ الدعوة العروبيّة أصداءً في مصر. وإذ تأسّست الجامعة المصرية عام 1938، وكان أحد مُقَرَّراتِها تاريخ الحضارة والآداب العربية، فإنَّ طه حسين أبرز أدباء مصر الذي أَعَدَّ أُطْروحَتَهُ في فرنسا عن ابن خلدون وكَتَبَ عام 1925 في "الشّعرِ الجاهليّ" الذي انطوى على مراجعةٍ نقديةٍ لتراث الأدب العربي، وسُمِّيَ لاحقًا عميد الأدب العربي، كان في كتابه الرائد "مستقبلُ الثقافةِ في مصر" عام 1938، قد اقترحَ انتماءَ حضارةِ مصر وثقافتِها إلى ثقافة البحر المتوسط وانتماء مصرَ إلى التراث اليوناني. ولم يأخذْ بالاعتبار ما لَحَظَهُ صبحي وحيدة لاحقًا في كتابه "في المسألةِ المصرية" عام 1950، وهو أنّ مصرَ بعد دخول العرب والمسلمين إلى مصرَ قد شطروا ثقافة البحر المتوسط إلى شَطْرَيْنِ، فأصبحت مصر التي تَعَرَّبَتْ نُخْبَتُها أقرب إلى بغداد منها إلى أيّ مكانٍ آخر.

كانت النُّخَبُ الفكرية والثقافية مُوَزَّعَةً بين أولئك الذين يرجعون إلى الحِقَبَةِ الفرعونيّة وبين نزعة طه حسين الغربيّة وبين تيارٍ عروبيّ وإسلامي بدأ بالتبلور في الثلاثينيّات والأربعينيّات. علمًا بأنَّ مصر تحمل من كلّ مرحلةٍ من مراحل تاريخها إِرْثًا لا يمكن إنكارُه، فبالإضافة إلى الحضارة الفرعونية وأبرز ما بقيَ منها الآثار العمرانية ومفردات دخلت في العربية التي أصبحت اللغة السائدة، والحقبة المسيحية وقد احتفظ الأقباطُ بإحدى لغات مصر القديمة في طقوسهِم الدينية. وعلى الرَّغم من أنّ الفترةَ الفاطميّةَ لم تُعَمِّرْ طويلًا قياسًا بتاريخ مصر القديم فإنّ آثار الفاطميّين ما زالت ظاهرةً في عاداتِهم الدينية وليس في عقيدتهم، من خلال الطقوس في المواسم والأعياد وحبّ آل البيت. وهذا يعني أنّ الدولَ والسُّلالاتِ الحاكمة تترك آثارًا لا يُمكن إنكارها في مجالٍ من المجالات دون غيرِها. فإذا كانت الفرعونيّةُ حاضرةً في بعض العادات والمُفردات، عدا عن الآثار العُمْرانِيّةِ، وإذا كانت الفاطميّةُ تركت إرثًا في الطقوس الشعبية الدينية، فإنّ الإرث المَمْلوكي ما زال حاضرًا في النظام السياسي، حسب رأي صبحي وحيدة.

آراء تنزع إلى فصل مصر عن محيطِها أو نسبتِها إلى محيطٍ تاريخيّ وإثنيّ غابر

وتُسْتَعادُ حمّى الفرعونيةِ عند نقل الآثار والمومياوات من المتحفِ القديمِ إلى المتحف الجديد وعند افتتاحه في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، ويَطْلَعُ مَن يقولُ لك إنَّ شعب مصر ينتمي إلى العِرق الأمازيغي وليس العربي حسب رأي العالِم الأزهريّ الشيخ أحمد كريمة الذي قال في حديثٍ إذاعيّ: "نحن مِشْ عرب، مصر مِشْ عربية. نحن أبناء حام ابن نوح، العرب وبنو إسرائيل أولاد عمّ من سلالة سام. نحن حاميّون من القارة الأفريقية والأمازيغ، يا ريت أنّنا نعود إلى قوميّتنا المصرية، القومية المصرية فقط". وكلّ ذلك يدورُ في جِدالاتِ الأصولِ اعتمادًا على آراءٍ تنزع إلى فصل مصر عن محيطِها أو نسبتِها إلى محيطٍ تاريخيّ وإثنيّ غابر. من دون أن ننسى كَوْنُ باني مصر الحديثة ألبانيًّا، والقائل بأنّ مصر للمصريين وزعيم الحزب الوطني من أصلٍ تركي، وأمير شعراء العربية أحمد شوقي شركسيّ. فالهُويّة الوطنية لم تعدْ تَرْتَبِطُ بأصولٍ عِرقيةٍ أو بفئة الدم، وإنّما هي رابط ينتسب إلى مُعْطَياتٍ واقعيةٍ في الاجتماع والثقافة والسياسة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن