أوروبا.. والتحديات الأمريكية

تشير مختلف التحليلات التي يقدمها المتابعون للشأن الدولي، إلى أن أوروبا تعيش في الحقبة الراهنة، فترة من أصعب مراحل تاريخها المعاصر، قد تكون أسوأ في بعض جوانبها من فترة الحرب العالمية الثانية، من منطلق أن الدول الأوروبية الكبرى وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا كانت قادرة آنذاك على فرض احترام نفوذها وعلى حماية مصالحها على المستوى الدولي.

أما الآن، فنستطيع أن نزعم أن أوروبا تحوّلت في أقل من نصف قرن، من قوة قادرة على إخضاع العالم لإرادتها ودفعه لاحترام خياراتها الحضارية والجيوسياسية، إلى مجموعة هشة وخاضعة شرقاً للنفوذ الاقتصادي والتكنولوجي الصيني المتصاعد، وغرباً لأمريكا لاسيما على المستويات الدفاعية والأمنية والتكنولوجية، إلى الحد الذي بات فيه مالك منصة "إكس" للتواصل الاجتماعي، يتدخل في السياسات الداخلية لدول أوروبية عريقة مثل بريطانيا وألمانيا.

ويجب الاعتراف بداية أن الحديث عن أوروبا ليس بالأمر الهين، لأن المصطلح الذي يشير إلى هذا الكيان الجيوسياسي، عبارة، كما يقول أوبير فيدرين، عن كلمة تحمل خصائص الحقيبة، لكونه يحمل دلالات متعددة ويمكن أن نقدم له من المعاني الإيحائية بالقدر الذي يلبّي حاجياتنا الاستعمالية والوظيفية، فعلى المستوى الجغرافي على سبيل المثال لا الحصر، تبدو حدود أوروبا واضحة جنوباً وغرباً وشمالاً، لكنها مبهمة كلما توغلنا شرقاً باتجاه أوكرانيا وروسيا وصولاً إلى جبال الأورال، وإذا انتقلنا نحو الجنوب الشرقي توجد تركيا المعاصرة، التي لم تستطع حتى الآن أن تحسم بشكل قاطع عناصر هويتها وخياراتها الحضارية والجيوسياسية.

ويجري الحديث في السياق نفسه، عن أوروبا بوصفها مسرحاً لميلاد مفهوم العلاقات بين الدول في صيغته الحديثة، وعن قارة آمنت بالتعددية وحقوق الإنسان والديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، ولكنها كانت أيضاً قارة الحروب والصراع الحضاري والثقافي ونموذجاً للرغبة الجامحة في الهيمنة، وبالتالي فهناك من يتحدث عن أوروبا بمعناها المتنوع سواء في غربها أو في شرقها، علاوة على أوروبا القائمة على الهويات العرقية التي تورّطت في التطهير العرقي كما حدث في حرب البوسنة والهرسك، إنها – باختصار- قارة ظاهرها الوحدة التي تفرضها آليات السوق وباطنها المواجهة والصراع حول جزئيات وتفاصيل التاريخ والجغرافيا.

ويعترف الباحث بيير أروش، نتيجة لكل هذه التناقضات، أن القارة العجوز باتت تخضع لمجمل التأثيرات الناجمة عن صدام القوى الكبرى بشكل بدأ يعيد تشكيل صورة أوروبا بطريقة لا تخدم بالضرورة مصالح شعوبها، وباتت تشعر لأول مرة في تاريخها أنها ضحية لخيارات حليف أمريكي منقسم داخلياً، يتلاعب بمصيرها ويقذفها مثل كرة تنس الطاولة نحو مربع الحزب الديمقراطي تارة ونحو مربع الجمهوريين تارة أخرى، ويريد منها أن تقبل بدور ثانوي في مفاوضات الملف الأوكراني.

وعليه فإن القارة التي أبدعت التنوير وأدخلت العالم في الحداثة والثورة الصناعية، وهيمنت على القارات الخمس لفترة تزيد على 4 قرون، وأقامت دولاً وطمست أخرى وعدّلت الخرائط ونسجت سرديات مثيرة للجدل، تفقد الآن نفوذها في محيطها القريب والبعيد بل وتعجز حتى عن السيطرة على تحولاتها الداخلية.

ويمكن القول إن الحرب في أوكرانيا على الحدود الشرقية للقارة، كشفت عن العديد من عيوب أوروبا، وأفقدتها خياراتها الأساسية في مجال الطاقة وجعلتها رهينة لتقلبات الأسواق ولجشع شركات الطاقة في أمريكا التي تصدِّر لها الغاز بأسعار مضاعفة مقارنة بالسعر المتاح للسوق الداخلية الأمريكية، وتعمل واشنطن في السياق نفسه على عرقلة كل المحاولات الهادفة لتطوير الصناعات العسكرية الأوروبية لإبقاء القارة رهينة للمجمع الصناعي العسكري في أمريكا، كما أضحت أوروبا تعيش على وقع تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية مرتفعة على البضائع الأوروبية.

ومن مظاهر مكر التاريخ ومفارقاته أن أوروبا التي دفعت العالم، منذ القرن التاسع عشر عبر حملات الاستعمار، إلى أن يكون مرتبطاً عبر موجات من الهجرة والتبادل الاقتصادي الواسع النطاق ووضعيات التبعية المتبادلة بين الدول، تجد نفسها الآن تواجه حالة نكوص ومحاولات شعبوية من أجل الانغلاق على الذات خوفاً من فقدان خصوصيتها. وقد أدى سعي أوروبا الاستعمارية قديماً إلى نشر قوتها ونموذجها الثقافي عبر كل العالم إلى إيقاظ هذا النزوع لدى كل شعوب وثقافات العالم التي تسعى بدورها الآن إلى التأثير في المشهد الأوروبي.

وتواجه القارة الأوروبية حالياً تحديات كبرى على ثلاثة مستويات، يرتبط المستوى الأول بالمنظومة الغربية نفسها حيث يسعى تكتل العيون الخمسة إلى إبقاء القارة تحت هيمنتها الدائمة من خلال الاعتماد على تحالفاتها مع شمال وشرق القارة، ويرتبط المستوى الثاني بتداعيات المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية مع روسيا والصين وبخاصة أن أوروبا خاضعة في تعاملاتها مع هاتين القوتين للشروط الأمريكية التي تأخذ في الحسبان مصالح واشنطن في المقام الأول، الأمر الذي يجعل العديد من الدول الأوروبية مضطرة للانخراط في المواجهة مع موسكو رغم معارضة قطاع واسع من رأيها العام، أما المستوى الأخير فيتعلق بعلاقة أوروبا بدول الجنوب التي أصبحت تملك إرادة مستقلة عن القوى الاستعمارية السابقة في القارة.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن