خطوات كثيرة يتخذها الرئيس أحمد الشرع بهدف طمأنة الداخل والخارج، لاسيما بعد أحداث الساحل السوري الأخيرة والتي فتحت جراحاً لم تندمل بعد في عمق البلاد التي تئن من سنوات الحرب الطويلة والعقوبات التي تثقل كاهلها، فيما تعمل دمشق على إعادة اللحمة الوطنية الداخلية ولّم الشمل، وقد بدا ذلك واضحاً من خلال الاتفاق التاريخي مع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) كما مع محاولات الوصول إلى تفاهمات مع الدروز بهدف تقليص الشرخ وبسط الإدارة السورية سلطتها على كامل أراضيها.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، وقع الرئيس الشرع الإعلان الدستوري الجديد الذي حدّد المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، مشيداً بما وصفه بـ"تاريخ جديد" في البلاد. ونصّ الإعلان المؤلف من أربعة أبواب، على "الفصل المطلق" بين السلطات وتشكيل لجنة لصياغة دستور دائم، مؤكداً جملة من الحقوق والحريات الأساسية، بينها حرية الرأي والتعبير وحق المرأة في المشاركة، فيما ترك أمر عزل الرئيس أو فصله أو تقليص سلطاته لمجلس الشعب. إلا أن أول رد فعل أتى من الإدارة الذاتية الكردية التي انتقدت الإعلان ومضامينه، معتبرة أنه "يتنافى من جديد مع حقيقة سوريا وحالة التنوع الموجود فيها"، ويخلو من "مكوناتها المختلفة من كرد وحتى عرب". وشددت على أنه "يضم بنوداً ونمطاً تقليدياً يتشابه مع المعايير والمقاييس المتبعة من حكومة البعث"، في إشارة إلى الحكم الذي فرض سيطرته على البلاد لعقود واختزل كل السلطات والصلاحيات.
من جهته، رحب المبعوث الأممي لسوريا غير بيدرسون بالخطوات المتخذة لاستعادة سيادة القانون في البلاد، معرباً عن أمله في أن صدور الإعلان الدستوري "قد يسد فراغاً قانونياً مهماً". كما تمنى أن يشكل "إطار عمل للانتقال السلمي الجامع وذي المصداقية بشكل جاد". وبالتزامن مع التوقيع، نفذّ الطيران الإسرائيلي غارة جديدة في منطقة سكنية بقلب العاصمة دمشق استهدفت مقراً لحركة "الجهاد الإسلامي"، وسبقها انتهاك جديد تمثل بعملية توغل في ريف القنيطرة مع توسيع الاحتلال نطاق اعتداءاته الهادفة لزعزعة الاستقرار في سوريا.
والاعتداءات الاسرائيلية في دمشق تترافق مع ما تقوم به تل أبيب في لبنان لجهة خرق اتفاق وقف النار وتنفيذ غارات بشكل يومي، حيث شنّ سلاح الجو عدداً من الغارات على الحدود اللبنانية - السورية ومرتفعات السلسلة الشرقيّة مساء أمس. في حين أكد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أن حكومته لن تتنازل عن سيطرتها على خمسة مواقع داخل لبنان، مشدّدًا على أن "سياسة إسرائيل العسكرية لا تقتصر على سوريا فحسب، بل تمتدّ أيضاً إلى لبنان". وفي الشأن الداخلي، أقرت الحكومة اللبنانية سلسلة من التعيينات العسكرية والأمنية في محاولة للإيحاء بأن مرحلة جديدة تبرز في البلاد، رغم ما رافق هذه التعيينات من أخذ ورد لاعتمادها على المحاصصة الطائفية والتوافق السياسي بعيداً عن "الكفاءة والشفافية" التي رفعتها الحكومة منذ توليها زمام الأمور.
فلسطينياً، تتزايد الضغوط على حركة "حماس" للقبول بالمقترح "المُحدّث" المقدم من قبل مبعوث الرئيس الاميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، والقاضي بتمديد وقف النار لأسابيع إضافية ودخول المساعدات الإنسانية مقابل افراج الحركة عن 5 أسرى أحياء على الأقل ورفات نحو 9 أسرى متوفين في اليوم الأول من وقف إطلاق النار المُمدّد، وفق ما كشفه موقع "أكسيوس" الاميركي. ووفقا للاقتراح ايضاً ستستخدم إسرائيل و"حماس" قرار التمديد للتفاوض على هدنة طويلة الأمد، وفي حال التوصل إليها سيتم إطلاق سراح الأسرى المتبقين في اليوم الأخير من وقف النار المُمدّد.
وتشكل هذه المقترحات الجديدة، بحسب "حماس" "قفزاً" على اتفاق وقف النار في غزة، لاسيما أنها تتمسك بالشروع بما تم الاتفاق عليه سابقاً لجهة بدء مفاوضات المرحلة الثانية والتي تنص على الانسحاب الاسرائيلي الشامل وتثبيت وقف النار بهدف الدخول بمحادثات اعادة الإعمار، وهو ما تنصل منه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يواجه، بدوره، انتقادات حادة من قبل عائلات الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى "حماس" الذين يتهمونه بعرقلة الجهود الساعية لإطلاق سراحهم خوفاً على حكومته وائتلافه.
وفي السياق عينه، برز ما نقلته وسائل إعلامية اسرائيلية عن إعفاء مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخاص لشؤون الرهائن آدم بوهلر من متابعة هذا الملف. ويأتي ذلك بعد "الغضب" الاسرائيلي من المفاوضات المباشرة مع حركة "حماس" وإجرائه سلسلة من المقابلات الفوضوية في محاولة للدفاع عن جهوده، بحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل". وبينما لم يتم الإعلان رسمياً عن هذا الإعفاء الذي يصب مجدداً في صالح تل أبيب، ثمنت الخارجية المصرية، في بيان، تصريحات ترامب والتي قال فيها، إنه لن يتم ترحيل سكان قطاع غزة عن أراضيهم، معتبرة أنها "عكست تفهماً لأهمية تجنّب تفاقم الأوضاع الإنسانية في القطاع وضرورة العمل على إيجاد حلول عادلة ومستدامة للقضية الفلسطينية".
أما انسانياً، فقد حذر المفوّض العام لوكالة "الأونروا" فيليب لازاريني، من تداعيات "انهيار الوكالة وانفجارها"، مع استمرار الضائقة المالية الشديدة التي تمر بها، موضحاً أن ذلك سيتسبّب بحرمان جيل كامل من الأطفال الفلسطينينين من التعليم "ما سيؤدّي لزرع بذور مزيد من التطرّف". إلى ذلك، خلص تحقيق لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، إلى أن الجيش الإسرائيلي ارتكب أعمال "إبادة جماعية" في قطاع غزة، عبر التدمير الممنهج لمنشآت الرعاية الصحية ومراكز الصحة الإنجابية، كما استخدم "العنف الجنسي" استراتيجية في الحرب على القطاع. وبينما رحبت "حماس" بالتقرير، هاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي المجلس واصفاً إياه بأنه "فاسد ومعادٍ للسامية".
على المقلب الإيراني، تعكف طهران على دراسة محتوى رسالة الرئيس ترامب، التي يحث فيها على التفاوض أو مواجهة عمل عسكري، حيث أشار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إلى أنه "سيتم اتخاذ القرار بشأن الرد بعد إجراء التقييمات والدراسات اللازمة". ويرفض المرشد علي خامنئي التفاوض مع واشنطن بعد اعادة تفعيل سياسة "الضغوط القصوى"، والتي تجلت أمس في فرض حزمة جديدة من العقوبات الأميركية على قطاع النفط الإيراني مستهدفةً، هذه المرة، وزير النفط محسن باك نجاد وبعض السفن التي ترفع علم هونغ كونغ وتشارك في "أسطول ظل" يساعد إيران على إخفاء شحناتها من النفط.
وبعد الاتفاق الاميركي - الأوكراني في السعودية، أعلن الرئيس فلاديمير بوتين، الذي تتجه اليه الأنظار لمعرفة موقفه الرسمي، أنه يؤيد المقترح الاميركي بشأن هدنة مقترحة لمدة 30 يوماً في أوكرانيا، لكنه أكد أن هناك "خلافات دقيقة وأسئلة جدية ما زالت عالقة". وقال "نحن بحاجة إلى التحدث حول هذه الأمور مع شركائنا الأميركيين، وربما الاتصال بالرئيس ترامب". كما تحدث عن وجود "عدداً من النقاط الدقيقة التي تجب مراعاتها". وشملت "نقاط" بوتين 3 شروط رأى أنها ضرورية لإنجاح الهدنة؛ أولها الحصول على ضمانات أميركية بمراقبة سلوك أوكرانيا خلال الهدنة، والثاني يتعلق بضمان أن تكون الهدنة مرتبطة بإطلاق مفاوضات الحل النهائي بشكل يعالج "الأسباب الجذرية للصراع". أما الشرط الثالث فيتمثل باستسلام القوات الأوكرانية التي ما زالت تسيطر على أجزاء من مقاطعة كورسك الروسية.
بدوره، سارع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى انتقاد ما وصفه بـ "التلاعب" و"التسويف" الروسي الهادف إلى مواصلة الحرب، موضحاً أن "موسكو تعد شروطاً لوقف إطلاق النار بهدف تأجيله أو منعه تماما". أما الرئيس ترامب، راعي الاتفاق والساعي إلى إنهاء الحرب الاوكرانية وإحلال السلام كما يدعي، فرأى أن تصريح نظيره الروسي كان "واعداً للغاية"، لكنه "لم يكن كاملاً"، معتبراً أن رفض روسيا المقترح الذي تقدمت به واشنطن سيكون "لحظة تثير للغاية خيبة أمل العالم". هذا وستتضح معالم المرحلة المقبلة مع وصول المبعوث الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، لإجراء مباحثات مع المسؤولين الروس.
في إطار مختلف، يستمر ترامب في مساعيه لضم جزيرة غرينلاند إلى الولايات المتحدة بحجة تعزيز "الأمن الدولي". ولغاية ذلك، التقى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، الذي فضّل "عدم إقحام حلف الناتو في هذا النقاش"، رغم إقراراه بأهمية غرينلاند الكبيرة للأمن الدولي بسبب موقعها الاستراتيجي.
وتوزعت اهتمامات الصحف العربية الصادرة اليوم بين التطورات السورية والمشهد الفلسطيني المتأزم وصولاً إلى الأوضاع في لبنان:
تحت عنوان "اسرائيل تستبيح سوريا"، كتبت صحيفة "الخليج" الاماراتية "إن ما تقوم به إسرائيل جهاراً نهاراً وتحت نظر العالم كله هو عدوان سافر على دولة مستقلة ّذات سيادة، وانتهاك لكل القوانين الدولية ولميثاق الأمم المتحدة، وتهديد مباشر للوحدة الترابية لدولة عربية عضو في الأمم المتحدة"، مشددة على أن ذلك يهدف لتقسيم سوريا "إلى كانتونات طائفية تمكنها (أي تل ابيب) من إضعاف سوريا ووضعها في إطار ما ترسمه للمنطقة من مخططات خبيثة من بينها "الشرق الأوسط الجديد" الذي تكون فيه الدولة المهيمنة".
وتحدثت صحيفة "الوطن" القطرية عن التزام الدوحة الراسخ بدعم الشعب السوري في مختلف المجالات الإنسانية والإغاثية، والمساهمة في جهود التعافي وإعادة الإعمار، معتبرة أن الجمهورية السورية تسير على طريق البناء والتطور، وذلك بعد توقيع الإعلان الدستوري الجديد، الذي وضعته في إطار كتابة "تاريخا جديدا لسوريا بعد التخلص من نظام الأسد". كما نوهت بالخطوات التي تتخذها دمشق "والتي تؤكد التحول الكبير في طريق بناء الدولة السورية الجديدة"، على حدّ قولها.
في الإطار عينه، أشارت صحيفة "عكاظ" السعودية إلى أن "العالم يعيش منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر دهشتين؛ الأولى حيال تسارع أحداث عمليات "ردع العدوان" العسكرية التي أدت إلى سقوط النظام السوري البائد في 12 يوماً، والدهشة الثانية حيال سرعة التراكم التنظيمي والالتفاف الشعبي لبناء الدولة الذي تنجزه الحكومة السورية، وانخراطها في المنظومة العربية والدولية بحكمة وروية"، مؤكدة أن "هذين الأمرين يبعثان على طمأنة العالم بعهد جديد من السلم والتعايش والرخاء لكل السوريين ولدول الجوار والمحيط العربي والمجتمع الدولي".
هذا وتناولت صحيفة "القدس العربي" خلاصات ما توصل اليه تقرير للأمم المتحدة حوّل الانتهاكات الاسرائيلية خلال الحرب الأخيرة على غزة، إذ أكدت أن "إسرائيل ارتفعت درجة أعلى في ميزان "ابتكارات" الإبادة العالمية"، لافتة إلى أن تل ابيب "تعمل، جهارا نهارا، على إفناء الفلسطينيين الذين يواجهون هذا العمل الإباديّ بأشكال من "المرونة غير العادية" والصمود والمثابرة، بالمقاومة وإنجاب الأطفال وبتوريث ثقافتهم وتقاليدهم وأغانيهم إلى الأجيال القادمة حتى تتغير المعادلة".
ورأت صحيفة "الجريدة" الكويتية أن "الشعب الفلسطيني الذي يعيش بين أكوام الدمار في غزة هو اليوم بأمسّ الحاجة إلى تكاتف الجهود الدولية لدعمه وإعادة إعمار هذه الأرض التي شهدت مجازر"، داعية إلى "سرعة استجابة المجتمع الدولي، وتكثيف الجهود للعمل لإعادة الإعمار والتصدي لكل الحملات الصهيونية والمحاولات المستمرة لعودة الحرب لاستكمال ما بدأوه من دمار وقتل".
إلى ذلك، جزمت صحيفة "اللواء" اللبنانية على أن "لا سلاح غير شرعي في الجمهورية اللبنانية، لأنّ هذا السلاح أظهر أنّ لديه دوافعه ومبرراته وقيمه السياسية العقائدية". وقالت "ممارسة السلطة لا تتم بصورة عفوية أي أنها لا يمكن أن تتُم بدون قواعد تنظمها وبالتالي إنّ إستقامة الوضع السياسي في الجمهورية اللبنانية يتطّلب فرض نظام أمني سياسي- اقتصادي - قضائي صارم لضبط الأوضاع العامة ومن أولى بديهيات هذا النظام أنه لا سلاح خارج إطار القوى الشرعية اللبنانية وكل كلام خارج عن هذا الإطار هو بمثابة الخيانة العظمى".
(رصد "عروبة 22")