تقدير موقف

المرحلة الثانية من "حرب 2023": إيران في مأزق!

لم يشهد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانيّة متغيّرات عميقة على غرار ما يجري منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. انقلاب متعدّد الأوجه، منها ما يطال الداخل الأميركي وله تداعياته وتأثيراته الخارجية، ومنها الدولي الذي قَلَبَ أُسُسَ النظام العالمي ضابط العلاقات الدولية منذ أكثر من 80 سنة، بدءًا من تشظّي العلاقات بين ضفّتي الأطلسي التي تصيب حلف "الناتو" ودوره وفعّاليته على حساب تقارب غير مفهوم الأهداف والتوقيت مع روسيا.

المرحلة الثانية من

الانقلاب الترامبي لا يقتصر على العلاقات بالحلفاء، بل يصيب مفهوم "الغرب" برمّته بما يزعم أنّه يُمثّل ويُدافع عن قيم الحرّية والديموقراطية والعدالة والليبيرالية. الانقلاب يسلخ أميركا عن جذورها الأخلاقية والقيميّة والثقافيّة، لصالح شعبويّة مناهضة للأُسُس التي قامت عليها وأهمها القضاء والتربية وفصْل السلطات.

ما يتعرّض له تنظيم "أنصار الله" في اليمن تحذيرات أميركية مباشِرة بالغة الدلالة بأنّ الدور وصل إلى إيران بعد حلفائها

الهزّات الارتدادية المتوقّعة أكثرها سلبي وقليلها إيجابي، لعلّه أيقظ أوروبا متأخّرةً لتستنهض قدراتها بعد أن وصفها دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي السّابق بـ"القارة العجوز". من الهزّات المتوقّعة، الهرْوَلَة إلى التسلّح النووي نتيجةً للتحوّلات في التحالفات وتبدّل الأولويات ومراجعة السياسات.

إنّ تهاوي القواعد والأعراف على الصّعد الداخلية لأقوى دولة في العالم وفي سياساتها الخارجية، يؤشر إلى إقالة السياسة ليحلّ مكانها الاستقواء والقوة. بلغةٍ ديبلوماسية مخفّفة إنّها هزيمة القوّة الناعمة لصالح الخشنة، وهو ما يظهره تطوّر الأحداث في منطقتنا، وقد تكون بداية المرحلة الثانية من الحرب التي بدأت في غزّة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وانتهت بسقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 بهدف استكمال نتائج هذه الحرب بعد تقويض قدرات "حماس" و"حزب الله" العسكرية وإنهاكهما سياسيّا.

علامات المرحلة الثانية من الحرب تبدأ من عودة الحرب إلى غزّة بعنفٍ مفرطٍ ومن جنوب لبنان، إطلاق نار على إسرائيل واشتباكات الحدود الشماليّة الشرقيّة في البقاع بين ما يُسمى بمسلّحين وعشائر مع الجيش السوري ومقتل 3 جنود سوريين. العلامات الأكثر وضوحًا ما يتعرّض له تنظيم "أنصار الله" في اليمن من قصف أميركي متكرّر واغتيالات للقادة وهي تحذيرات أميركية مباشِرة بالغة الدلالة بأنّ الدور وصل إلى إيران نفسِها بعد حلفائها.

الداخل الإيراني منقسم ما يجعل المرحلة المقبلة مصيرية سوف تتخلّلها محطّات تفاوضية وأخرى ربّما عسكرية

وضعُ إيران التفاوضي مع ترامب والزمرة المحيطة به اختلف عمّا هو مع الإدارات السابقة ولأسبابٍ متعدّدة أبرزها الخسائر التي حيّدت فعالية حلفائها في غزّة ولبنان وبخاصةٍ خروجها من سوريا بعد سقوط النظام. ثانيًا الاختلاف بين ما اعتادت عليه في مفاوضاتها السابقة مع الأميركيين او الأوروبيين وتلك المتوقعة مع إدارة ترامب لجهة المدّة، والأرجح أنّها قصيرة ولن تسمح لإيران التفاوض بهدف التفاوض، بل تريد نتائج حاسمة للمفاوضات. في هذا السّياق، ينبغي الأخذ بالاعتبار أثَر العلاقة الدافئة وأكثر بين فلاديمير بوتين وترامب وهي ليست بالضرورة لصالح إيران كما في السابق.

المفاوضات المرتقبة ستضع إيران أمام خيارين كلاهما يهدّدان النّظام وأحلاهما مُرّ: أن تفاوض على لجْم برنامجها النووي إلى حدٍّ قد يقترب من التصفية وهذا الخيار قد يهدّد أُسُس نظام الملالي والمتشدّدين. بينما الخيار الثاني هو التشدّد في المفاوضات إلى حدودٍ قد تدفع إدارة ترامب إلى اعتماد ضغوط عسكرية مؤلمة من شأنها أيضًا تقويض النّظام أو بأقلّ تقدير تجعله يهتز. ولن يغيب عن المفاوض الأميركي أنّ الداخل الإيراني بشقّيْه الحاكِم والشعبي منقسم تجاه الخيارات المتاحة ما يجعل المرحلة المقبلة مصيرية سوف تتخلّلها محطّات تفاوضية وأخرى ربّما عسكرية.

هذا السيناريو لا بدّ أن تكون له انعكاسات على لبنان وسوريا كون إسرائيل هي الشريك الرئيسي للأميركيين في هذا الصّراع وتسعى في نهاية الأمر لحصْدِ نتائجه لصالحها.

السياسة ليست أبيض وأسود، والنتائج ليست قدرًا لا يُردّ، إنّما تبقى مساحات مضيئة على الرَّغم من الشراسة والغطرسة التي تسمّم سياسة الحكّام في واشنطن وتل أبيب، قد تؤتي نتائج إيجابية، منها ما يتردّد عن دورٍ عربي للسعودية ودولة الإمارات في تقريب وجهات النظر بين الأميركيين وإيران، لتفادي الأسوأ أي الحرب ونتائجها الوخيمة على دول الخليج ولبنان وسوريا.

إيران عقبة أمام الاستقرار في الإقليم كذلك نتائج الحرب عليها وتهديد نظامها غير معروفة

سيناريو المرحلة الثانية من حرب 2023 يختلف عمّا كان متوقّعًا من الإدارة السابقة او أيّ إدارة أميركية أخرى غير إدارة ترامب. جو بايدن والديموقراطيّون قدّموا دعمًا غير مسبوق لإسرائيل في حربَي غزّة ولبنان، إنّما الأفق السياسي كان متوفِّرًا إلى حدٍّ بعيد، أولًا لجهة مسار ولو طويل لإنشاء دولة فلسطينية وتسوية دائمة للنزاع، وثانيًا عبر حل ديبلوماسي نتيجة استعمال القوة الناعمة والخشنة مع إيران لتسوية الملف النووي بعد تقليم أظافرها في المشرق ووضع حدٍّ لسطوة المنظمات خارج الدولة ودفعها للانخراط في المجتمع الدولي كدولة طبيعية.

لا خلاف على أنّ إيران عقبة أمام الاستقرار في الإقليم، كذلك نتائج الحرب عليها وتهديد نظامها غير معروفة، من دون أن نُذكّر بأهداف ترامب تجاه فلسطين وتحويل غزّة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط" وتوسيع الاتفاقات الابراهيمية على طريقته وبأسلوبه، وفي ضوء علاقته بحكومة نتنياهو بخاصةٍ لجهة أهدافها المزعزعة للاستقرار في سوريا ولبنان وانتهاجها لسياسة تفكيك الاجتماع لصالح تحالف الأقلّيات وغيرها من المشاريع المجنونة والمتخيّلة.

هل يمكن ردّ هذه المخططات؟ الإجابة معقّدة وهي رهن عوامل كثيرة تبدأ من الأعلى إلى الأسفل، من القيادات إلى شرائح المجتمع كافّة وإلى العلاقات بين دول المنطقة فيما بينها.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن