النفط ومستقبل الطاقة

العرب والطاقة المتجدّدة: فرص واعدة واستراتيجيّات غائبة!

القاهرة - أحمد أبو المعاطي

المشاركة

تُدشّن مشروعات الطّاقة المتجدّدة والنظيفة، التي أطلقتها العديد من البلدان العربية خلال العقدين الاخيرين، مرحلةً جديدةً على طريق الأمن العربي في مجال الطاقة، لكنّ هذا التحوّل السريع نحو استخدامات الطاقة النظيفة، يواجه، على الرّغم ممّا يحظى به من فرص واعدة، سلسلةً من التحدّيات تتمثّل معظمها في غياب استراتيجية عربية موحّدة، تواكب التطورات العالمية، من أجل استخدام أمثل للموارد الطبيعية العربية، وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، لِما تتسبّب فيه من أضرار بيئيّة خطيرة.

العرب والطاقة المتجدّدة: فرص واعدة واستراتيجيّات غائبة!

ينظر الكثير من الخبراء إلى عمليات التحوّل الكبرى، نحو إنتاج الطاقة المتجددة في العديد من بلدان العالم، باعتبارها السبيل الوحيد لمواجهة الكوارث المتوقّعة النّاتجة عن التغيّرات الحادّة في المناخ، والارتفاع الكبير في درجات حرارة الأرض، لكنّ الأمر في حقيقته لا يُعدّ - بالنسبة للمنطقة العربية على وجه الخصوص - مسألة بيئية فحسب، إذ يمكن النظر إليه باعتباره خطوة استراتيجية كبرى، يمكن من خلالها تحقيق حزمة ضخمة من الفوائد الاقتصادية والاجتماعية؛ لِما سوف توفِّره عمليات التحوّل من فرص عمل ضخمة، وتوسّع كبير في العديد من المشروعات التنموية، والكثير منها يحتاج إلى كلفة تشغيل ضخمة بسبب الوقود التقليدي، فضلًا عمّا سوف يسهم فيه مثل هذا التحوّل، من تحقيق أمن واستقرار المنطقة العربية، من خلال تقليل فاتورة استيراد الوقود، والفكاك من قبضة تقلّبات أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية.

يصنِّف الخبراء في هذا المجال، الطاقة الشمسيّة ضمن أبرز مصادر الطاقة النظيفة في المنطقة، خصوصًا في مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات والجزائر وليبيا والمغرب، ما يجعلها بيئة مثالية للاستفادة من هذه الطاقة، إلى جانب ما تملكه من إمكانات طبيعية أخرى هائلة ممثّلة في طاقة الرياح، التي لا يمكن إغفالها في عددٍ كبير من المناطق الساحلية في مصر والأردن وبعض المناطق على سواحل البحر الأحمر في المملكة العربية السعودية، التي تتصدّر مشاريع الطاقة المتجدّدة، مثل مشروع "نيوم" للطاقة الشمسية والرياح ضمن رؤيتها للعام 2030، إلى جانب مشروع "مدينة مصدر" في الإمارات العربية المتحدة، وجميعها مبادرات حسبما تقول الدكتورة أميرة عبد المنعم، أستاذة تكنولوجيا المعلومات في كلية التربية جامعة المنصورة، تعكس رغبةً عربيةً في تعزيز الاعتماد على الطاقات المتجدّدة، من أجل تحقيق أهداف التنمية المُستدامة، لكنّ تلك الأهداف لا يمكن لها أن تتحقّق، إلّا عبر تعاون إقليمي واسع يجمع الدول العربية، ويقوم على دعم البحث العلمي والتّكنولوجيا والابتكار، في مجالات الطاقات المتجدّدة، وتبادل الخبرات والمعرفة، فالتّكنولوجيا والابتكار يجب ألا يقتصرا على الجانب التقني فحسب، بل يتعيّن أن يشملا الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية، عبْر تطوير السياسات والتشريعات الداعمة للطاقة المتجدّدة، وتعزيز الاستثمار في هذا القطاع الحيوي، كما تُمثّل التوعية المجتمعية بأهمّية الطاقة المتجددة، والفوائد البيئية والاقتصادية المترتّبة على استخدامها، دافعًا قويًا لتبنّي هذه التقنيات على نطاق واسع في العديد من البلدان العربية.

تمتدّ محطات الطاقة الشمسية في قرية بنبان التابعة لمحافظة أسوان جنوب مصر، على مساحة ضخمة، تزيد على تسعة آلاف فدّان، تنتشر خلالها 32 محطة شمسيّة، تصل قدرتها إلى نحو 1465 ميغاوات، وتخطّط مصر لرفعها خلال سنوات قليلة إلى 2050 ميغاوات، ما سوف يجعل من مشروع الطاقة الشمسية في بنبان واحدًا من أكبر مشروعات الطاقة النظيفة عالميًّا، بحيث نال المشروع منذ بداية انطلاقه في 2015 إشادات واسعة من منظمات دولية، كما فاز بعددٍ من الجوائز العالمية من بينها جائزة أفضل مشروع لعام 2019، التي يُقدّمها البنك الأوروبي سنويًّا، وهو ما مكّن مصر من جذب حزمة استثمارات بلغت نحو 146 مليون دولار أميركي لدعم هذا المشروع، الذي كان سببًا في جذب استثمارات إضافية بقيمة 653 مليون دولار، خُصّصت لدعم وتطوير مشروعات الطاقة النظيفة، عبر تحالفٍ جديدٍ يضم نحو 40 شركة دولية، ويعمل على إنشاء مجمّع ضخم لتوليد الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسية.

يُعيد الصّدى اللافت الذي حققه مشروع الطاقة الشمسية في قرية بنبان على المستوى الدولي، الحضور المصري إلى العديد من المحافل المختصة بصناعة الطاقة النظيفة، إذ تذهب العديد من الدراسات إلى أنّ مصر كانت أوّل دولة في العالم تدخل مجال الطاقة الشمسية والمتجدّدة في بواكير القرن الماضي، على يد الأميركي فرانك شومان، ويقول الدكتور أشرف عبد الحميد زهران الباحث في معهد الدراسات والبحوث البيئية بجامعة مدينة السادات، إنّ شومان الذي رفضه العالم واستقبلته مصر، نجح في إنشاء أول محطة شمسية في العالم في ضاحية المعادي عام 1912، وقد احتوت وقتها على خمسة مجمّعات للطاقة الشمسية، انتهت إلى تشغيل محرّك بقوة 55 حصانًا، لضخّ 2000 ليتر مياه في الدقيقة من نهر النيل إلى حقول القطن المجاورة، وقد تصدّرت أخبار تلك المحطة الشمسية وقتها، غلاف أقدم المجلات الأميركية المتخصّصة "Electrical Experimenter" التي نشرت صورةً كبيرةً لصحراء المعادي، وفي الخلفيّة عدد من الجمال التي تنقل المركِّزات الشمسية، فيما عدد من المهندسين المصريين يستظلّون مع فرانك شومان أسفل عددٍ من أشجار النخيل في المنطقة.

وأجهض اندلاع الحرب العالمية الأولى واكتشاف النفط الرخيص في الثلاثينيّات، حلم فرانك شومان، وخفّف من أهمية اكتشافه فتعرّض لإهمالٍ كبيرٍ، قبل أن يُعاد إحياء أفكاره وتصميماته الأساسية في السبعينيّات، خلال فترة موجة الاهتمام بالطاقة الشمسية الحرارية، لكنّ ذلك لم يتزامن، حسبما ترى الدكتورة فاطمة نسيم أستاذة الاقتصاد في كلية التجارة جامعة دمياط، مع إقرار حزمات مناسبة من قوانين الاستثمار خلال عقدَي السبعينيّات والثمانينيّات، يمكن أن تصبح عامل جذبٍ للاستثمار في هذا القطاع الحيوي، واستقبال التّكنولوجيا الحديثة من الخارج إلى الأسواق العربية، على نحوٍ يمكن أن يساهم في زيادة الإنتاجيّة لمشروعات الطاقة النظيفة، وقد يكون السبب في ذلك يرجع بالأساس لحالة الكساد التي شهدتْها الاسواق المحلية والعالمية في ذلك الوقت، وهو ما بات يفرض على الحكومات العربيّة، ضرورة العمل على إقرار المزيد من الإجراءات التي من شأنها أن تُسهّل من عمليات نقل التّكنولوجيا الحديثة في هذا المجال، والاستفادة من جهود ودراسات العديد من المنظمات الدوليّة، العاملة في تلك القطاعات الحيوية، مع ضرورة وضع حوافز مالية وضريبية وتشريعية تستهدف دعم الصناعات ذات التّكنولوجيا المتطوّرة في هذا المجال، باعتبار ذلك كله هو السبيل الوحيد للحاق العالم العربي بالتحوّل العالمي الجديد، نحو الاقتصاد الأخضر.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن