تصعيد جديد تعيشه المنطقة التي تغلي في أكثر من بقعة جغرافية مع توافق الأجندة الاميركية - الاسرائيلية، حتى بات من السهل الحديث عن تقاسم الادوار والأهداف بحجة "القضاء على الارهاب ورعاته"، فيما الانتهاكات والاعتداءات تخيم على سكان غزّة ولبنان وسوريا واليمن، هذا ناهيك عن أن العراق ليس ببعيد عما يجري مع تصاعد الضغوط المفروضة على ايران، والتي اعاد الرئيس الاميركي دونالد ترامب تفعيل محركاتها منذ عودته الى البيت الابيض. فعلى الرغم من أحاديثه المتكررة عن انهاء الحروب وإحلال السلام، لا يعكس المشهد الحالي ما وعد به ترامب خلال حملته الرئاسية، ما عدا مساعيه الجادة لوقف الحرب الاوكرانية ولو على حساب كييف نفسها وتعزيز دور موسكو وتلبية شروطها.
فمنذ لحظة تنصيبه رئيساً، يعمل ترامب على قلب المعادلات وتغيير موازين القوى الاقليمية واستهداف الاصدقاء والخصوم على حد سواء، فيما سياسته تتماهى مع المطامع الاسرائيلية بشكل تام، وقد بدا ذلك جلياً مع استئناف القتال في غزّة. وفي التطورات الاخيرة، نفذ الجيش الإسرائيلي سلسلة من الغارات المكثفة على مدينة بيت لاهيا، شمال القطاع، موقعاً عدد كبير من الشهداء والجرحى، فيما صرح مدير المستشفى الإندونيسي بأن "المنطقة تتعرض لإبادة جماعية". وحتى الساعة لم تفلح جهود الوسطاء في إعادة احياء المفاوضات لوقف الحرب خاصة بعدما صرح البيت الابيض بأن الرئيس ترامب "يدعم بالكامل" كل الخطوات الاسرائيلية التصعيدية، محمّلاً حركة "حماس" المسؤولية.
ويشكل ذلك إنقلاباً اميركياً على الاتفاق الذي سبق وتم إبرامه برعاية من الوسطاء خاصة أن طرح خطة المبعوث الاميركي للشرق الاوسط ستيف ويتكوف كان الهدف منها الانقضاض على اتفاق وقف النار وطرح بدائل هدفها فقط اطلاق سراح المحتجزين لدى "حماس" من دون تقديم أي وعود بعدم عودة الحرب وتحقيق الانسحاب الاسرائيلي الكامل من غزّة. ومع عودة التصعيد وأوامر الاخلاء، أعلن الجيش الاسرائيلي توسيع عمليته البرية لتشمل منطقة رفح في أقصى جنوب القطاع بالتزامن مع استمرار الحصار المطبق واغلاق كافة المعابر كما قطع الكهرباء ما يعني مفاقمة الاوضاع في القطاع الذي يعيش سكانه مرارة النزوح والتشرد والحرب مجدداً في وقت لم تندمل بعد جراح الحرب السابقة.
وفي هذا الاطار، قال الدفاع المدني في غزّة إن "504 أشخاص استشهدوا حتى الآن في الهجوم الإسرائيلي المتجدد، بما في ذلك أكثر من 190 طفلاً". ويشكل الاطفال والنساء بنك اهداف تل أبيب التي لن تتراجع عن فكرة تهجير الفلسطينيين عبر تضييق الخناق عليهم بشتى الوسائل الممكنة. هذا وكان الجيش أعلن، في وقت سابق، اغتيال قائد جهاز الأمن العام في القطاع رشيد جحجوح، ضمن سلسلة الاستهدافات التي شملت قياديين أخريين في حركة "حماس" خلال الأيام القليلة الماضية. بدورها، شدّدت الامم المتحدة على ان استئناف القتال من شأنه أن يجعل عودة الرهائن المتبقين أكثر صعوبة. ويجهد أهالي الاسرى المحتجزين لدى الحركة في تنظيم تظاهرات حاشدة شبه يومية واعلاء مطالبهم الخاصة باستئناف الهدنة، متهمين رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو باستغلال حرب غزّة لأغراض سياسية بحتة. يُشار الى أنه ولأول مرة منذ سقوط مفاعيل الهدنة الهشة، أعلنت "كتائب القسام" عن اطلاق رشقة صواريخ من القطاع باتجاه تل أبيب.
بموازاة ذلك، أفادت وسائل إعلام إسرائيليّة عدة أن مجلس الوزراء الأمني المصغر صوت بالاجماع، في ساعة مبكرة من صباح اليوم، لصالح اقتراح نتنياهو والقاضي بإقالة رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) رونين بار. وتشكل هذه الإقالة سابقة في تاريخ إسرائيل حيث لم يسبق أن قامت أي حكومة من قبل بخطوات مماثلة ضد رئيس لجهاز "الشاباك". وكان بار، الذي لم يشارك في الجلسة بعث برسالة إلى أعضاء الحكومة، بحسب صحيفة "هآرتس"، اعتبر فيها أن استبعاده من فريق التفاوض بشأن المحتجزين في غزّة أضر بذلك بدلًا من أن يُسهم في التوصل إلى اتفاق. وحذر من أن إسرائيل "تمر بمرحلة صعبة ومعقدة للغاية..حيث حركة "حماس" لم تُهزم بعد". كما لفت الى أن بلاده تمر "في خضم حرب متعددة الجبهات ونفوذ إيران يتغلغل". وقال إن "الغريب في الأمر أنه في ظل هذه الظروف، تتخذ الحكومة خطوات تُضعفها، داخليًا وأمام أعدائها".
المشاهد الدموية القادمة من قطاع غزّة والأخرى من مشاهد التنكيل والتدمير الممنهج في الضفة الغربية تترافق مع استمرار الضربات الاسرائيليّة على لبنان وانتهاك اتفاق وقف النار رغم أن لبنان الرسمي يسعى بكل القنوات المتاحة الى وقف هده الاعتداءات وضمان انسحاب اسرائيل من الاراضي التي لا تزال تحتلها. واستهدفت الغارات الجوية أمس منطقة البقاع شرق لبنان كما نفذ العدو أربعة ضربات في الجنوب، مبرراً ذلك بـ"مهاجمة موقعاً عسكرياً يحتوي على بنية تحتية لجماعة "حزب الله" في منطقة البقاع، بالإضافة إلى موقع آخر قال إنه يحتوي على منصات إطلاق صواريخ في جنوب لبنان".
على المقلب اليمني، أكدت "القيادة المركزية الأميركية" أن الحملة التي أمرّ بها الرئيس دونالد ترامب ضد قدرات الحوثيين وقادتهم مستمرة على مدار الساعة مع تنفيذ سلسلة من الغارات ليل الاربعاء والتي استهدفت صنعاء والحديدة وعدد أخر من المدن اليمنية. من جهتها، تبنّت الجماعة مهاجمة "مطار بن غوريون" في تل أبيب بصاروخ باليستي، كما أشارت الى توجيه ضربات لحاملة الطائرات الأميركية "هاري ترومان" والقطع البحرية المرافقة لها لليوم الخامس. ويتخوف اليمنيون من معاودة شن تل ابيب، الى جانب الولايات المتحدة، غارات على البلاد التي تعاني اصلاً من واقع معيشي صعب وفقر مدقع.
وفي سوريا، أعلن الجيش الإسرائيلي عن قيامه بتدريبات واسعة في هضبة الجولان المحتلة "تستهدف فحص جاهزية الجيش لمواجهة أحداث أمنية في المستقبل". وتثير الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة المخاوف مع توسيع نطاق عملياتها البرية والجوية منذ سقوط النظام السابق. أما سياسياً، فقد أفاد الكرملين بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعث برسالة إلى نظيره السوري أحمد الشرع يعبّر فيها عن دعمه للجهود المبذولة لضمان وحدة أراضي سوريا، ويعرض "التعاون العملي" بشأن مجموعة كبيرة من القضايا. وتسعى موسكو الى الحفاظ على قواعدها العسكرية في سوريا ونفوذها هناك والذي تعاظم خلال مرحلة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وتجسيداً لخطوات الانفتاح الاوروبية على الادارة السورية الجديدة، أعادت ألمانيا، أمس، افتتاح سفارتها رسمياً في دمشق، بعد إغلاق دام أكثر من 12 عاماً. وجاء ذلك خلال زيارة لوزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك التي اتهمت "حزب الله" وإيران وفلول نظام الأسد بزيادة التوتر في البلاد، مشددة على ضرورة "تحقيق العدالة للضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، لاسيما في الأحداث الأخيرة التي شهدها الساحل السوري".
الى ذلك، تستمر الضغوط على ايران لدفعها نحو الجلوس على طاولة المفاوضات بشأن عقد اتفاق نووي جديد، حيث نقل موقع "أكسيوس" الأميركي عن مصادر بأن الولايات المتحدة وإسرائيل ستعقدان محادثات استراتيجية بشأن البرنامج النووي الإيراني في البيت الأبيض الأسبوع المقبل. تزامناً، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن فرض المزيد من العقوبات على جهات متورطة في شراء النفط الإيراني، شملت شركة صينية 19 وكياناً وسفينة، معلّلة ذلك "بوقف تدفق الإيرادات التي يستخدمها النظام الإيراني لتمويل أنشطته المزعزعة للاستقرار". وتعدّ هذه الإجراءات ضمن الجولة الرابعة من العقوبات التي تستهدف قطاع النفط الإيراني بشكل خاص، منذ أن باشر الرئيس ترامب فرض سياسة "الضغوط القصوى" على إيران منذ إعادة انتخابه رئيساً.
في السيّاق عينه، وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رسالة ترامب بأنها "تحتوي على تهديدات ومزاعم باحتوائها على فرص"، موضحاً أن بلاده تجري "دراسة لكل الزوايا والنقاط"، ولكنها "ليست في عجلة من أمرها" للرّد عليها. كما قال "سياستنا هي المفاوضات غير المباشرة ما دامت التهديدات مستمرة (...) نحن مستعدون للحرب، لكننا لا نرحب بها... العام المقبل سيكون عاماً صعباً ومهماً ومعقداً". يُذكر أن المرشد الاعلى علي خامنئي رفض رسالة ترامب الأسبوع الماضي، ووصفها بأنها خدعة كما سبق ذلك مواقفه الحاسمة لجهة عدم التفاوض مع واشنطن تحت ما أسماه "البلطجة".
وعلى الرغم من التأزم وتعقد المشهد السياسي برمته في المنطقة، برّز ما يحصل في تركيا عقب مظاهرات حاشدة في مختلف أنحاء البلاد احتجاجًا على اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، المرشح الأبرز لمنافسة الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان على رئاسة تركيا، بتهم تتعلق بالفساد والارهاب. وفي وقت باشرت السلطات تحقيقاتها مع أوغلو و78 آخرين من أصل 106 مطلوبين شملتهم مذكرة اعتقال الصادرة عن المدّعي العام لمدينة إسطنبول، ندّدت الدول الاوروبية بما جرى، واضعة إياه في اطار توجيه "ضربة قاصمة للديمقراطية في تركيا". فيما تمايز الموقفين الاميركي والروسي من حيث اعتبار ما يجري مجرد قرار داخلي.
وتنعكس تطورات المشهد العربي المزدحم بالتعقيدات على عناوين الصحف والمقالات العربية الصادرة اليوم. وضمن الجولة الصباحية نرصد:
رأت صحيفة "الخليج" الإماراتية أن "الحرب التي تشنّها إسرائيل على غزّة هي في الواقع حرب على الإنسانية جمعاء، ويخوضها بنيامين نتنياهو لأسباب سياسية شخصية، وليس لأية أسباب أخرى". وقالت: "لم يعد الصمت على الجرائم التي ترتكبها إسرائيل مقبولاً، فالعالم أمام تأجيج جحيم على الأرض بحق شعب أعزل، ما يؤدي إلى مفاقمة المعاناة واليأس، وتسعير التوتر في المنطقة، وقطع الطريق على كل الجهود المبذولة لوقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية للصراع".
وشدّدت صحيفة "الأهرام" المصرية على "ضرورة وقف التدمير وحقن دماء الشعب الفلسطيني في ظل صمت عالمي وأمريكي مريب". وأضافت "هناك 500 فلسطيني قتلوا في ليلة واحدة، هل كان العالم سيصمت إذا سقط هذا العدد في الحرب الأوكرانية، للأسف سقط العالم أخلاقيا وإنسانيا، وأصبح الدم العربي رخيصا"، واضعة هذا السقوط في إطار "كشف حقيقة المستنقع الذي نعيش فيه، والذي لا يعرف سوى لغة القوة، ولا يحترم إلا الأقوياء، وقد يكون القادم مرعبا في حالة استمرار الصمت الدولي على هذا القتل المستمر منذ 80 عاماً".
ومن وجهة نظرها تؤكد صحيفة "القدس العربي" بأن "مواقف الإدارة الأمريكية الجديدة، في الموضوعين الأوكراني والفلسطيني، أدت إلى إعادة موضعة للتوازنات والقوى في المنطقة العربية، فأدت إلى تقاربات بين المواقف السعودية – المصرية والتركية ـ القطرية، ولكنّها أعطت دفعا لقوى التطرّف في إسرائيل"، معلنة أن "مصير الفلسطينيين، واليمنيين، والمنطقة العربية ككل، سيكون مرتبطا بقدرات القادة والشعوب على تسيير رياح التغيير الكبيرة في العالم".
أما صحيفة "اللواء" اللبنانية، فأعربت عن تخوفها من بقاء "لبنان في حال من الفوضى وعدم الاستقرار وانحدار الاوضاع نحو الأسوأ وعرقلة الجهود والمساعي المبذولة لحل الازمات المتراكمة". وتابعت "لا يبدو ان هناك بوادر انفراجات ملحوظة، قد تحصل قريبا، لإخراج الاوضاع المأزومة جنوبا من الدوامة، وذلك قبل جلاء المنظر الاقليمي، لاسيما ما يتعلق بالحرب الإسرائيلية العدوانية على قطاع غزّة واتجاهاتها".
ودعت صحيفة "عكاظ" السعودية الى وساطة عربية في سوريا "تحيد تأثير العصبية والحمية الطائفية، وتعمل على التوفيق بين الطوائف وبين نظام الحكم الجديد؛ لكي تستقر دمشق ويتم عزل العناصر المثيرة للشغب والفتنة عن الحاضنة الشعبية"، معتبرة أنه "إذا لم تتدخل أطراف عربية فإن قوى اقليمية "ستستغل هذا الصراع لكسب ولاء هذه الطوائف، وهذا سيكون عامل عدم استقرار ويشجع على الإرهاب الطائفي وتوسع التمرد، فالوضع في سوريا يحتاج لاتفاق طائف جديد كالذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية"، على حدّ وصفها.
من جهتها، أوضحت صحيفة "البلاد" البحرينية أن القضاء على الحوثيين "يعني ضعف النفوذ الإيراني في المنطقة خصوصا بعد فقد ذراعين مهمين في لبنان وسوريا بعد سقوط نظام الأسد، ولم يتبق لها إلا ذراع واحد فقط هو بعض المليشيات المسلحة في العراق الموالية لإيران، والتي لا تزال ترفض تسليم سلاحها للجيش العراقي وتمثل عقبة رئيسة في علاقات العراق مع أميركا"، معززة احتمالات ضرب أميركا لايران وذلك بعد تطابق الموقفين الأميركي والإسرائيلي في ضرورة تدمير البرنامج النووي الإيراني، وفق تعبيرها.
(رصد "عروبة 22")