يُعدّ مسلسل "معاوية" أحد أكثر المشاريع طموحًا لهذا العام. فمن إنتاج سعودي وبميزانية تصل إلى 100 مليون دولار، يُصوّر المسلسل حياة معاوية بن أبي سفيان، فيغوص في البدايات الأولى للخلافة الإسلامية والتحديات العسكرية والسياسية والعقائدية التي واجهت الدولة الأموية.
وعلى الرَّغم من حساسيّة التناول الدرامي للقصّة التاريخية وما أثارته من نقاشاتٍ وجدلٍ واسعٍ في جميع أنحاء الوطن العربي، إلّا أنّ العمل لا يزال يجذب نسبة مشاهدة كبيرة، ممّا يعكس المشهد الثقافي المتطوّر في ظلّ سياسات الانفتاح والتسامح التي تقودها المملكة العربية السعودية.
وفي السياق نفسِه، حقّق مسلسل "شارع الأعشى" نجاحًا باهرًا داخل المملكة وخارجها. يسافر بنا هذا العمل الدرامي المميّز إلى سبعينيّات القرن الماضي، فنشاهد التحوّلات الاجتماعية والثقافية التي طرأت على بنية المجتمع السعودي آنذاك. يجوز لنا القول إنّ "شارع الأعشى" هو احتفاءٌ بالأسرة السعودية التقليدية والتحدّيات التي خاضتها والنجاحات التي حققتها خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.
الدراما السورية تتنفس تحت الركام
لطالما أتحفتنا الدراما السورية بأروع الأعمال التلفزيونية التي ظلّت راسخة في ذهن أجيال من المشاهدين العرب. "قلم حمرة"، "الولادة من الخاصرة"، "باب الحارة"، "التغريبة الفلسطينية" وغيرها الكثير من القصص الإنسانية الساحرة التي أسَرتنا عبر عقود تربّعت فيها الدراما السورية على عرش الإنتاجات العربية. وإن كان بعض المسلسلات هذا الموسم الرمضاني لاقى استحسان الجمهور كـ"البطل" و"تحت سابع أرض"، غير أنّ هذه الدراما تعود في أغلبها اليوم بإنتاجاتٍ متواضعة فقدت الأصالة والروح السورية المتميّزة، لتصبح نسخًا من الدراما التركية والكورية.
نشاهد مثلًا مسلسل "قطع وريد" الذي يحاول تقديم صنف الإثارة والغموض والجريمة، ولكن في قالب إخراجي باهت وبأداء متصنّع. نجد كذلك مسلسل "السبع" وهو عملٌ يندرج تحت صنف الفانتازيا التاريخية التي يبدو أنّها فقدت بريقها هي الأخرى. و"السبع" مسلسل يرصد حياة الغجر والصراعات حول السلطة والانتقام.
الدراما المصرية... غزارة في الإنتاج وفقر في الجودة
أما الدراما المصرية فستستمر في إغراق السباق الرمضاني بأعمال متكرّرة تتّسم غالبًا بالاحتفاء بالعنف والتطبيع مع سلوكيّات مسيئة للمرأة والمجتمع. وقد أصبحت قصص "الفتوة" العنوان السنوي العريض للتلفزيون المصري، كمثال على ذلك، مسلسل "فهد البطل" الذي يجسّد دراما مبتذلة تقدّم تصوّرًا مشوّهًا لما يجب أن تكون عليه مفاهيم الرجولة والشهامة والسعي لتحقيق العدالة. نجد كذلك مسلسل "إش إش" الذي لا يقل ابتذالًا عن "فهد البطل" من حيث سذاجة الحبكة والأداء المصطنع للبطلة.
وعلى الرَّغم من موجة الرداءة التي طغت على المشهد الدرامي المصري في الفترة الأخيرة، إلّا أنّ العديد من الأعمال الجادّة والمهمّة قد أنقذت الموسم الدرامي لهذا العام. ونذكر هنا على سبيل المثال، مسلسل "لام شمسية" الذي يناقش قضايا التحرّش والاعتداء الجنسي على الأطفال، إذ سلّط صنّاع العمل الضوء بالكثير من الشجاعة والجرأة على واحد من أخطر التابوهات فتكًا بفلذات أكبادنا في مجتمعنا العربي.
الدراما المغاربية... حضور لافت وأداء متطوّر
مغاربيًا، تُقدِّم تونس مسلسل "الفتنة"، والحديث عن دراما اجتماعية تغوص في قضايا الميراث التي تُعدّ من بين أكثر المواضيع الاجتماعية والدينية جدلًا في السياق الثقافي التونسي. يتناول المسلسل قضايا مجتمعية راهنة، مُقدِّمًا شخصياتٍ مُعقَّدة ومعضلاتٍ أخلاقية تحثّ المشاهد على التفكير وطرح تساؤلات بشأن العديد من المسلّمات.
كما تميّزت الدراما المغربية لهذا الموسم الرمضاني بالجرأة والشجاعة في طرح قضايا إنسانية من العمق المغربي. مسلسل "رحمة" الذي ناقش تابوهات ثقافية واجتماعية مُهمّة مثل العنف ضدّ النساء وبعض قوانين الأحوال الشخصية المهترئة، وسلّط الضوء كذلك على معاناة الأمّهات العازبات مع الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة.
نجد أيضًا مسلسل "الدم المشروك" الذي صوّر العصبية القبلية والصراعات الدموية على الأرض والسلطة والموارد المائية التي ما زالت تعاني منها العديد من المناطق البدوية في مختلف أرجاء المغرب.
ونحن على مشارف نهاية السباق الرمضاني لهذا الموسم، لا يسعّنا إلّا أن نحتفي بالمجهودات الإبداعية التي يبذلها كل صنّاع الدراما العربية من المحيط إلى الخليج، على الرَّغم من العثرات والهفوات، إلّا أنّ المسيرة الفنية العربية في تقدّمٍ ملموس يعكس روح الانفتاح وقيَم التسامح والتعايش بيننا، مع الاحتفاظ بالخصوصيات الثقافية واللغوية لكل بلد... لعل ما تُفسده السياسة يُصلحه الفن.
(خاص "عروبة 22")