لا أعرف لماذا تذكّرت العبارتيْن، وأنا أقرأ مرّتيْن بيان "مجموعة السبع" الصادر عن اجتماع وزراء خارجيتها في "كيبيك"، بعد عشرة أيام فقط من قمّة القاهرة وبيانها ذي الثلاثة وعشرين بندًا.
بدا أنّ الدول التي عرفناها لعقودٍ تقول إنّها تدافع عن حقوق الإنسان وحقّ تقرير المصير، وتتحدّث عن عالمٍ تحكمه مواثيق جنيف ومحاكم لاهاي "الدولية" وأحزاب الخضر البيئيّة ويختلف عن عالم هتلر وموسوليني، على استعداد لأن تحنيَ رأسها للعاصفة الصهيونية (الترامبية) الآخذة في اكتساح كلّ ما كان مستقِرًّا من ثوابت.
لعلّها المرة الأولى منذ "أوسلو" يخلو بيان "دبلوماسي" للدول السبع من مصطلح "حلّ الدولتيْن"
بين الدول (السبع)، لا غرابة طبعًا في الموقف الأميركي (الترامبي) المتراجِع بكل صراحة فجَّة عمّا كان مستقِرًّا في الدبلوماسية الأميركية (المعلنة) لعقود، ولكن ما بدا من تماهٍ من بقية الدول السبع، بالإضافة إلى ممثل الاتحاد الأوروبي مع هكذا موقف بدا لافتًا، وخطيرًا، ولا يمكن الاستهانة به. إذْ لعلّها المرة الأولى منذ "أوسلو"، التي أجهضها الإسرائيليون لا غيرهم، يخلو بيان "دبلوماسي" لهذه الدول عند الحديث عن الشرق الأوسط من المصطلح "الدبلوماسي" الأثير: "حلّ الدولتيْن"، ليأخذ مكانه مصطلح غامض فضفاض، لا معنى محدّدًا له: "political horizon for the Palestinian people / أفق سياسي للفلسطينيين"، مما يُعدّ تراجعًا لا لبس فيه ليس فقط عن أسُس ومرجعيات التسوية المتّفق عليها دوليًّا، وكلّ القرارات الأممية ذات الصلة، بل وأيضًا عن كل المواقف السابقة، والمعلنة في أكثر من مناسبة للدول الأعضاء في مجموعة السبع ذاتِها، فضلًا عن قرار مجلس الأمن (2735) الصّادر قبل أقلّ من عام، والذي ينصّ في بنده السادس على "التزامه الثابت برؤية حل الدولتيْن حيث تعيش دولتان ديموقراطيتان، إسرائيل وفلسطين، جنبًا إلى جنب في سلام داخل حدود آمنة ومعترَف بها، بما يتّفق مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة".
"أفق سياسي" غير محدّد المعالم أو الصفات، تعبير لا يعني غير "ما لا يعنيه": لا دولة، ولا حدود آمنة، ولا حق في تقرير المصير.
أعرف أنّ "حل الدولتيْن" بات واقعيًّا محلّ سؤال كبير، ولكن اختفاء المصطلح (هكذا) من البيانات الدبلوماسية ذات العلاقة، له دلالات سياسية تتجاوز بكثير النقاشات الأكاديمية حول المسألة.
الظّلال الأميركية - الإسرائيلية في ما بدا من تحيّزات لغة بيان "مجموعة السبع" هذا، كانت واضحة في أكثر من عبارة. ففي حين أغفل البيان ما تعرّض له "المدنيون" في غزّة على مدى الأشهر الخمسة عشر لحربٍ غير متكافئة، "أكّد" على حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسِها "طبقًا للقانون الدولي"، في حين تناسى تمامًا هذا القانون الدولي حين أغفل حقيقة أنّ الجيش الإسرائيلي الذي ارتكب كلّ ما نعرفه في غزّة هو "جيش احتلال" طبقًا لهذا "القانون الدولي"، فضلًا عن دلالة ما قررته محكمة العدل "الدولية" ذاتِها بشأن اتهام إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية في القطاع "المحاصَر".
تشكيل نظام عالمي جديد تتوارى فيه المبادئ خلف المصالح وتصبح موازين القوى الفعلية على الأرض هي الحاكِمة
غير بعيد عمّا قرأناه في "كيبيك" الكندية، التي شهدت اجتماع وزراء خارجية "مجموعة السبع"، ما سمعناه في "لندن" البريطانية بعدها بأيام حين سارعت حكومة بريطانيا "العظمى"، في سابقة نادرة إلى (تراجع يقترب من الاستنكار) عن تصريحات وزير خارجيتها ديفيد لامي، التي قال فيها إنّ إسرائيل خرقت القانون الدولي بمنعها دخول المساعدات إلى غزّة.
نفهم أنّه في هذه اللحظة المرتبكة، التي تشهد تشكيل نظام عالمي جديد، تتوارى المبادئ خلف المصالح، وتصبح موازين القوى الفعلية (على الأرض) هي الحاكِمة لسلوك هذه الدولة أو تلك.
ربما كانت هذه حقيقة لا نملك لها دفعًا، ولكنّنا، والحال هكذا، لا نعرف على ماذا إذن راهنت قمّة العرب الأخيرة حين أغفلت "أوراق الضغط" التي يمكن أن تكون بدورها فاعلة (على الأرض)، تهديدًا، أو تلميحًا، أو حتّى مجرّد إشارة؛ إعادة النظر في معاهدات "سلام" ينتهكها الاسرائيليون كل يوم، أو إيقاف قطار تطبيع، كان المجتمعون أنفسهم قد وضعوا له شروطًا في قمّتهم البيروتيّة قبل عقود، أو على الأقل إعادة النظر في استثمارات بالمليارات. أو حتى جهود دبلوماسية وقانونية "جادة"، كانت جنوب أفريقيا البعيدة سباقة إليها.
لا أنسى يوم قال لي سفير لدولة غربيّة، في دردشة على طاولة عشاء خاص، إنّهم (في الغرب) يعرفون جيدًا أنّ للفلسطينيين حقوقًا، وأنّ إسرائيل دولة احتلال توسعيّة، ولكن "لموازين القوى" أحكام، ولذا فهُم يكتفون دبلوماسيًا بإدارة الصراع للحفاظ عليه "باردًا" قدر الإمكان، بدلًا من البحث عن "حلّ عادل"، يبدو واقعيًا "بحكم موازين القوى" بعيد المنال.
"لموازين القوى أحكام"، أحسب أنّها العبارة المفتاح في حديث الدبلوماسي "الصديق"، الذي لولا تلك الصداقة، ما أظنّه كان سيتحدث بهذه الصراحة والوضوح.
بعضنا يرى أنّ "واقعية موازين القوى" ينبغي أن تحكم موقفنا وأنّه من "الواقعية" أن ننفض يدنا من القضية الفلسطينية
"لموازين القوى أحكام" هي بالتأكيد العبارة التي حكمت مفردات بيان الدول السبع الأخير، بعد أن غابت قوّة العرب، عن بيان قمّتهم القاهرية، الذي، وبدلًا من التلويح فيه بما لديهم من عناصر قوّة، حرصوا في صياغته المهذّبة على عدم إغضاب "السيّد" الجالس في البيت الأبيض، بل والتنويه بالدور "الإيجابي" الذي اضطلعت به إدارته (هكذا نصًّا) وذلك على الرَّغم من أنّ الدعوة للقمّة لم تكن، كما فهمنا (وبعض الفهم إثم) إلّا للردّ على خطته بشأن غزّة وسكانها، والضفّة ومستقبلها، فضلًا عن حديثه الواضح، الذي نتناساه عن كون مساحة إسرائيل "أصغر مما ينبغي أن تكون عليه"!.
هل تعرفون معنى عبارة السيّد ترامب عن مساحة إسرائيل، التي هي "أصغر مما ينبغي أن تكون عليه" بالنسبة إلى الأمن القومي العربي.
أخشى أن بعضنا بات يرى أنّ "واقعية موازين القوى" التي حكمت بيان "مجموعة السبع" ينبغي أن تحكم موقفنا أيضًا، (وبياناتنا) أيضًا. بل لعلّي لا أكون مبالِغًا في التشاؤم لو خشيت أن يكون بيننا، وإن لم يُصرّح بذلك بعد، مَن بات يرى أنّه من "الواقعية" أن ننفض يدَنا من "القضية" ذاتِها، متناسين أنّها ليست قضية "الفلسطينيين" فحسب، بل قضية العرب، إذا كان بينهم من يعرف التاريخ والجغرافيا، ويدركُ بحق معنى "الأمن القومي"، ومعاييره، واستمع جيدًا إلى السيد ترامب، وقرأ جيدًا خريطة القوى الإسرائيلية، وقرارات الكنيست، وتمعّن في تفاصيل المخطّط الصهيوني (القديم/الجديد) لشرق أوسط يهيمنون عليه. وفي هذا حديثٌ يطول.
(خاص "عروبة 22")