عاش لبنان ساعات عصيبة ومرّ بقطوع خطير أمس أعاد الى الاذهان يوميات الحرب الاسرائيليّة الاخيرة، والتي لم يتخطَ لبنان بعد ندوبها وما خلّفته من خسائر بشرية واقتصادية كبيرة. فالصواريخ "اليتيمة"، التي بقيت "مجهولة المصدر والهوية"، حرّكت مخططات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس اللذان قررا الرّد بعنف وشراسة على الصواريخ التي أُطلقت من جنوب لبنان باتجاه مستعمرة المطلة الحدودية وتنفيذ سلسلة مكثفة من الغارات على دفعتين في خرق فاضح لاتفاق الهدنة.
فبعد 4 أشهر من الهدنة الهشة التي يتعمد جيش الاحتلال الى نقضها عبر انتهاكات واعتداءات شبه يومية عادت المخاوف من جرّ لبنان إلى أتون حرب جديدة، لا يريدها ولا يتحمل تبعاتها حتى "حزب الله" نفسه الذي سارع الى نفي "أي علاقة" له بإطلاق الصواريخ، مؤكداً التزامه بـ"اتفاق وقف النار، وأنّه يقف خلف الدولة اللبنانية في معالجة هذا التصعيد". فيما تحركت الجهات الرسمية أمنيًا ودبلوماسيًا وفتحت تحقيقًا لتحديد ملابسات الحادثة ووضع الجميع أمام مسؤولياته درءًا لعودة "دوامة العنف" بحسب تصريحات رئيس الجمهورية اللبناني جوزاف عون.
وحالة العجز اللبنانية أمام العدوان الاسرائيلي المفتوح قابلها جملة من المواقف العربية والدولية المستنكرة والشاجبة لما جرى، وابرزها من بريطانيا وفرنسا وقطر ومصر كما الجامعة العربية والامم المتحدة، لاسيما أن الاوضاع في المنطقة تشهد تعقيدات مقلقة مع إستئناف الحرب على قطاع غزّة واستمرار الانتهاكات الاسرائيليّة في الضفة الغربية المحتلة وسوريا ناهيك عن الغارات الاميركية التي تدك مقار الحوثيين ومراكزهم في صنعاء والحديدة ومناطق يمنية أخرى والتحذيرات الصارمة التي توجهها واشنطن لطهران بـ"عواقب وخيمة" اذا لم تمتثل لرغبة الرئيس دونالد ترامب بالجلوس الى طاولة المفاوضات لابرام اتفاق جديد بشأن ملف ايران النووي.
فتأزم المشهد وفشل الوسطاء في تذليل العقبات التي تحول دون عودة الهدوء النسبي الى قطاع غزّة وغياب القدرة على ردع العدوان الاسرائيلي الذي يستفيد من الدعم الاميركي الممنوح من الرئيس ترامب وادارته الى نتنياهو "المحشور" داخليا، والذي يواجه محاكمة متعلقة بملفات فساد ونقمة شعبية مع استبعاده كل الشخصيات والاطراف التي تبدي معارضة لسياسته واخرها مدير جهاز "الشاباك" رونين بار بحجة القضاء على "الدولة العميقة" الى جانب مظاهرات اهالي الاسرى المحتجزين لدى "حماس" الذين يتهمونه علناً بوضع مصالحه الشخصية فوق صحة وسلامة أولادهم وذويهم وعرقلة اتفاق وقف النار.
وفي تفاصيل الاحداث المستجدة نبدأ من تطورات الوضع اللبناني بعدما أمر نتنياهو ووزير الدفاع الجيش الاسرائيلي بتنفيذ "سلسلة من الضربات ضد عشرات الأهداف الإرهابية لـ"حزب الله" في لبنان" رداً على إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل. وقد أسفرت هذه الغارات عن استشهاد 5 أشخاص من بينهم طفلة وإصابة 11 آخرين في غارة إسرائيلية على بلدة تولين جنوب البلاد. كما أعلنت وزارة الصحة عن اصابة 6 أشخاص في بلدتي حوش السيد علي وسرعين في البقاع بشرق لبنان. بدوره، أجرى الجيش اللبناني عمليات مسح وتفتيش أدت الى العثور على ثلاث منصات إطلاق صواريخ "بدائية الصنع" في الجنوب وعمل على تفكّيكها.
وبظل عدم تبنِ أي جهة مسؤوليتها عن عودة اطلاق الصواريخ وتوريط لبنان، تبقى الاوضاع مرهونة بالخطط الاسرائيليّة خاصة أن نتنياهو ووزرائه دعوا الى استهداف "بيروت مقابل المطلة"، متوعدين بالمزيد من الضربات في العمق اللبناني ومحملين الدولة وأجهزتها مسؤولية ما يجري على أراضيها. وتثير عودة الضربات استفهامات عديدة عن الجهة المتورطة والغايات المبيتة خلف توقيت هذه القذائف والرسائل الكامنة خاصة مع مساعي الحكومة الحالية للتأكيد على حصرية قرار السلم والحرب ورفض زج لبنان وشعبه في معارك عبثية. يُشار الى أن الاحتلال لا يزال يفرض سيطرته على 5 مواقع استراتيجية بجنوب لبنان، على طول الحدود مع شمال إسرائيل.
أما في غزّة، فالوضع يزداد صعوبة مع مواصلة جيش العدو هجماته الجوية وتوسيع نطاق عمليته العسكرية وسط ظروف انسانية مأساوية يعيشها الغزاويون الذين يواجهون أعتى ألة عسكرية وغياب المواقف الحاسمة لوقف الابادة المستمرة منذ أحداث 7 أكتوبر 2023. وقد دخلت حركة "فتح"، التي يتزعّمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، على الخط أمس بدعوتها حركة "حماس" إلى أن "تغادر المشهد الحكومي، وأن تُدرك تماماً أن المعركة المقبلة هي إنهاء الوجود الفلسطيني". وتتمسك الحركة بموقفها لجهة عدم التمسك بحكم غزّة ولكنها ترفض البحث بشأن تسليم سلاحها الا بشرط يقود الى اقامة دولة فلسطينية مستقلة. وتزيد الخلافات المتواصلة بين "فتح" و"حماس" من تعقيدات المشهد السياسي خاصة أن عدم اتفاقهما سوية يترجم على أرض الواقع ويدفع نحو غياب الحلول وادخال البلاد في معارك اضافية.
في حين تسعى تل أبيب الى القضاء على "حماس" وكوادرها وقد أعلن عن ذلك نتنياهو مراراً وتكراراً الذي يهدّد بتصعيد العمليات العسكرية في الأيام المقبلة للضغط من أجل إطلاق سراح الرهائن المحتجزين. ومنذ عودة القتال تم استهداف عدد من القياديين البارزين وأخرهم اغتيال العضو بالمكتب السياسي للحركة صلاح البردويل. وتزامن ذلك مع وصول وفد من "حماس" الى العاصمة التركية، أنقرة، لبحث آخر التطورات السياسية والميدانية مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. في وقت جددت الدول الأوروبية دعوتها إلى وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات إلى القطاع الفلسطيني المُحاصر والمنكوب. وذكرت وزارة الصحة في غزّة، في بيان، أمس، أن حصيلة الشهداء منذ يوم الثلاثاء، بلغت 634 شخصًا، مشيرة إلى أن 130 منهم وصلوا إلى المستشفيات خلال آخر 48 ساعة.
ومن غزّة الى اليمن، حيث أفادت معلومات صحافية عن استهداف مطار الحديدة الدولي الى جانب غارات أميركية أخرى شملت محافظة مأرب. وكانت شبكة تلفزيون "سي إن إن" نقلت، الجمعة، عن مسؤول أميركي قوله إن واشنطن قررت إرسال حاملة طائرات ثانية إلى الشرق الأوسط لتنضم إلى حاملة الطائرات "هاري ترومان" مع استمرار الهجمات على الحوثيين في اليمن.
وازاء هذه التطورات الدراماتيكية المتسارعة، يحاول العراق النأي بنفسه واعتماد الحياد خوفاً من أن تطاله شرارة العمليات الاسرائيلية والاميركية المستعرة في أكثر من دولة، حيث صرح وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، إن بلاده ليست جزءاً مما يُعرف بـ"محور المقاومة"، مهاجماً فصائل عراقية مسلحة بقوله إن "ما قامت به منذ أشهر أضر بالعراق كثيراً، ولم يفد القضية الفلسطينية". وحذّر حسين من أن تكون "إيران هدفاً لهجوم إسرائيلي لو فشلت في التوصل إلى اتفاق مع الإدارة الأميركية الجديدة".
على المقلب الأخر، واصل الجيش السوداني فرض سيطرته على العاصمة الخرطوم، بعدما استطاع، في وقت سابق، استعادة القصر الرئاسي في معركة ضد "قوات الدعم السريع". هذا واسترد الجيش، أمس، مواقع استراتيجية في العاصمة، شملت مؤسسات عسكرية ومدنية مهمة، فيما تراجعت قوات الدعم، من دون قتال، عن المواقع التي كانت تحت سلطتها منذ أكثر من عامين.
دولياً، وصف المبعوث الخاص للرئيس ترامب ستيف ويتكوف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بـ"الشخص الجدير بالثقة"، مؤكداً أن المحادثات الاخيرة التي تضمّنت مناقشات بشأن السعي إلى إنهاء الحرب الأوكرانية، كانت بنّاءة و"تستند إلى حلول". وفي السياق عينه، اعتبر أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يواجه "وضع صعب جداً وعليه أن يعلم أنّه سيُسحق. الآن هو الوقت الأمثل لإبرام صفقة".
وفي جولة اليوم على الصحف العربية الصادرة نرصد أبرز المواضيع والقضايا على الشكل التالي:
رأت صحيفة "البلاد" البحرينية أن "نتنياهو ضرب عرض الحائط كل شيء وكل ما أطلق من وعود، وقام من جديد بفتح أبواب الجحيم" على قطاع غزّة، مشددة على أن "الذي يجرى حاليا يؤكد شيئا واحدا هو أن نتنياهو ماضٍ على قدم وساق في تنفيذ خطة مسح غزّة من الوجود ووضع الشعب الغزاوي بين اختيارين لا ثالث لهما، إما التهجير أو الموت".
من جهتها، جدّدت صحيفة "الأهرام" المصرية "موقف القاهرة الثابت والمبدئي، والذى يتسم بالرفض القاطع والنهائي لأي محاولة لتهجير الأشقاء الفلسطينيين منها "قسرا أو طوعا" لأي مكان". وتابعت "إن مصر لن تقبل بأي محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني "تحت أى مسمى" وستظل تعلنها بكل وضوح لا "للوطن البديل" و"لا للتهجير"، مع الأخذ في الاعتبار أن "عدم التهجير القسري" من الحقوق الأساسية التي يحميها القانون الدولي.
ومن وجهة نظر صحيفة "الدستور" الأردنية، فإن "7 اكتوبر، كان انفجارًا إقليميًا ضخمًا، وهو أقرب الى "حالة هستيرية" قلبت الطاولة وفتحت أدراج المخططات الاسرائيلية والامريكية، ولعبة الخرائط الجديدة التي يلوح بها نتنياهو وقادة اليمين المتطرف الاسرائيلي"، واضعة ذلك كله في خانة السعي الاميركي الى "خلق واقع اقليمي مهمته خدمة اسرائيل وامنها المطلق، وتقديم ارغامات ترامب والتكشيرة الامريكية نحو دول الاقليم لتعويض الخسائر لاسرائيل، والمضي في قطار التطبيع وسيناريو تهجير فلسطينيي غزة".
إلى ذلك، اعتبرت صحيفة "الراي" الكويتية أنه "ثمة تخوّف من أن يكون تحريك جبهة الجنوب من المقلب اللبناني في إطار محاولة لـ "تشتيت قوة" اسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة في ظلّ مؤشرات بات معها مصير النظام الإيراني على محك ضربة عسكرية وضعت الجمهورية الاسلامية أمام مفاضلة بين "رأسها والأذرع"، متناولة الواقع الداخلي الاسرائيلي ومحاولات الضغط على تل ابيب عبر تظهير أن مستوطنات الشمال "غير آمنة" مع ما يرتّبه ذلك من إرباكات لاسرائيل التي تواجه أزمات داخلية ربطاً بحرب غزّة وملفاتٍ محلية.
بدورها، أملت صحيفة "عكاظ" السعودية "أن يستتب التفاهم والأمن والسلام في ما بين السوريين، وفصائلهم المختلفة، حتى يمكنوا قادة سوريا الجدد من إقامة نظام سياسي دائم، يحقق لكل السوريين الأمن والسلام والرفاه، على أسس حديثة وعادلة". وقالت "وأخذاً للواقع والوضع السوري الحساس، حسناً قررت لجنة الصياغة الأولية للدستور تمديد مدة الفترة الانتقالية، لخمس سنوات، ومحاولة حل مشاكل هذه الفترة ذاتياً. فإن تعذر ذلك، أو تعثر، يمكن الاستعانة بجامعة الدول العربية، أو بدولة، أو دول شقيقة صديقة، ترضاها، للعمل كوسيط محايد".
(رصد "عروبة 22")