ثقافة

الاعتبار العقلي لا الإعجاز العلمي!

في التداول العربي المعاصر، وفي الخطاب السلفي تخصيصًا (في تياراته المختلفة)، يتكرّر ورود عبارة "الإعجاز العلمي". ولو أنّا تمعنّا قليلًا في منطوق العبارة من جهتَيْ الاشتقاق والتداول لألفَيْنا أنفسنا أمام أمور ثلاثة تثير الاستغراب حقّا، أوّلها أنّ العبارة ذاتها - من حيث نحتها اللغوي - غريبة الوقع على الأذن العربية في العصر الكلاسيكي إذ لا ورود لها في كتابة القدماء.

الاعتبار العقلي لا الإعجاز العلمي!

تتّصل لفظتا "الإعجاز العلمي" بحقبتنا العربية المعاصرة تحديدًا، فهي لا ترقى الى أبعد من الفترة التي ننعتها بعصر النهضة (= العربية، تمييزًا لها عن النهضة التي سبقت، في أوروبا، العصر الحديث). تتّصل اللفظتان بالإشكالات التي أثارها الفكر العربي في عصر النهضة - وقضية التجديد في فهم الدّين إحداها.

أما في التداول العربي المعتاد، في العصر الكلاسيكي المرجعي، فإنّ الملاحظ هو أن فعل "الإعجاز" يرتبط بالقرآن الكريم في معانٍ تتصل بالبلاغة العربية، أولًا وأساسًا. والكتاب العزيز، في مواطِن شتّى، يتحدّى المشركين أن يأتوا بسورة من مثل ما فيه من آيات يكون فيها من جزالة اللفظ وعذوبته ما في آي الذكر الحكيم. فالإعجاز (= تعجيز الخلق، جعلهم عاجزين عن الفعل) هو السّمة الأساس التي تميّز القرآن عن غيره من أصناف القول الأخرى.

الإيمان طبيعتُه الشمول والإطلاق والتسليم أما المعرفة العلمية فطبيعتُها النسبية وقابلية التبدّل

يصحّ القول إذن أنّ الإعجاز البلاغي ماهية القرآن الكريم. على هذا الاعتقاد درج المسلمون، فكان من الطبيعي أن ينشغل متكلّمة الإسلام بمسألة الإعجاز البياني للقرآن الكريم، مثلما كان من الطبيعي أن يذهبوا في فهم الإعجاز القرآني المذاهب التي ذهبوا إليها - ممّا ليس من موضوعنا الخوض فيه.

الأمر الثاني هو أنّ الخطاب العربي المعاصر، في المجال التداولي لمفكّري السلفيّة تخصيصًا، يُلْحِقُ نعت الإعجاز العلمي بالقرآن الكريم ويُجْهِدُ نفسه في الإتيان من العلم الحديث ومن فعالياته بما يقدّر أولئك المفكرون أنه يخدم قضيّتهم ويسندها. وعند الذين ينافحون عن القضية التي يتعصّبون لها فإنّ "الإعجاز العلمي للقرآن الكريم" يغدو بعضًا من ماهية الكتاب العزيز وبالتالي فإنّه يغدو اعتقادًا يتعيّن التسليم به فذلك - في اعتقادهم - من كمال الإيمان. من ثمَّ كثر القول في "الإعجاز العلمي للقرآن الكريم" وتشعّب حتى ارتأى البعض أن يجعل من الموضوع حقلًا معرفيًّا مستقلًا بذاته، بجانب العلوم القرآنية المعروفة. ومن ثمَّ تعدّدت الكتابات والخطب الشفوية واستُحدثت المواقع على الشبكة العنكبوتيّة التي تعرض لمسألة "الإعجاز العلمي للقرآن الكريم".

الأمر الثالث يتعلّق عندنا بما تفيده العبارة ذاتها (= الإعجاز العلمي) من جهتَيْ الاشتقاق والمعنى - وهذا الأمر الأخير يستوجب منا وقفة ضرورية. الإعجاز، لغةً، مصدر فعل أعجز. فقولك عن شخص ما إنّ هذا الأمر يعجزُه يفيد بأنّه يجعله في حال العجز والذهول. والحقائق العلمية لا تقرّ شيئًا من ذلك إذ إنّ الغاية من طلب الحقائق العلمية هي استزادة العلم وتعميق الثقة في العقل والثقة في استعماله، وليس إبطاله أو تعجيزه ومنعه من النظر والعمل. وحُسْن استخدام العقل يفيد بوجوب التسلّح بالروح العلمية والالتزام بأسباب المعرفة العلمية وطرائق بنائها. وسبيل هذه الأخيرة هو غير سبيل اليقين الدّيني إذ إنّ مجاليْهما متباينان.

مبنى اليقين الدّيني وجوهره معًا هو الإيمان وحده، والإيمان طبيعتُه الشمول والإطلاق والتسليم. أمّا المعرفة العلمية فطبيعتُها النسبية وقابلية التبدّل، فَرُبَّ قضيةٍ تُعدُّ اليوم حقيقةً علميةً تغدو غدًا توهّمًا وخطأَ. قد يحصل الالتقاء، في بعض الأحيان، بين ما ينتهي إليه العقل ويقرّره وبين ما يسوق إليه الايمان، بيْد أنّ سبيل كلّ منهما مغاير لسبيل الآخر (وقد عملنا، في حديث سابق على إلقاء الضوء الكاشف على هذه المسألة).

يسلك العقل، من حيث هو عقل بشري، توخّي الاعتراض والشكّ أولًا ثم يسعى، بعد ذلك، إلى التماس الحجّة الداعمة من أجل قبول رأي أو رفضه. أمّا الايمان فالشأن فيه غير ذلك - بل هو مخالف إذ إن الإيمان، من حيث هو كذلك، تسليم تام وموافقة مطلقة. ومتى قلَبنا الأمر على وجوهِه المختلفة فنحن ننتهي إلى التسليم بأنّ الأساس والمعوّل عليه في الإيمان هو الهداية من الله تعالى - ولا دخل للعقل في هذه ولا قدرة له على الفعل، وقد صدق الغزالي إذ قال عن الإيمان إنّه "نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده".

في القرآن تمجيد للعلم والعلماء ودعوة الى إعمال العقل

الحقائق العلمية تنشأ إنشاءً وتركب تركيبًا بالعقل، يستوي في ذلك توافر الإيمان الديني وعدمه. لا سبيل إلى تحصيل المعرفة العلمية متى كان المبتغى تحقير العقل والدفع به إلى حال العجز والشلل. ثم إنّ الحقيقة العلمية، في نهاية الأمر، ثمرة إعمال العقل وليس إظهار عجزه ولا تعجيزه. وفي القرآن العظيم تمجيد للعلم والعلماء ودعوة الى التدبّر وإعمال العقل في النظر في الكون وفي التماس حقائقه وحاشاه أن يكون صرفًا للعقل عن طلب المعرفة.

إعمال العقل سمة قرآنية جوهرية، والله أعلى من العقل وشأنه، ورسوله الكريم امتدحه فَوَرَدَ في الحديث القدسي أنّ العقل أكرم ما خلق الباري تعالى.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن