اتخذت الدراما التاريخية العربية مساريْن متناقضيْن: الأول يمكن وصفه بالنهضوي، حيث يسعى لاستلهام دروس الماضي برؤية تسهم في بناء وعي جمعي يستشرف المستقبل. أما الثاني، فهو المسار المُسيّس الذي يعيد إنتاج الأحداث ليكرّس الانقسامات ويُخضع السرديّة التاريخيّة لخدمة قوى الحاضر.
البعض يرى أنّ الأعمال الدراميّة التي تتناول التاريخ هي وسيلة لفهم الحاضر واستنهاض الأمّة من خلال بناء وعي مشترك، في حين يعتبرها آخرون أداةً لإعادة إنتاج الماضي، إمّا لتبرير واقع مأزوم أو لترسيخ خطاب سياسي يخدم مصالح آنية.
تجلّى المسار الأول في الأعمال الثنائية لوليد سيف وحاتم علي، حيث لم يكن التاريخ مجرّد خلفية للأحداث، بل فضاءً للحوار الفكري ومنصةً لإعادة قراءة الماضي برؤية تستلهم من دروسه ما يُسهم في فهم الحاضر والسعي لتغييره، مع التطلّع إلى المستقبل واستشراف آفاقه.
بدا مسلسل "معاوية" أقرب إلى توظيف اللحظة التاريخية لصالح إيديولوجيا معاصرة
أما المسار الثاني ـ كما تبدَّى في مسلسل معاوية ـ فيوظِّف سرديةً منتقاة تخدم مصالح الحاضر، عبر تبرير الأوضاع الراهنة بتمجيد حقبة أو شيطنة أخرى، في محاولة لتمرير خطاب سياسي يتماهى مع أجندات الواقع.
في المقابل، تبنّت رؤية وليد سيف وحاتم علي في أعمالهما طرح أسئلة النهضة والانقسام من منطلق البحث عن مشروع عربي نهضوي وتقدّمي وتوحيدي.
مثلًا، لم يكتفِ مسلسل "ملوك الطوائف"، ومن قبله مسلسل "ربيع قرطبة" بسرد وقائع السقوط الأندلسي، بل قدّما تحليلًا عميقًا لأسباب الانهيار العربي، في إسقاطٍ ذكي على واقع عربي مضطرب سياسيًا وفكريًا.
وفي مسلسل "عمر" لم تُقدَّم سيرة الفاروق كحكايةٍ عن رجل وحُكم، بل كمشروع لبناء دولة، وترسيخ مبادئ العدل في ممارسة السلطة.
على النّقيض، جاء "معاوية" ليقدّم التاريخ من زاوية أحادية؛ تحيي الانقسامات، ولم يقدّم العمل طرحًا فكريًا متوازِنًا، بل بدا أقرب إلى توظيف اللحظة التاريخية لصالح إيديولوجيا معاصرة، تعيد رسم الأحداث بما يتماشى مع رؤى سياسية تسعى لتكريس صعود نفوذها الإقليمي.
منذ حلقاته الأولى، اتضح تبنّي المسلسل لسردية تصطفّ مع طرف على حساب آخر، في استحضارٍ مفتعلٍ لصراع قديم بأدوات معاصرة.
تجاهل العمل تقديم قراءة نقدية متوازنة، وذهب إلى تبسيط الصراع في ثنائية التعقّل والحكمة في مواجهة الاندفاع والمثالية المتشددة، مغيّبًا التعقيدات الإنسانية والجدليات الفكرية التي شكّلت المشهد التاريخي.
المفارقة أنّ مشروع وليد سيف وحاتم علي أُنتج في زمنٍ كانت فيه أصوات الحلم العربي تصدح، بينما يأتي "معاوية" في وقتٍ يشهد تراجع المشروع العربي، وتقدّم مشاريع أخرى تسعى لفرض سرديّاتها الخاصة.
الدراما التاريخية صارت ميدانًا لمعركة سرديات تتناوشها دول تتبنّى مشاريع ثقافية ورؤى استراتيجية متصارعة، حيث يسعى كلّ طرف إلى رواية التاريخ من زاويته، في محاولةٍ لصنع نفوذ ثقافي يمتدّ أثره إلى السياسة والاقتصاد، بل وربّما لتعزيز موقعه في موازين القوى الإقليمية.
الدراما التاريخية ليست مجرّد عمل فني بل هي أداة تسهم في تشكيل الوعي القومي وتعزّز الهوية العربية
تركيا، على سبيل المثال، وظّفت الدراما التاريخية لخدمة مشروعها السياسي، مقدّمةً نفسها كحامية للإسلام ساعية لاستمالة الجماهير العربية والإسلامية المتطلّعة لرمز قوي في مواجهة الهيْمنة الغربية، بينما تسعى ـ في الوقت ذاته ـ لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي في الإقليم.
إيران، بدورها، استخدمت الدراما لترسيخ رموزها الدينية والمذهبية في وعي الجماهير، عبر إنتاج أعمال تسلّط الضوء على شخصيات تاريخية مرتبطة بالمذهب الشيعي.
من جهتها، سخّرت إسرائيل السينما والدراما لتكريس روايتها الخاصة بشأن الصراع على فلسطين، مُقدِّمةً سردية مصطنعة تُشرعن وجودها، وتُعيد تشكيل الوعي العالمي بما يتماشى مع ادعاءاتها.
في المقابل، وعلى الرَّغم من إرثها الفني العريق، تبدو الدراما المصرية مكبّلة بمناخ سياسي ألقى بظلاله على الإنتاج الدرامي، ما أدى إلى تراجع دورها في تقديم سردية عربية موحّدة أو حتّى الدفاع عن رؤيتها الخاصة للأحداث، تاركةً فراغًا استغلّته مشاريع أخرى في المنطقة.
تعكس الدراما التاريخية على الفضائيات العربية حالة الانقسام السياسي، بدلًا من أن تكون جسرًا يُوحّد الوعي العربي حول تاريخه المشترك، وطموحاته المستقبلية، يعود ذلك في جوهره إلى غياب مشروع عربي ثقافي وفكري شامل، تؤدي فيه الدراما التاريخية دورًا محوريًا.
الأحداث التي نعيش تفاصيلها كل يوم على الساحة الإقليمية تُظهر الحاجة المُلحّة لبناء مشروع درامي عربي برؤية فكرية نهضوية، يُعيد قراءة التاريخ بحثًا عن عوامل القوة والوحدة بدلًا من اجترار السرديّات التي تُكرّس الفرقة والانقسام.
الدراما التاريخية ليست مجرّد عمل فني يُعيد سرد أحداث الماضي بأسلوب بصري مشوّق، بل هي نافذة لفهم الحاضر من خلال استقراء الماضي، وأداة تسهم في تشكيل الوعي القومي وتعزّز الهوية العربية.
ما ميّز مشروع وليد سيف وحاتم عليّ ـ على سبيل المثال ـ لم يكن الطرح التاريخي فقط، بل البنية الدرامية المتقنة، واللغة الرفيعة في الحوار، والرؤية الجمالية في الإخراج، ما منح تلك الأعمال بُعدًا فكريًا وجماليًا جعل من الماضي سؤالًا موجّهًا للحاضر.
هل سيبقى التاريخ ساحةً تتنازعها المشاريع الخارجية في حين يغيب العرب عن امتلاك سرديّتهم الجماعية؟
ربّما كان مشروعهما هو الأقرب إلى تحقيق الأمل العربي في تقديم دراما تاريخية تتطلع للمستقبل، للأسف أنّه ظلّ جهدًا فرديًا لم يُبنَ عليه لاحقًا، ومع رحيل حاتم علي، بدا أنّ المشروع قد توقّف، ولم يأتِ ـ حتى الآن ـ من يحمل الراية لمواصلة المسير في الاتجاه ذاته.
يبقى السؤال معلّقًا: من يحمل هذه الراية اليوم؟ هل يمكن أن نشهد في المستقبل القريب مشروعًا دراميًا عربيًا؟ أم أنّ التاريخ سيبقى ساحةً تتنازعها المشاريع الخارجية، في حين يغيب العرب عن امتلاك سرديّتهم الجماعية؟
الإجابة تكمن في قدرتنا على استعادة صوتنا، وامتلاك إرادتنا، ورواية قصّتنا بأنفسنا.
(خاص "عروبة 22")