تجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان ضربة مؤلمة في التوقيت والرسالة، فهو اختبار للمسؤولية الجديدة التي تضطلع بها الحكومة اللبنانية في معادلة التصدي للعدوان الإسرائيلي، الدولة اللبنانية منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل تتعهد بأنها لن تسمح بجر لبنان إلى أتون صراع غير متوازن وأن الدولة اللبنانية هي التي سيكون بيدها قرار الحرب والسلم.
الصواريخ التي انطلقت من جنوب لبنان في اتجاه الجيل في الأراضى المحتلة ، وصفت بأنها بدائية الصنع، وعلى أثرها شنت إسرائيل غارات جوية على مناطق في لبنان وكانت الخسائر كبيرة، عند هذا تتوالى الأسئلة والتى حتما هي عقبات عصية، ما هي الخيارات التي يمتلكها لبنان في مواجهة إسرائيل؟ الإجابة عن هذا السؤال تستدعي بشكل بديهي ان الخيارات متنوعة منها الضغط الدبلوماسي والاتصالات مع المجتمع الدولي وتعزيز القدرات العسكرية او الاتصال المباشر مع إسرائيل وهي خيارات نظريا وعمليا غير قابلة للتحقيق في ظل المعادلة الشديدة التعقيد التي تفرض نفسها على الأزمة اللبنانية.
من غير الوارد أن تعود الذاكرة اللبنانية إلى معادلة جيش وشعب ومقاومة، التجربة كانت مريرة و التاريخ لا يعيد نفسه، ومن هنا من الطبيعي أن يعكف المسؤولون في الدولة اللبنانية للبحث عن خيار أو عدة خيارات تكون واقعية تحفظ للبنان هيبته واستقراره وتمنع اسرائيل من الاستمرار في العدوان والاستقواء. استمرار الحالة اللبنانية بهذه الطريقة يسحب من الزخم الذي واكب انتخاب رئيس الجمهورية ويخصم من رصيد الحكومة الجديدة .
في لبنان نقطة ضعف ظاهرة وهي عدم السيطرة بالكامل على مناطق الحدود في الجنوب مما يمكن البعض من التنظيمات المناوئة لإطلاق صواريخ على إسرائيل لا تحقق الضرر المتوقع في الجانب الإسرائيلي لكنها تتسبب في حدوث أضرار أكبر في لبنان بسبب منح العدو الإسرائيلي المبرر في معاودة ضرب لبنان. البعض يعتقد أن لبنان مهيأ للدخول في مسار التطبيع مع إسرائيل وهو تقدير مستبعد مرحليا في الحالة الداخلية في لبنان غير مهيأة لقبول التطبيع وأن الشعور العام تجاه إسرائيل هو الرفض التام.
في هذا التوقيت يبقى الخيار الأول اللبناني هو عدم إعطاء إسرائيل الذريعة في العدوان وإعادة ترتيب البيت من الداخل ووضع القوة الرادعة في الجنوب والبحث مستقبلا في آلية الردع الذي تحتاجه الدولة . الخيارات السريعة أمام لبنان غير مضمونة هذا لا يعني اعترافا بالواقع أو تسليما بالتفوق الإسرائيلي لكنه استراحة محارب وتدبير الظروف.
تباين المواقف في الداخل اللبناني تتجاهل أن قدرة الدولة على التصدي للواقع المجحف غير جاهزة وان الإطار العربي مع الإطار الدولي في حالة رصد للأحداث دون تدخل فيها . ربما يكون الخيار الثاني المطروح أمام لبنان هو الضغط الدولي من خلال أصدقاء لبنان المهتمين وفي المقدمة فرنسا بحيث تتحصل فرنسا على تعهدات من الرئيس الأمريكي ترامب بمنع إسرائيل من استخدام الطيران الحربي في ضرب لبنان مع ضمان عدم التصعيد من الجنوب اللبناني، الدول الصديقة كانت تسابق الزمن من أجل أن ينعم لبنان بحدث انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة كاملة وهذا ما تحقق إذن كيف يترك عندها لبنان عرضة للعدوان وتعطيل مهمة العهد الجديد.
الخيار الثالث هو مطالبة الأمم المتحدة بمغادرة قوات اليونيفيل الموجودة في الجنوب اللبناني ما دامت لا تمارس دورها في وقف العدوان الإسرائيلي ومنع اطلاق الصواريخ من الجنوب عندها ستشعر إسرائيل بالخطر الحقيقي من خطورة تسلل عناصر إلى الداخل للقيام بعمليات انتقامية. الترتيبات القائمة على الأرض تحمي إسرائيل، ولا تضمن الحماية للبنان، إذن أي خيارات يمكن أن يسلكها لبنان في مواجهة إسرائيل الحقيقة جميعها يحتاج إلى مراكز قوة وهي غير موجودة. قد يكون خيار الضغط الدولي مرحليا هو الأنسب مع وضع الولايات المتحدة في صدارة المشهد دون أن تمنح إسرائيل المكاسب التي تسعى من أجلها .
لبنان يواجه مرحلة صعبة في تاريخه ومنعطفا يمر به يستلزم وضوحا في القرارات ووحدة في الصفوف بعيدا عن سطوة الزعماء والنعرات الطائفية سعيا وراء إبعاده عن الحروب العبثية.
(الأهرام المصرية)