العرب وطموح الوحدة

العروبة التي نريدها!

في تاريخ العرب المعاصِر هناك قضايا جامعة التفّ حولها العرب واعتبروها ليست فقط جزءًا من وجدانهم وأحلامهم إنّما أيضًا جزء من مشاريعهم السياسية، صحيح أنّ الإخفاق كان سمة الأداء العربي في نصف القرن الماضي إلّا أن هذا لا يمنع من البناء على جوانب القوّة وتجارب نجاح، حتى لو كانت هي الاستثناء في التاريخ.

العروبة التي نريدها!

الحقيقة أنّ الإيمان بالعروبة الثقافية وبالوحدة العربية تَبلْور مع تجارب التحرّر الوطني العربية، بصورة فاقت في أهمّيتها وتأثيرها كتابات القوميّين العرب ومفكّري حزب البعث التي روّجت للإيديولوجيا القومية، في حين استدعت تجارب التحرّر العربية مشاعر التضامن والوحدة الكامنة في نفوس الشعوب العربية بشكلٍ تلقائيّ بعيدًا عن الكتابات القومية والمشاريع الإيديولوجية التي بُنِيَت عليها.

إنّ تأميم قناة السويس ثم العدوان الثلاثي على مصر في 1956 فجّر مشاعر تضامن هائلة من الشعوب العربية تجاه مصر، وكانت اختبارًا حقيقيًا لوجود "عروبة فطرية" بين الشعوب بعيدًا عن مشاريع الأحزاب القوميّة وأخطاء وربما خطايا الكثير من النُظم "القوميّة".

العروبة حاضرة بقوّة في الوجدان العربي ثقافيًا وحضاريًا ولغويًا على عكس أوروبا التي بنت تجربة وحدة "غير وحدويّة"

كما أنّ الدفاع عن القضية الفلسطينية كان أيضًا محلّ إجماع بين الشعوب العربية، وهو دعم فطري لم تنَله قضية أخرى في تاريخ العرب بصرْف النظر عن أخطاء النُّظم العربية وحساباتها وأخطاء منظّمة التحرير وخطايا السلطة إلّا أنّ هناك موقفًا وجدانيًا أجمعت عليه الغالبية العظمى من الشعوب العربية في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

مشكلة العالم العربي أنّه امتلك كامنًا ثقافيًا وحضاريًا هائلًا من التضامن والتلاحم لم تستفِد منه المنظومة السياسية التي شيّدتها الدول العربية بعد الاستقلال، بل على العكس خصمت منها وحوّلتها في بعض الأحيان إلى منافسات بين الشعوب وتلاسن ومشاعر غيرة، وغابت أي مشاريع جادّة للشراكات الاقتصادية ولبناء منظومة اقتصادية وسياسية تحقِّق المصالح المتبادلة للشعوب العربية.

معضلة العروبة في عالمنا العربي تكمن في تجلّياتها السياسية وطبيعة النُّظم التي شُيّدت بعد الاستقلال، والتي خصمت بدرجات متفاوتة من رصيد العروبة، فخطايا البعث في سوريا والعراق مؤكّدة، ولعلّ السقوط المدوّي لنظام الأسد بعد 14 عامًا من المجازر التي ارتُكبت بحقّ الشعب السوري تحت شعارات القومية العربية ومواجهة إسرائيل خصمت من العروبة السياسية ومشاريعها القومية وشعاراتها الوحدوية، ولكنها لم تنهِ العروبة الثقافية، حتى لو أضعفتها وظلّ هناك إيمان عربي على مستوى الوجدان والمشاعر بالمصير المشترك وبـ"العدو المشترك".

الدول العربية بُنيت عليها نُظُمٌ تكره الديموقراطية وحتى الشعارات القومية التي رفعتها كانت لتخفي قهرها لشعوبها

العروبة في العالم العربي حاضرة بقوّة في الوجدان العربي ثقافيًا وحضاريًا ولغويًا على عكس أوروبا التي بنت تجربةَ وحدة "غير وحدويّة" وفق الكتابات القومية العربية، فقد أسّست تكتلًا إقليميًا قويًّا لا يلغي خصوصية كلّ بلد ولا الدولة الوطنية ومن الصعب وصفها بأنّها نتاج للفكر "القومي الأوروبي"، كما حدث أيضًا في الحالة العربية التي عرفت كتابات وحدوية قيّمة لباحثين ومناضلين كبار، أصّلوا للوحدة العربية برؤى مختلفة، ولكنّها ظلت حبيسة دوائر التنظيمات والأحزاب القومية ولم تتحوّل لمشروع وحدة يتفاعل مع تفاصيل الواقع المُعاش.

ولعلّ أهمية التجربة الأوروبية في أنّها صنعت وحدتها عبر صناعة الوعي بها أو كما ذكر "جان مونّيه" (JEAN MONNET) في 1950: "إنّ أوروبا لم توجد أبدًا، فليس انضمام دول كاملة السيادة للاجتماع في داخل هيئة هو الذي يصنع هويتها، يجب حقيقةً خلق أوروبا".

وهنا سنجد أنّ أوروبا خُلقت من خلال مشروع سياسي كفء ودولة قانون صنعت هويتها الأوروبية من خلال ما سمّاه وزير الخارجية الفرنسي الراحل روبير شومان وأحد رواد الفكرة الأوروبية "تضامن الواقع"، وهو على عكس الدول العربية التي امتلكت هويةً عربيةً راسخةً ولغةً واحدةً، ولكن بُنيت عليها نُظُمٌ غير كفؤة تكره الديموقراطية ودولة القانون وفشلت في تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها وحتّى الشعارات القومية التي رفعتها، كما جرى في سوريا "آل الأسد"، فكانت مجرّد شعارات لتخفي استبدادها وقهرها لشعوبها.

لو وُجدت نُظُم عربية تتمتع بالكفاءة واحترام دولة القانون فستتحوّل إلى مارد في عالم لا يعرف إلّا التكتلات القوية

لقد انطلقت تجربة الاتحاد الأوروبي من الواقع العملي من دون أي استعلاء عن تفاصيله، ولم تتجاهل منذ البداية التبايُنات، بل وأحيانًا التناقضات الموجودة بين كل دولة أوروبية تحت شعارات "الأخوّة الأوروبية"، إنما اعترفت بها واعتبرت أنّ التعامل الواقعي معها هو نقطة الانطلاق لتأسيس مشروع الوحدة الأوروبية، الذي حكمه الإنجاز الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وليس شعارات سياسية أو نصًا إيديولوجيًا مغلقًا.

العروبة التي يحتاجها العالم العربي لن تخلق هويةً عربيةً كما حدث في أوروبا إنما تحتاج إلى أن تبنيَ أنظمة تتمتع بالمصداقية والكفاءة وتعرف أنها تمتلك كنزًا في باطن أرضها وتاريخها اسمه العروبة الثقافية والحضارية، وأنها لو وُجدت نُظُم تتمتع بحد أدنى من الكفاءة واحترام دولة القانون والشفافية فستتحوّل إلى مارد حقيقي يبني قوّة صاعدة في عالم لا يعرف إلّا التكتلات القوية.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن