بدأت حملات "شيطنة" النشطاء المدافعين عن حقوق المهاجرين بعد صدور بلاغ عن رئاسة الجمهورية في 21 فبراير/شباط 2023 تحدّث عن جحافل المهاجرين والترتيب الإجرامي لتغيير التركيبة الديموغرافية للبلاد، الذي أثار موجة كراهية وعنصرية ضدّ المهاجرين جنوب الصحراء والتونسيين ذوي البشرة السوداء.
وفي السادس من مايو/أيار 2023، عقد مجلس الأمن القومي اجتماعًا هاجم فيه الرئيس قيس سعيد الجمعيّات بقوله "هذه الجمعيّات التي تتباكى وتذرف الدموع أمام وسائل الإعلام تتلقّى أموالًا طائلةً من الخارج. هذه الجمعيات أكثرهم خونة وعملاء. وعلى لجنة التحاليل المالية أن تقوم بدورِها، ولا مجال لجمعيّات يمكن أن تحلّ محلّ الدولة". وعقب هذا الهجوم انطلقت حملات إيقاف واسعة طالت نشطاء مدافعين عن حقوق المهاجرين تمّ الزج بهم في السجون منذ ذلك الحين حتّى اليوم على الرَّغم من عدم ثبوت التهمة.
وكانت رئيسة جمعية "منامتي" لمناهضة التمييز العنصري، سعدية مصباح، التي تُعتبر واحدةً من أبرز المدافعات عن حقوق التونسيين/التونسيات ذوي البشرة السوداء، مناهضةً للعنصرية في البلاد، على رأس القائمة في الثامن من مايو/أيار 2023، أي بعد هجوم الرئيس التونسي بيوم فقط. تلتها شريفة الرياحي الرئيسة السابقة لمنظمة تونس أرض اللجوء، لشبهة تبييض الأموال في اليوم عينه. وفي أواخر الشهر، تمّ إصدار "بطاقة إيداع" ضدّهما علمًا أنّ شريفة الرياحي كانت في عطلة أمومة بعد الولادة عندما تمّ إيقافها. وخلال الشهر عينه، أودِع أيضًا كلّ من محمد جوعو وعياض بوسالمي، الناشطَيْن في منظمة تونس أرض اللجوء.
وفي التاسع من مايو/أيار الماضي، أوقف مصطفى الجمالي، رئيس المجلس التونسي للاجئين الذي تربطه اتفاقية مع المفوضيّة السامية للاجئين بتلقّي طلبات لجوء من أجل إسنادها. وذلك بعد أن أطلق المجلس في إحدى الصحف إعلان طلب عروض لفنادق من أجل إيواء عدد من طالبي اللجوء واللاجئين، من بينهم أطفال فاقدي السنَد، ومعه مدير المشاريع في المنظمة عبد الرزّاق الكريمي بعد حملة تشهير واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي. ووجّهت لهما تهمة تكوين وفاق قصد مساعدة شخص على دخول التراب التونسي من دون وثيقة سفر. أمّا عبد الله السعيد، رئيس جمعية أطفال القمر بمحافظة مدنين (جنوب)، فقد أودع بدوره السجن منذ بداية ديسمبر/كانون الأول الماضي ولم يتمّ الإفراج عنه على الرَّغم من سقوط التهم المتعلقة بتبييض الأموال المودع بسببِها، ليتأكد أنّ السبب الحقيقي لسجنه هو تخصيص جمعيته نشاطًا لتعليم مهاجرات غير نظاميات من أفريقيا جنوب الصحراء الخياطة وصنع الحلويات.
في التاسع من ديسمبر/كانون الأول استُدعيت الناشطة الحقوقية والمديرة التنفيذية لجمعية "تفعيل الحق في الاختلاف"، سلوى غريسة، ثم أُطلق سراحها. وبعد يوم استُدعيت مجدّدًا لتحال إلى قاضي التحقيق الذي قرّر إصدار "بطاقة إيداع" بحقها، وإيداعها السجن حتّى اليوم. وتتالت الإيقافات ليتم إيقاف 11 ناشطًا/ناشطة لهم صلة بملف الهجرة أو المهاجرين.
وتأتي كل هذه الإيقافات المتتالية والموجّهة أساسًا لناشطي الهجرة في إطار توجّه رسمي من السُّلط التونسية من أجل التغطية على الاتفاقية التي وقّعها سعيد مع الاتحاد الأوروبي في تموز/يوليو 2023 والتي تحوّلت بمقتضاها تونس رسميًا إلى "حارس حدود" لأوروبا لا سيما أن الاتفاق بين الجانبيْن يقوم في جوهره على تقديم تمويل بقيمة 105 ملايين يورو لإدارة الحدود مقابل التزام تونس بمنع المهاجرين من الوصول إلى المياه الأوروبية، وتجميعهم على الأراضي التونسية في انتظار تنظيم عملية عودتهم الطوعية لبلدانهم. ومنذ ذلك الحين، تحوّلت تونس إلى "مصْيَدة للمهاجرين غير النظاميين، ونجحت إيطاليا وأوروبا عمومًا بمقتضاها في تصدير أزمة الهجرة من أوروبا إلى تونس"، كما يؤكّد مجدي الكرباعي... إذ أدّى ارتفاع أعدادهم في ظروف إنسانية صعبة إلى اندلاع مشاكل كبيرة أمنية بينهم وبين الأهالي، تفاقمت في الأيام الأخيرة. ويرى التونسيون في محافظة صفاقس كيف يحمل حرس الحدود بشكل منتظم أعدادًا كبيرةً من المهاجرين الذين اعترضوا طريقهم إلى أوروبا ويُطلقون سراحهم في الميناء لينطلقوا حيث يتجمّع مهاجرو أفريقيا جنوب الصحراء في حقول الزيتون في مدينة العامر بمحافظة صفاقس.
وفيما تواصل السلطات في تونس تقديم نشطاء الهجرة ككبش فداء أمام التونسيين الغاضبين من الدّفق الكبير للمهاجرين وما ينتج عنه مؤخّرًا من مشاكل أمنية، فإنّ الجانب الأوروبي لا يخفي رضاه عن السلطات التونسية في حراسة حدود أوروبا. وفي وقت سابق، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إنّ عدد المهاجرين غير النظاميين القادمين من تونس إلى إيطاليا انخفض بنسبة 80 بالمئة منذ بداية سنة 2024 وحتّى منتصف ديسمبر/كانون الأول، وذلك مقارنةً بالفترة نفسِها من عام 2023. كما أعلن وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي أنّ السّلطات في تونس منعت 62 ألف مهاجر من الوصول إلى السواحل الإيطالية.. ما يعني أنّ 62 ألف مهاجر على الأقلّ قامت السلطات التونسية بتحويلهم إلى أراضيها من دون أن تهيّئ لهم مراكز إيواء مناسبة، في الوقت الذي تواصل فيه تسويق ما يجري للتونسيين على أنه "مؤامرة على البلاد"!.
المتحدث الرّسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية المختص بملف الهجرة، رمضان بن عمر، قال لـ"عروبة 22" إنّ "اجتماع مجلس الأمن القومي المنعقد خلال شهر مايو/أيار 2023، أعطى الضوء الأخضر لاستهداف منظّمات المجتمع المدني، وهناك قرار سياسي وراء سلسلة الإيقافات التي طالت عديد المسؤولين في الجمعيات. فالدولة التونسية تورّطت في خطاب عنصري، يعتبر أنّ وجود المهاجرين واللاجئين في تونس يندرج ضمن مؤامرة لتغيير التركيبة الديموغرافية في البلاد، وقدّمت المنظمات والجمعيّات التي تشتغل في مجال الهجرة كأكباش فداء"!.
(خاص "عروبة 22")