الأمن القومي العربي

أبعد من ضياع فلسطين... ماذا تفعل مصر؟

نبدأ بحقيقةٍ ظلّت عقودًا مغيّبة، أنّ إسرائيل كيان عنصري استعماري إحلالي يسعى دائمًا للتوسّع، كلّما كان ذلك ممكنًا، حتى إلى خارج حدود فلسطين، وهو بهذا المعنى لن يكتفي أبدًا باغتصابها وحدها... هذا هو الجوهر والعمود الفقري للمشروع الصهيوني.

أبعد من ضياع فلسطين... ماذا تفعل مصر؟

إذن تلك هي حقيقة الكِيان الإسرائيلي (وهي ظاهرة وساطعة منذ النكبة الأولى عام 1948) وكلّ ما دخل عليها من تعديل هي أنّ الكيان نفسه، مجتمعًا وحكومةً ودولةً، اصبح أشدّ توحشًا وأكثر إجرامًا، بل وجنونًا، في تعبيره عن حقيقته، لا سيما وقد صار يتمتّع بتماهٍ أميركي تامّ مع هذا الجنون في ظل أجواء العاصفة الفاشية الترامبية التي تعصف هذه الأيام بالولايات المتحدة الأميركية، إذ يرى دونالد ترامب، بل وقال علنًا ما معناه: "مساحة فلسطين كلّها صغيرة ولا تكفي اسرائيل!".

الخطر تعدّى الفلسطينيين إلى الأمّة العربية كلّها

إن الحديث الفجّ الفاجِر الآن عن تهجير كلّ سكان قطاع غزّة من أراضي القطاع المدمّر (ثمّ الضفّة الغربية بعد ذلك وفي أجَلٍ قريب) ودفعهم للهجرة خارج فلسطين كلّها إلى منافٍ قريبة (مصر والأردن أساسًا) أو بعيدة في مناطق تتراوح ما بين شرق أفريقيا أو جنوب آسيا بل وحتّى أميركا اللاتينية، هذا الحديث لا يشير فقط إلى طبيعة الكيان الصهيوني الاستيطانية والعنصرية في اسوأ تجلّياتها، وإنما يثير، لمن لدية بقية من عقل وإحساس، شعورًا عارمًا بالخطر الوجودي على أمّتنا العربية الذي يمثّله استمرار بقاء هذا الكيان يُعرْبد ويتوحّش كيفما شاء.

هنا يقفز سؤال ضروري وحيوي جدًا ولا يحتمل أي تأجيل، فضلًا طبعًا عن تجاهله: ماذا يفعل العرب عمومًا إزاء هذا الخطر الوجودي الداهم؟! فالأمر لم يعُد فقط أنّ فلسطين وشعبها يتهدّدهم الفناء والفقدان النهائي لأرض وطنهم السليب، لكن الخطر تعدّاهم إلى الأمّة العربية كلّها، وفي طليعتها أقطار ما يُسمّى دول الطوق التي تحيط بفلسطين التاريخية مثل مصر والأردن وسوريا ولبنان، بل والعراق والمملكة السعودية كذلك.

هذا المقال سيتركّز على مصر بالذات التي يراها كاتب هذه السطور في طليعة أقطار العرب التي يتهدّدها الخطر المتمثّل في تفاقم توحّش وعدوانية كيان لقيط وعنصري لصيق تمامًا بحدودها ولا يخفي أطماعه في أراضيها خصوصًا شبه جزيرة سيناء وتطلّعه المفضوح لجعلها مأوى بديلًا لفلسطينيّي غزة، وذلك منذ الخطة القديمة التي أعدّها عقب حرب العام 1967 إيغال ألون، السياسي والعسكري الصهيوني البارز، وتضمّنت نقل سكان قطاع غزّة إلى سيناء المصرية وحشد سكان الضفّة الغربية جميعًا في بعض مناطقها المتاخمة للحدود مع الأردن بحيث تعود تبعيّتها للأردن، وتحتفظ إسرائيل بأغلب أراضي الضفّة بما فيها القدس.

واشنطن لا تستطيع أن تغامر بخسارة القاهرة خسارة نهائية

على الرَّغم من أنّ هذه الخطة لم تعتمدها رسميًا حكومة العدو آنذاك، إلا أنّ جوهرها التوسّعي العنصري وأغلب تفاصيلها ظلّت حاضرة بقوة في سياسات الكيان التي باتت حاليًا أشدّ اتساعًا ووطأةً مما كانت عليه زمن "ألون"... فالآن كما هو واضح من التطوّرات الإجرامية لحرب غزّة لم يعُد الأمر مقصورًا على التلمظ لقضم ما تبقّى من أرض فلسطين وتأمين حدود الكيان بعد تطهيره وصهينته كليًّا، وإنّما أضحى الهدف سافرًا ومعلنًا الآن مع فائض قوّة القتل والدمار التي بحوزته وتفاقم غروره خصوصًا مع زيادة الدعم الأميركي الهائل وبلوغه مستوى غير مسبوق، مترافقًا ذلك كلّه مع ضعف مشين للنظام العربي الرّسمي وانزلاق المجتمع الصهيوني كلّه تقريبًا الى دركٍ ليس له مثيل في العالم كلّه من حيث ميْله المتنامي للتوحّش العنصري من دون أدنى شعور بالخشية من روادع قانونية أو أخلاقية.

فهل تكتفي حكومة مصر بالمقاومة والرفض الشفهي لمؤامرة التهجير؟... أظنّ أنّ ذلك لا يكفي أبدًا لدفع هذا الخطر الاستراتيجي الداهم بعيدًا عن حياضها.

التلويح بإلغاء "اتفاقية السلام" رادع قوي لتل أبيب وواشنطن

طبعًا نحن نعرف حال مصر الآن اقتصاديًا واجتماعيًا، وكيف هو بائس، ومع ذلك فإنّها تملك، حتّى وهي على هذا الحال، قدرةً هائلةً على المقاومة وأوراقًا مهمّةً شديدة التأثير والفاعلية، إذ هي الدولة الأكبر والأعرق في الأمّة والإقليم، وتملك جيشًا يُعدّ ضمن أبرز وأقوى جيوش المنطقة، ولذلك ومع استبعاد اللجوء حاليًا لخيار القوة العسكرية، فإنّ مصر تملك من معطيات القوة السياسية الكثير مما يمكن به إيلام إسرائيل ووضعها في مأزق سياسي وديبلوماسي رادع جدًا، على الرَّغم من الغطاء والدعم الأميركي اللامتناهي، فقط إذا قرر حكّام مصر التخلي عن الحذر والتردّد الشديديْن في التحرّك السياسي القوي من دون وجل أو خوف من عواقب الغضب الأميركي، إذ إنّ واشنطن في نهاية المطاف لا تستطيع أن تغامر بخسارة القاهرة خسارة نهائية.

أقوى الاوراق المصرية حاليًا، هي نفسها أهم الجوائز التي حصل عليها الكيان الصهيوني منذ ولادته حتى الساعة، ألا وهو ما يُسمّى "اتفاقية السلام" مع مصر، تلك الاتفاقية التي لا ضرورة لتكرار الحديث عن حجم الضرر الفادح الذي سبّبته لمصر والأمّة العربية، لكنّها حاليًا باتت سلاحًا فعالًا وصار مجرّد التلويح الصريح الواضح بإلغائها رادعًا قويًا لتل أبيب وواشنطن معًا، فضلًا بالطبع عن إلغائها فعلًا إذا تمادى العدو أكثر في غيّه وإجرامه.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن