إذا أردنا اختصار النقاط الرئيسية في الإشارات كلّها، فقد جرى التركيز على استعداد روسيا لتقديم مساعدات اقتصادية وإنسانية، والمشاركة في عملية إعادة بناء سوريا، وتأكيد موسكو مشاركتها بجهود رفع العقوبات الدولية عن سوريا، واستعدادها لتطوير علاقات عسكرية مع دمشق، تشمل إعادة تنظيم الجيش السوري وتسليحه وتدريبه.
كما هو واضح، فإنّ محتوى الإشارات الروسية إلى سوريا، تستجيب في شكلها الظاهر للمهمّ في المصالح السورية، وتنسجم مع إطار سياسة دمشق الخارجية المعلنة، ورغبتها في إقامة علاقات تعاون متوازنة مع دول العالم، ولا شكّ أنّ روسيا ضمن القائمة، لكنّ النتيجة العمليّة للإشارات الروسية لم تتوافق ومضامينها.
الاتفاقات التي عقدها الأسد مع الروس لم تكن سوى اتفاقات إذعان فرضها المحتلّ على حاكم فاقد لأي شرعيّة
ويستند التناقض بين تلك الإشارات وما يحيط بها عمليًا إلى ثلاث نقاط لا بدّ من التوقّف عندها:
النقطة الأولى، أنّ ما في إشارات موسكو من محتويات "إيجابية" لا يعالِج مخلّفات علاقات موسكو مع نظام الأسد في الأعوام الخمسة عشر الماضية. ففي تلك الفترة، قامت روسيا بتدخّل دموي عنيف في حرب نظام الأسد على السوريّين، جرى فيها تدمير حلب وإعادتها إلى سيطرة نظام الأسد، واستمرّت حرب الطيران والاسلحة المحرّمة، فقتلت وجرحت وشرّدت عشرات آلاف السوريين، ودمّرت معالم الحياة وبُناها في شمال غرب البلاد، وكان المدنيّون في المخيّمات والأسواق والمساجد والمدارس أهداف تلك الهجمات، ولا يمكن طيّ الملف في علاقات سوريا مع روسيا إلا عبر اعتذارٍ روسيّ عن الجرائم، وتعويض الضحايا وعائلاتهم عمّا أصابهم.
النقطة الثانية، ذات التأثير القوي في مستقبل العلاقات الروسية - السورية، جوهرها الاتفاقات التي عقدها الأسد مع الروس، والتي لم تكن سوى اتفاقات إذعان فرضها المحتلّ على حاكم فاقد لأي شرعيّة، ومن دون تخفيض من قيمة الاتفاقيّات الاخرى وفيها اتفاقية نهب الفوسفات السوري، فإنّ الأهم اثنتان، الأولى اتفاقية القاعدة البحرية الروسية في طرطوس والتي تم تجديدها لعشرات السنين، واتفاقية القاعدة الجوية في "حميميم" القريبة من اللاذقية. وتشكّل القاعدتان الأرضية الوحيدة للوجود الروسي في البحر المتوسط وشمال أفريقيا، وتوفّران وجودًا لوجستيًا للروس غير مسبوق في هذا الجزء من العالم.
النقطة الثالثة، في التأثير في مستقبل العلاقات، مسألة تسليم المخلوع بشار الأسد ومرافقيه إلى السلطات السورية لتقديمهم للمحاكمة بالجرائم التي ارتكبوها ولا سيما ما بين عامَي 2011 و2024، واستعادة الأموال التي بحوزتهم، باعتبارها أموال السوريين، وتمّ الاستيلاء عليها بالسرقة والنهب والرشاوى والإتاوات، ومن إنتاج وتجارة المخدرات والكبتاغون وغيرها من جرائم دَفَع السوريون ثمنها.
اتخذت روسيا موقفًا فيه تمويه وتجاهل لفكرة تسليم الأسد وتابعيه للسلطات السورية
ولأنّ روسيا تجاهلت النقطة الأولى في غضّ النظر عن موضوع الاعتذار عن جرائمها في سوريا، كما يروّج مقرّبون من القيادة الروسية، فإنّها استعاضت عن تقديم التعويضات بما أسمته "المساعدات الإنسانية"، وفي جانبَي هذه النقطة، فثمّة تخلٍّ روسي واضح، تسعى موسكو إلى تغطيته بإظهار اهتمام الرئيس بوتين الشخصي بالعلاقة مع سوريا، آملةً أن يُعزّز ذلك موقفها عند بحث الاتفاقات التي فرَضها الروس على النظام البائد ورئيسه بشار الأسد.
واتخذ الرّوس موقفًا ليّنًا نحو بعض الاتفاقات في النقطة الثانية سعيًا لإرضاء القيادة السورية والتعامل مع مطالبها بروح "إيجابية" في موضوع القواعد، كما تسرّب عن الموقف الروسي في موسكو.
واتخذت روسيا في النقطة الثالثة، موقفًا فيه تمويه وتجاهل لفكرة تسليم الأسد وتابعيه للسلطات السورية، ونفي أن يكون مع الأسد وتابعيه أموال حملوها معهم إلى روسيا بخلاف كلّ التقارير والمعلومات عن كميات من الأموال والذهب، تمّ ترحيلها إلى هناك على مدار سنوات مضت.
التباسات علاقة الطرفيْن تجلّت في غالبيتها أثناء أحداث الساحل مؤخّرًا، فذهب الروس في قاعدة حميميم إلى حدّ حماية فلول النظام وبعضهم من ضباط الحرس الجمهوري، والمشاركة في الحملة الدولية، التي كانت تحمّل سلطات دمشق المسؤولية عن انتهاكات جرت، مما يُشكّل موقفًا معاديًا أو محرجًا لسلطات العهد الجديد، لكنّ روس حميميم في الخاتمة، أصلحوا مواقفهم في تصريحات حضّت اللاجئين إليهم على الانصياع للسلطات، وأكّدوا لهم أنّ الأوضاع في الساحل تتحسّن.
الوصول إلى علاقات طبيعية مع موسكو يحتاج إلى جهود كبيرة إذا لم تُصَفَّ تداعيات الدور الروسي في المقتلة السورية
مشكلة السوريين في العلاقة مع روسيا ليست في عدم توفّر رغبة أيّ منهما في علاقات قوية ومميزة بين الطرفيْن كلّ وِفق مصلحته. بل في موقفهما من تصفية آثار وتداعيات المرحلة السابقة من العلاقات، التي سُجّلت في إطار تحالف نظام الأسد وإيران وميليشياتها إلى جانب روسيا، التي جلب رئيسها بوتين إلى سوريا شركة "فاغنر" الخاصة والتي يديرها أحد مقرّبيه، وتوصف بأنها مجموعة عسكرية إجرامية شبه رسمية، ذات صلة وثيقة بوزارة الدفاع الروسية، وشاركت مثل الميليشيات الشيعية بالمذابح والدمار في سوريا.
وإذا لم تُصَفَّ تداعيات الدور الروسي في المقتلة السورية، فإنّ الوصول إلى علاقات طبيعية بين موسكو ودمشق يحتاج إلى وقت وجهود كبيرة، على الرَّغم من كل ما يحيط بعودة العلاقات من ضرورات روسية وسورية.
(خاص "عروبة 22")