صحافة

اللاتوازن الإسرائيلي الذي يقفل حقبة ويمنع ولادة حقبة جديدة

وسام سعادة

المشاركة
اللاتوازن الإسرائيلي الذي يقفل حقبة ويمنع ولادة حقبة جديدة

يأتي الضرب الإسرائيلي في العمق اللبناني مجدداً ليكثف حالة اللاتوازن في القدرة على الإيذاء والجهوزية له تقابله حالة من الهشاشة والمكابرة عند الطرف الأضعف، المنقسم بين سرديتين. واحدة "إنكارية" للواقع المرير الحالي تارة، و"تسليمية" به تارة أخرى. وثانية تضع على عاتقها تحقيق ما لم تحققه إسرائيل نفسها في الحرب الأخيرة من تفكيك لكامل ترسانة حزب الله السلاحية.

كيف يتفادى لبنان عودة الحرب التدميرية الشاملة وينجو من الانفجار الداخلي؟ ليس طبعا بطمأنة الذات، هنا وهناك، بأنه "كله تحت السيطرة" وشيئا من هذه السيناريوهات لن يحدث. فقد حدث ما لا يقل عنها أبوكاليبتية ودموية قبل أشهر قليلة، وانتهت الأمور حينها على واقع غير متوازن إلى أبعد حد، لكنه ملتبس كذلك الأمر. أخطر ما في الأمر التباسه. هو التباس تفخيخي بامتياز للواقع الحالي.

هناك أيضا من أخذ في الداخل اللبناني يستعجل الدعوات إلى الشروع رأساً في السلام مع إسرائيل، وهناك من يجهد لاستعادة لغة الزجر حيال هذه المواقف. لكن الوضع الإجمالي يحاكي حاليا أجواء اتفاقية 17 مايو 1983 بين لبنان وإسرائيل التي أطاح بها في أول الأمر وآخره الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. ما الذي نصت عليه في عناوينها العريضة؟ إلغاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل. إنشاء منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية تتعهد الحكومة اللبنانية بأن تنفذ ضمنها الترتيبات الأمنية المتفق عليها.

هذا عملياً ما جرى التوقيع عليه بنهاية الحرب الماضية أيضاً. امتناع أي من إسرائيل ولبنان عن أي شكل من أشكال الدعاية المعادية للبلد الآخر. إلغاء جميع المعاهدات والبنود والأنظمة التي تمنع تنفيذ أي بند من بنود الاتفاقية. تكوين مكاتب الاتصال بين البلدين والتفاوض لعقد اتفاقيات تجارية. دعك من العنوان الأخير، هذا أصلا جرى التوقيع عليه عمليا في الاتفاق حول حقل كاريش. البنود الأخرى ليست بعيدة أبدا عن واقع الحال."إلغاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل" قد تكون الصيغة التي سيجري الضغط على لبنان للدخول بها، ومن دون انتظار المسار السعودي الإسرائيلي حتى.

يندرج ذلك في سياق شامل: حيث يصل انعدام التوازن في الإقليم لصالح إسرائيل إلى أقصى درجة بلغها هذا الانعدام منذ قيامها. يبدو الصراع معها وكأنه، ومن بعد اجتيازه حقبة «الحروب النظامية» معها، فقد غادر حقبة تصدّر الأجسام الحركية، الموازية أو المتغلبة على الدول، للصراع أيضاً. ثمة من يعد نفسه بحقبة ثالثة من هذا الصراع، ما بعد الجيوش النظامية، وما بعد الفصائل المحاربة ذات المشرب الإسلامي. يؤسس حجيته على تزايد مظاهر الاضطراب في بنية المجتمع والدولة الإسرائيليين، وأن اللاتوازن لصالح إسرائيل في الإقليم لا يكفي لمعالجة هذا الواقع.

وثمة من يبني في المقابل على انسداد أفق المواصلة في هذا الصراع، فما حُسم منه قد حسم، وما من نزاعات تبقى غير مرهونة بأمد، مرحّلة من جيل إلى جيل بلا نهاية. وليست هذه أول ولا آخر المظالم التي عرّجت عليها قاطرة التاريخ. الدرجة العالية من اللاتوازن، ومن الاستمرار في حرب الإبادة، تجعل من الصعب التخيل كيف يمكن للصراع أن يستمر، وأصعب بعد التخيل كي يمكن للسلام أن تقوم له قائمة.

من يترقب انتهاء الصراع يصعب عليه أن يفهم أن الانسداد مزدوج: للصراع وللسلام معاً. اللاتوازن الحاصل إذ يكشف هشاشة الكثير من سردية فصائل "المقاومة والممانعة" – التي كانت تتباهى بأنها أفضل في خوض الصراع من الأنظمة وقت تصدت للمسألة – فإنه لا يسهّل الأمور في المقابل لمنطق "رجعة" الدول. هل لبنان وسوريا والعراق اليوم أمام مشهدية عبورية فعلية إلى مرجعية الدول؟ التفاؤل في هذا الصدد لا يستند إلى حيثيات كافية.لنقارن بين مصر ووضع المشرق العربي.

خاضت مصر حروباً نظامية مع إسرائيل. هزيمتان عسكريتان وسياسيتان، 1948 و1967. هزيمة عسكرية في مقابل هالة نصر سياسي، بفضل تدخل الرئيس الأمريكي أيزنهاور ضد دول العدوان الثلاثي، 1956. وحرب 1973 التي أقل ما يقال بصددها أن الحكم عليها وأين تصنيفها يحتاج إلى جهد وتعقيد أكبر. فتحت هذه الحرب أفق التفاوض لأجل إعادة تأمين مسار الملاحة في قناة السويس ثم لأجل معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل. بقي بمستطاع مصر أن تحيي ذكرى انخراطها في الحروب النظامية. ليس هناك انقسام مصري فعلي ومتبلور سياسيا حول كامب ديفيد.

هناك اختلاف في نمط وشكل ودرجة تسويغه. هناك حرج في مكان ما من أن الصراع أوقف على الجبهة المصرية، واستمر في الأماكن الأخرى، وخصوصاً في الأراضي الفلسطينية. لكن مصر ما زال بإمكانها أحياء ذكرى حرب أكتوبر. ماذا عن سوريا في المقابل؟ ليس هذا بسؤال تفصيلي. وهو إن اتصل بالذاكرة فهو يعني السياسة في راهنها أيضاً. لبنان في المقابل، كيف له من الآن فصاعدا التطرق إلى الحالة الوحيدة التي استطاعت فيها حركة مقاتلة إخراج الجيش الإسرائيلي بالقوة حتى الحدود الدولية؟

الانقسام عمره ربع قرن وأكثر، حول هذا النوع من المسائل، لكنه الآن أشد ضراوة، ومطبوع بالنوبة الحالية من انعدام التوازن في الإقليم لصالح إسرائيل، ومن اللاتوازن المتبادل على مستوى السلوكيات والخطابة بين الأطراف اللبنانية. رغم كل ضغط يمارسه واقع غزة الكارثي والمأسوي على مصر، لكن مصر تمتلك ذاكرة. ذاكرة الحروب النظامية ثم ذاكرة السلام المرّ إنما الذي أعاد الأرض ولو من ضمن ترتيبات. بلدان المشرق في المقارنة في وضع مريع وهذا الوضع يجعلها تكتشف أن حصيلة تولي الحركات بدل الأنظمة لم تكن موفقة، لكن إعادة بناء الدول الوطنية في ظل انعدام التوازن المطبق الحاصل، والهشاشة الداخلية، الراجعة في مطرح أساسي إلى المكابرة على التعدديات الدينية والإثنية القائمة، هو هدف حكماً متعثر.

أمام هذا الوضع: الحصيلة الكارثية في نهاية المطاف، لمنطق تولية الحركات والفصائل بدل الدول والجيوب النظامية، واستعصاء استئناف "الرجعة إلى الدولة"، الا بأشكال "مبهبطة" وغير سوية، ما من مناص من محاولة المواءمة بين تشخيصات التحديات على مستوى كل جماعة ضمن هذا المشرق، وبين تشخيص الحاجة إلى تصور عابر للكيانات، تصور يحاول بالفعل أن يتخيل وضع شرق المتوسط بحلول نهايات هذا القرن، ليبني على هذا التصور المتخيل إرهاصات خارطة طريق تراكمية طويلة الأمد منذ الآن. كثرة التبرم من اليوتوبيا أسوأ ألف مرة من الاستلاب بها. من دون يوتوبيا مشتركة لشعوب المشرق، سيتواصل تآكل وخمول هذه المجتمعات.

التمسك بهذا العنصر اليوتوبي، بالحاجة إلى تصور كيف يمكن أن تكون هذه المنطقة من العالم، من شرق المتوسط حتى دجلة والفرات، قابلة للعيش، للعمران، للتفتح مجددا، في النصف الثاني من هذا القرن، هو التمسك بالحق ليس فقط في اجتراح المستقبل، بل في أن يكون لنا حاضر، مثلما أنه العنصر الذي بالاتكاء عليه يمكن التقدم خطوة في اتجاه "تخيل" تصور للسلام ليس هو التصور الذي يقنع نفسه بالتصديق على اللاتوازن الإسرائيلي المطلق. هذا التوازن يقفل من تاريخنا حقبة، لكنه يمنع كل شكل لانبلاج أي حقبة جديدة. دون أن تأخذ مجتمعات المشرق أي قوام حيوي حضاري لها.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن