تتعقد الأوضاع في المنطقة دون أن تفلح الجهود والوساطات، وحتى الاتصالات، بفتح ثغرة لوقف الحرب الشعواء في غزّة، والتي تفوق كل التصورات والتوقعات لجهة همجيتها واجرام المحتل وانتهاكه كل الاعراف والقوانين الدولية. في وقت لا يبدو لبنان أيضًا بعيدًا عن المخططات الاسرائيلية المستمرة لادخال البلاد في أتون حرب جديدة مع استمرار الانتهاكات لاتفاق وقف النار سواء عبر التعديات شبه اليومية جنوبًا واستمرار احتلال التلال الخمس الاستراتيجية على طول الحدود وصولاً الى الخرق الخطير والذي تجلى فجر اليوم، الثلاثاء، بشنّ غارة جوية جديدة على الضاحية الجنوبية لبيروت.
ويفتح هذا الاستهداف الثاني للضاحية الجنوبية منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي الباب على مصراعيه ويحمل الحكومة اللبنانية، كما "حزب الله"، مسؤوليات كبيرة خاصة أن كل المساعي التي يمارسها "أصدقاء لبنان"، وعلى رأسهم فرنسا، لم تلقَ أي أذانًا صاغية لدى الجانب الاسرائيلي الذي يستمر في مخططاته بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، التي لا يوفر مسؤوليها اي فرصة للاعلان عن وقوفهم المستمر والدائم مع تل أبيب وحقها المشروع في "الدفاع عن نفسها".
وفي التفاصيل حول الغارة الصباحية، أعلن الجيش الإسرائيلي، في بيان مشترك مع جهاز الأمن الداخلي (الشاباك)، استهدافه عنصرًا في "حزب الله" كان يوجّه نشطاء من "حماس" في الفترة الأخيرة، وساعدهم في محاولة تنفيذ هجوم خطير ووشيك ضد مدنيين إسرائيليين.. وشكل تهديدًا حقيقيًا وفوريًا". وأضاف البيان أنّه "نظرًا للتهديد المباشر الذي شكّله هذا الإرهابي، فقد تحرّك الجيش والشاباك لتصفيته وإزالة التهديد"، من دون الكشف عن هوية الشخص المستهدف بغارة الضاحية الجنوبية التي أودت، وفق حصيلة أولية لوزارة الصحة، عن استشهاد 3 أشخاص وإصابة 4 آخرين. وتأتي هذه الغارة على وقع التحذيرات التي سبق وأطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأسبوع الماضي، من أنّ جيشه "سيضرب في كلّ مكان في لبنان ضدّ أيّ تهديد".
الاوضاع اللبنانية على خطورتها والتي تزيد من الاعباء الملقاة على عاتق الحكومة لجهة عدم القدرة على اعادة الاعمار أو توفير الاستقرار لجذب الاستثمارات في بلد يئن من الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، تترافق مع تزايد الضغوط الاسرائيلية على أهالي قطاع غزة والتي تمثلت أمس، الاثنين، بطلب اخلاء مدينة رفح، أقصى جنوب القطاع، بشكل كامل، في خطوة غير معتادة ترافقت مع طلب إخلاء أجزاء ليست بالصغيرة من المناطق الجنوبية الشرقية لخان يونس المجاورة لرفح. وبحسب مصادر ميدانية لـ"الشرق الأوسط" أن مخطط إسرائيل الأساسي يهدف لإقامة منطقة عازلة لمسافة تصل إلى كيلومتر داخل معظم حدود القطاع، لإبقاء سيطرتها العسكرية والأمنية على القطاع في المستقبل، وهو ما أكده نتنياهو في تصريحات له بمستهل الجلسة الأسبوعية لحكومته، الأحد.
ومنذ استئناف الحرب قبل أسبوعين، تجاوز عدد الشهداء الألف، معظمهم من الأطفال والنساء، في وقت يعيش أهل القطاع ظروفًا انسانية مأساوية وكارثية مع تشديد اسرائيل الحصار المفروض عليهم ووقف معظم الوكالات الاممية عملها بسبب المخاوف من استهدافها وسط تحذيرات من تفاقم حالات سوء التغذية وتفشي المجاعة والامراض. ورغم جهود الوسطاء وكثرة المقترحات المعلن عنهم، لا تزال العقد كبيرة خاصة أن نتنياهو يتمسك بمقترح "معدل" لمبعوث الرئيس الاميركي الى الشرق الاوسط، ستيف ويتكوف، كشرط للحديث عن المرحلة النهائية في الحرب. في حين نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن هناك مقترح هدنة تستمر ما بين 40 و50 يومًا في غزة مقابل إعادة نحو نصف المحتجزين الإسرائيليين.
في غضون ذلك، ذكرت القناة الـ12 الإسرائيلية أن "حماس" رفضت العرض الإسرائيلي الذي اقترحه نتنياهو. وقالت القناة إن تل أبيب حذرت الحركة عبر الوسطاء من أن "هذه فرصتكم الأخيرة للموافقة، بعد ذلك، إن لم تُفرجوا عن الأسرى، ستُفتح أبواب الجحيم، تمامًا كما قال الرئيس ترامب". ورغم رفض اهالي الاسرى والتظاهرات الحاشدة المستمرة وتعاظم النقمة الشعبية ضد نتنياهو، الا ان الاخير يمضي بسياسته ضاربًا عرض الحائط بكل الانتقادات، حيث أعلن عن اختيار القائد الأسبق للبحرية اللواء إيلي شارفيت رئيسًا جديدًا لجهاز الأمن الداخلي (الشاباك) خلفًا للرئيس السابق رونين بار الذي أقاله بسبب خلافات بين الشخصين. يُذكر أن شارفيت لم يخدم في أي نشاط أمني استخباري، ولا يعرف كيف يعمل الجهاز.
تزامنًا، تتواصل الغارات الاميركية على مناطق متفرقة في اليمن موقعة المزيد من الأضرار والخسائر، فيما أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع عن إسقاط طائرة مسيّرة أميركية "معادية" في أجواء محافظة مأرب بصاروخ باليستي محلي الصنع، متوعدًا بالاستمرار في "منع الملاحة الإسرائيلية في البحرين الأحمر والعربي حتى وقف العدوان على غزة ورفع الحصار عنها". كما أشار سريع إلى أن الجماعة لن تتردد في تنفيذ المزيد من العمليات التي وصفها بـ"الدفاعية ضد كافة القطع الحربية المعادية خلال الأيام المقبلة".
ما يحدث في اليمن يلقى ارتدادات في طهران، حيث تعهد المرشد علي خامنئي بتلقي الولايات المتحدة "صفعة قوية" إذا تصرفت بناءً على تهديدات الرئيس ترامب بقصف إيران إذا لم تتوصل إلى اتفاق نووي جديد مع واشنطن. وسلمت إيران، أمس، تحذيرًا يتعلق بتلك التهديدات إلى السفارة السويسرية، باعتبارها تمثل المصالح الأمريكية وتعمل وسيطاً بين البلدين، معربة أنها مصممة على الرد "بحزم وبشكل فوري" على أي تهديد. كما قدمت شكوى الى مجلس الامن التابع للأمم المتحدة، مطالبة اياه بإدانة تهديد ترامب باعتباره انتهاكًا للقانون الدولي.
أما مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني، فقلل من أهمية العمل العسكري قائلًا إنه: "حتى لو هاجمت الولايات المتحدة منشآتنا، فلن تتمكن من تأخير تقدمنا النووي لأكثر من عام أو عامين؛ لأننا اتخذنا التدابير اللازمة لهذا الأمر". وأضاف "لدينا تحليلات خارجية تشير إلى وجود مخططات لخلق الفوضى داخل إيران، بالتزامن مع تحركات من الخارج". وكان ترامب أمهل طهران شهرين لاتخاذ قرار بشأن الدخول في مفاوضات جديدة حول برنامجها النووي، أو مواجهة تحرّك عسكري محتمل وذلك خلال الرسالة التي وجهها الى خامنئي مطلع الشهر الماضي.
في الشأن السوري، فقد لاقى تشكيل الحكومة الجديدة اصداءً متباينة، ففي الشكل نجح الرئيس الحالي أحمد الشرع بإخراج تركيبة حكومية مؤلفة من 23 وزيرًا شملت معظم أطياف الشعب السوري، إن من حيث تمثيل الطوائف او اختيار العنصر النسائي (اقتصر على إمرأة واحدة فقط هي هند قبوات، كوزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل)، وذلك ترجمة لمساعيه لطمأنة الدول الاجنبية والسعي لرفع العقوبات المفروضة على بلاده. أما في المضمون، فقد واجهت الخطوة وابلًا من الانتقادات الداخلية لاسيما من الادارة الذاتية الكردية، التي اعتبرت انها "تشابهت بشكل كبير مع سابقاتها، من حيث عدم أخذ التنوع في سوريا بعين الاعتبار". كما أعلنت بوضوح عدم تطبيق وتنفيذ القرارات الصادرة عنها.
هذا واحتفظ عدد من الوزراء المقربين من الرئيس الشرع بمناصبهم أو حصلوا على مناصب أخرى في الحكومة، كمرهف أبو قصرة الذي استمر بمنصب وزير الدفاع وأسعد الشيباني بمنصب وزير الخارجية، وشغل محمد البشير منصب وزير الطاقة بعد أن تولى رئاسة حكومة تصريف الأعمال. في حين، رحبت الناطقة باسم الخارجية الأميركية تامي بروس بما وصفته بـ"الخطوة الإيجابية"، موضحة أن بلادها لن تخفف العقوبات حتى تتحقق من إحراز تقدم بشأن الأولويات بما في ذلك مكافحة "الإرهاب". ويأتي هذا الاعلان في وقت سُجلت أحداث أمنية متفرقة في عدد من المناطق السورية بما في ذلك حمص وطرطوس والسيدة زينب بدمشق.
الصحف العربية الصادرة اليوم ركزت في عناوينها ومقالاتها وأفسحت مساحات للحديث عن الأوضاع في غزة وما يواجهه أهلها من مخططات للتهجير وسط دعوات متكررة لأهمية توحد العرب ورص الصفوف لمواجهة المخططات الإسرائيلي، ونرصد:
رأت صحيفة "الوطن" القطرية أن "ما رأيناه في رفح بالأمس يشكل مثالًا صارخًا على الاستهتار الفج بالقانون والقيم والأخلاقيات، وهو نوع من التمادي، ما كان ليستمر على هذا النحو لو أن الجرائم الإسرائيلية وجدت من يلجمها منذ البداية"، وتابعت: "والآن..فإن المجتمع الدولي أمام امتحان عسير، يتعين أن يخوضه بجرأة، عبر توجيه الاتهام للاحتلال، ومعاقبته على جرائمه التي يندى لها جبين الإنسانية".
ولم يختلف موقف صحيفة "الراية" القطرية التي شددت على أن "الاحتلال يعمل على فرض التهجير القسري على الشعب الفلسطيني تحت ستار أوامر الإخلاء واستمرار القصف الجوي العنيف، ما يدفع مئات الآلاف إلى النزوح مجددًا دون أي مأوى"، مؤكدة أن "الحل لإنهاء أزمة المُحتجزين الإسرائيليين لن يكون بالعمل العسكري وهذا ما تدركه إسرائيل جيدًا بل من خلال المفاوضات، لذا فإن كل المحاولات لفرض واقع جديد بغزة غير مقبولة ويجب أن تواجه بحزم دولي".
وتحت عنوان "تهجير أهالي غزة لدول أخرى"، كتبت صحيفة "الوطن" البحرينية "إن الدول التي ربما توافق على استقبال أهالي غزة، فإنها بذلك قد تفتح عليها أبواباً من الانتقادات الشديدة والغضب الكبير، خاصة من الدول العربية التي ترفض أي نوع من أنواع التهجير، وتحت أي مسمّى"، داعية الى "الضغط العربي على المجتمع الدولي لإيقاف مثل هذا التهجير، بل والدفع باتجاه معاقبة أي دولة توافق على استقبال أهالي غزة، حتى لو كان الغطاء هو "عمل وتحسين معيشة".
من جهتها، تحدثت "الأهرام" المصرية عن مساعيها "لإطلاق مسار سياسي يفضي إلى حل الدولتين لحل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني من جذوره، باعتباره السبيل الوحيدة لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة". وقالت: "في مقابل تيار التطرف والميليشياوية الذي يقود المنطقة إلى الهاوية ويتغذى على إشعال الحرائق والصراعات، تجسد مصر دائمًا نموذج الحكمة والتحرك بفاعلية لإطفاء الحرائق في الإقليم والعمل على تسوية الأزمات والصراعات".
أما صحيفة "القدس العربي"، فاعتبرت أن "جيش الاحتلال الإسرائيلي تمتع طويلاً بمناعة شبه مطلقة ضد المساءلة والحساب بصدد شتى ممارسات العنف والانتهاكات ضد المدنيين الفلسطينيين العزل، وتعوّد دائماً على الإفلات من العقاب حتى عند ارتكاب جرائم حرب وفظائع دامية صريحة". واضافت "مألوف أيضاً من مجرمي الحرب أن يمنعوا عمليات البحث عن المسعفين القتلى، والإبقاء على جثثهم مطمورة في الرمال إلى درجة التحلل"، وذلك في معرض إشارتها الى انتشال جثامين 8 من المسعفين العاملين في الهلال الاحمر الفلسطيني، و6 آخرين من عناصر الدفاع المدني قتلهم جيش الاحتلال بطريقة وحشية.